العراق والصراع الجيلي في سياقات الانتقال السياسي وإدارة السلطة


 

 

د. شجاع محمود

موقع الإمام الشيرازي

 

ساسة - يعاني العراق وكذا الحال بالنسبة لمعظم دول المنطقة، من أزمة صراع جيلي في سياقات الانتقال السياسي وإدارة السلطة، وهو نتاج لتراكمات عديدة من بينها؛ غياب الثقافة المجتمعية والسياسية لمجتمعات القمع التي تحتكر السلطة لها، ولا تفسح المجال لأي شكل من أشكال المشاركة السياسية، مما ينتج عن ذلك كثرة الانقلابات العسكرية، التي تقوم بها بعض المراتب العسكرية الشبابية، أو محاولات الانقلاب الأبيض، أو حالات التمرد، أو الحركات الاحتجاجية، والشواهد كثيرة على ذلك سواء في سياقه العراقي، وكذلك الاقليمي؛ الصراعات الداخلية على السلطة بين الأُسر السلطانية في منطقة الخليج، أو الانشقاق الذي حصل بين ملك الأردن مع شقيقه الأمير الشاب حمزة بن الحسين قبل عامين.

وبالعودة على ذي بدء، فإن الصراع الجيلي في العراق، لم يكن وليد اللحظة، بل كان ولا يزال قائمًا منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، إلا أن الاختلاف في صورة/وسيلة الصراع في سياق الانتقال السياسي. قبل عام ٢٠٠٣ كان الصراع الجيلي على السلطة، يكون عبر الانقلابات العسكرية، التي قامت بها بعض الرتب في المؤسسة العسكرية، إذ قام (بكر صدقي)، بأول إنقلاب عام 1936 وبعمر بلغ (٤٦) عامًا، أطاح عبره بحكومة ياسين الهاشمي، وتأسيس حكومة جديدة، والذي مكنه من أن يكون رئيسًا لأركان الجيش، بعد أن كان وكيل أركان الجيش. كما قام عبد الكريم قاسم بانقلاب تموز عام 1958 والذي كان يبلغ من العمر (44) عامًا، الذي أسