![]() |
|
ما بعد زيارة الأربعين .. تجسيد القيم في الواقع الشيعي ثم إيصالها الى العالم رسالة الأربعين الحسيني فرصة (للشيعة) قبل أن تكون رسالة (للعالم)
موقع الإمام الشيرازي 22 / صفر / 1447هـ
كيف يمكن للشيعة، الذين يسعون لإيصال رسالة الحسين الإنسانية إلى العالم، أن يجسدوا القيم الحسينية في واقعهم، بينما يعانون من تحديات غياب العدالة، وضعف القانون، والفقر، والبطالة، والفساد، وهزال الحوكمة؟! ثم كيف يمكن لـ رسالة الأربعين أن تكون جسراً لتجديد القيم الحسينية في الذات، والمجتمع، والعالم؟
------------------------------ زيارة الأربعين، التي تقام سنوياً في مدينة كربلاء المقدسة بالعراق، ظاهرة دينية وثقافية وإنسانية فريدة من نوعها. يسير فيها ملايين الزوار، من مختلف مدن وقرى العراق وخارجه، مشياً على الأقدام، متجهين نحو مرقد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، في تجمع يُعتبَر من أكبر التجمعات البشرية الدينية في العالم. هذه الزيارة الاستثنائية، التي تُحيي ذكرى استشهاد الحسين في معركة كربلاء سنة 61 هـ، وواقعة السبي الأليمة والموجعة، شعيرة دينية، وحدث حضاري يجذب انتباه العالم، بما في ذلك الصحفيون والإعلاميون من أوروبا وأمريكا، كما وثقت تقارير اليونسكو التي أدرجتها ضمن التراث الثقافي غير المادي. لكن، في ظل هذا الحضور العالمي، تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يمكن للشيعة، الذين يسعون لإيصال رسالة الحسين الإنسانية إلى العالم، أن يجسدوا القيم الحسينية في واقعهم، بينما يعانون من تحديات غياب العدالة، وضعف القانون، والفقر، والبطالة، والفساد، وهزال الحوكمة؟! ثم كيف يمكن لـ رسالة الأربعين أن تكون جسراً لتجديد القيم الحسينية في الذات، والمجتمع، والعالم؟ مفارقة .. القيم السامية والواقع المرير رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، كما ورد في كلماته: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" (بحار الأنوار. ج44 – ص329)، هي امتداد لرسالة الأنبياء، التي تقوم على العدالة، والحرية، والأمانة، والخير، والسلام، ونصرة المظلوم، ومساعدة الضعيف والمريض واليتيم والأرملة. هذه القيم تشكل جوهر الدين والأخلاق، كما أكد الإمام الشيرازي الراحل(قده): "إن الإسلام منذ أن أعلن نبيه أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، أبدى ارتباطاً وثيقاً بين الدين والخلق". لكن المفارقة تكمن في أن الشيعة، وهم يحملون هذه الرسالة السامية، يعيشون في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة، خاصة في العراق، حيث يعانون من الفقر، والبطالة، وتقوض الحريات، والفساد السياسي والمالي والإداري، وتردي الخدمات العامة. هذه المفارقة تفرض سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لرسالة الأربعين أن تكون أداة لتحقيق للقيم الحسينية داخل المجتمع الشيعي أولاً، قبل أن تُقَدَّم كرسالة عالمية؟ وهكذا، يجدر بالشيعة الذين يسعون إلى إيصال رسالة الأربعين الى العالم أن تصل أولاً إليهم أنفسه. هذا التحدي يتطلب إعادة تأمل في كيفية استثمار زيارة الأربعين لتحقيق تحولات إيجابية في الوعي الإيماني والقيمي والسلوك التقوائي والأخلاقي، على المستويين الفردي والجماعي. من شعيرة دينية إلى ظاهرة حضارية باتت زيارة الأربعين حدثاً عالمياً يتجاوز حدود الشعيرة الدينية، حيث تبرز صورة الشيعة ومذهبهم للعالم. زيارة الأربعين مسيرة إيمانية عالمية، وهي أيضاً تعبير عن التضامن الإنساني، حيث يقدم الزوار والمجتمعات المحلية خدمات الضيافة والدعم للملايين دون تمييز ديني أو عرقي. هذا الحدث، كما وثقته وسائل الإعلام الدولية، يعكس قيم الإيثار والكرم، التي تتجلى في تقديم الطعام، والمأوى، والرعاية للزائرين. لكن، لكي تكون هذه الزيارة أداة فعالة لنقل رسالة الحسين (عليه السلام)، يجب أن تُستَثمَر على مستويين: داخلياً، من خلال تعميق الوعي الديني والأخلاقي لدى الزوار، وخارجياً، من خلال تقديم نموذج إنساني يعكس القيم الحسينية. هذا يتطلب تركيزاً على تجسيد هذه القيم في السلوك اليومي، سواء في التقوى، أو الأخلاق، أو الإصلاح الاجتماعي.
يجدر بالشيعة الذين يسعون إلى إيصال رسالة الأربعين الى العالم أن تصل أولاً إليهم أنفسهم. هذا التحدي يتطلب إعادة تأمل في كيفية استثمار زيارة الأربعين لتحقيق تحولات إيجابية في الوعي الإيماني والقيمي والسلوك التقوائي والأخلاقي، على المستويين الفردي والجماعي
تجسيد القيم الحسينية .. في الفرد والمجتمع لاشك أن الهدف الأكبر من الشعائر الحسينية كافة هو تجسيد القيم الحسينية في الفرد والمجتمع، ويمكن لزيارة الأربعين، باعتبارها شعيرة فريدة وفعالية استثنائية، أن تكون منصة لتجسيد القيم الحسينية على النحو التالي: (1) يشدد الإمام الحسين (عليه السلام) على أن "شيعتنا من سلمَت قلوبهم من كل غش وغل ودغل" (بحار الأنوار: ج65 - ص156). زيارة الأربعين فرصة لمراقبة النفس ومحاسبتها، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله): "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" (بحار الأنوار: ج67 - ص64). هذا التطهير الروحي يمهد الطريق لسلوك أخلاقي يعكس التقوى والورع. (2) يقول الإمام الحسين (عليه السلام): "إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم" (بحار الأنوار: ج45 – ص51). هنا، يقدم الإمام الحسين (عليه السلام) رؤية عميقة للحرية تجمع بين البعدين المادي والمعنوي. الإمام يشير الى أن الحرية تشكل الحد الأدنى من المبادئ التي يجب أن تحكم العلاقات الإنسانية، حتى في غياب الدوافع الدينية. فهي تتحول إلى "دين إنساني" بديل يحفظ كرامة الفرد والمجتمع. أيضاً، الإمام يبين أنه بالحرية يتحرر الإنسان من العبوديات الداخلية كالخوف، والتبعية والانقياد الأعمى، وأيضاً العادات السيئة والتصرفات المعيبة. في الوقت تؤكد مقولة الإمام أن الحرية طريق لتحقيق الذات عبر الاختيارات الواعية، كما أن الحرية شرط ضروري للعدالة الاجتماعية. بالتالي، فإن زيارة الأربعين ينبغي أن تكون منبراً لتعزيز قيم الحرية الفكرية والعدالة الاجتماعية، خاصة في مواجهة الظلم والفساد. يقول سماحة المرجع الشيرازي(دام ظله): "أول ما يحرره الإسلام في الإنسان هو عقله، وأول ما يصونه هو حريته في اختيار الدين؛ فلا إكراه في العقيدة، ولو كان المرء يعيش في ديار الإسلام، في ظل رعايته وحمايته."
لتكون رسالة الأربعين مؤثرة وفاعلة وأكثر إقناعاً، يجب أن تُتَرْجَم أولاً في واقع الشيعة، من خلال تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الشيعية، وتعزيز العدالة والشفافية في دولهم
(3) يقول الإمام الحسين (عليه السلام): "أيها الناس من جادَ سادَ، ومن بَخِل رَذِلَ، وإنّ أجودَ الناس من أعطى من لا يرجو، وإنّ أعفى الناس من عَفى عن قدرةٍ، وإنّ أوصلَ الناس من وَصلَ من قَطَعَه" (بحار الأنوار: ج75 – ص121). وأوصى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قائلاً: "شيعتنا من قدّم ما استحسن، وأمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالأمر الجليل، رغبة الى رحمة الجليل، فذاك منّا وإلينا ومعنا حيثما كنّا" (بحار الأنوار: ج65 – ص169). هذا يعني أن الزائر يجب أن يكون متخلقاً بهذه الأخلاق حتى يكون شيعياً ثم سفيراً للقيم الحسينية الإنسانية والأخلاقية، ليعكس الصورة الحقيقية لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، في الزيارة، والبيت والمسجد والسوق والشارع والمؤسسة والجامعة والحوزة، وفي كل مكان. يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): "تركت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) أثراً كبيراً في تعديل السلوك الإنساني، كما أعاد بنهضته الشريفة مكارم الأخلاق التي بناها جدّه الكريم (صلى الله عليه وآله)، ودعا الناس للتخلّق بها في كل مراحل الحياة". (4) أوضح الإمام الحسين (عليه السلام) أن التغيير والإصلاح هو جوهر حركته النهضوية وقال: "إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر" (بحار الأنوار: ج44 – ص329). يؤكد الإمام الحسين (عليه السلام) في تبيان دوافع نهضته الإصلاحية أنه لم يخرج طالباً للترف أو العبث، ولا راغباً في الإفساد أو الظلم، وإنما ثار ساعياً لإصلاح أمة جده (صلى الله عليه وآله)، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر. مؤكداً أن ثورته لم تكن سعياً وراء السلطة أو المصالح الذاتية، بل إنقاذاً للأمة من براثن الفساد، وتجسيداً عملياً لمنهج جده المصطفى وأبيه المرتضى (عليهم الصلاة والسلام). على هذا، يمكن لزيارة الأربعين أن تكون دافعاً للعمل على تغيير الواقع الاجتماعي، من خلال مكافحة الفساد، ودعم الفقراء، ونصرة المظلومين، سواء داخل المجتمع الشيعي أو خارجه.
يجب على الزائر أن يكون متخلقاً بأخلاق أهل البيت (عليهم السلام) حتى يكون شيعياً ثم سفيراً للقيم الحسينية الإنسانية والأخلاقية، ليعكس الصورة الحقيقية لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، في الزيارة، والبيت والمسجد والسوق والشارع والمؤسسة والجامعة والحوزة، وفي كل مكان
(5) يؤكد الإمام علي (عليه السلام): "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق". هذه الرؤية تدعو إلى قبول التنوع الديني والمذهبي، والتعايش مع الآخر، الآخر الديني والفكري والقومي والعرقي، وذلك للحفاظ على وحدة المجتمع وأمنه واستقراره، مما يجعل زيارة الأربعين فرصة نموذجية لتكريس قيم التعايش والتضامن والتعاون من أجل خير الجميع. (6) يقول الإمام الحسين (عليه السلام): "مَن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقتِ حاجته، وصرف عنه من بلاءِ الدّنيا ما هو أكثر منه، ومن نَفَّسَ كُربَةَ مُؤمِنٍ فَرّج الله عنه كَرْبَ الدنيا والآخرة، ومن أحسنَ أحسن اللهُ إليه، والله يُحبُّ المحسنين" (بحار الأنوار: ج75 – ص122). وقال الإمام الصادق (عليه السلام): "قال الله سبحانه: الخلق عيالي، فأحَبَهم إليَّ ألطفَهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم" (الكافي: ج2 - ص199). وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): "إن لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة" (الكافي: ج2 - ص197). وهكذا، فإن زيارة الأربعين صفحة مشرقة وفريدة للرحمة والمحبة والتعاون فإن هذه الزيارة دعوة عملية مؤثرة في تكريس قيم الرحمة والعطف واللطف من خلال الكرم والعطاء الذي يقدمه المحبون للزوار. الواقع .. تحديات تجسيد القيم الحسينية على الرغم من هذه القيم السامية، تواجه المجتمعات الشيعية تحديات كبيرة في تجسيدها. الفقر، والبطالة، والفساد، وتردي الخدمات الحياتية في العراق، على سبيل المثال، تُضْعف قدرة المجتمع على عكس هذه القيم. هنا، تكمن أهمية أن تكون زيارة الأربعين نقطة انطلاق للإصلاح الداخلي، نحو البناء السليم الذاتي والمجتمعي، من خلال تعزيز الوعي الديني والأخلاقي، وتشجيع العمل الجماعي لمواجهة الفساد وتحسين الحوكمة، سعياً لبناء دولة العدالة والسلام والرفاه. عليه، فإن الزائر الذي يحمل رسالة الأربعين يجب أن يكون نموذجاً حياً لهذه القيم، في سلوكه الشخصي وتعامله مع الآخرين، والأمر ينطبق على كل شيعي. رسالة عالمية .. من كربلاء إلى العالم زيارة الأربعين، بما تحمله من قيم إنسانية، لديها القدرة على أن تكون رسالة عالمية. هذه الرسالة، التي تجمع بين التقوى، والحرية، والأخلاق، والإصلاح، يمكن أن تلهم العالم، كما ألهمت شخصيات مثل غاندي، الذي استلهم من الحسين قوة المقاومة السلمية. لكن، لتكون رسالة الأربعين مؤثرة وفاعلة واكثر إقناعاً، يجب أن تُتَرْجَم أولاً في واقع الشيعة، من خلال تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الشيعية، وتعزيز العدالة والشفافية في دولهم. بالتالي، فإن زيارة الأربعين شعيرة دينية مليونية عالمية، وبذلك هي فرصة عظيمة لتجديد العهد مع رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، التي تجمع بين قيم الإيمان والإنسان. لكن هذه الرسالة تتطلب تجسيداً عملياً في الذات والمجتمع قبل أن تُقدَّم للعالم. وهكذا، فإنه من خلال تعزيز التقوى، والأخلاق، والحرية، والإصلاح، يمكن للزائرين أن يكونوا سفراء لقيم الإمام الحسين (عليه السلام)، ليس فقط في كربلاء، بل في كل مكان. مع ذلك، فإن تحقيق هذه الرسالة يبدأ من مواجهة التحديات الداخلية، لتكون زيارة الأربعين جسراً للإصلاح والتغيير، داخل المجتمع الشيعي وخارجه، مؤكدةً أن رسالة الحسين هي رسالة الأنبياء، خالدة وعابرة للحدود. |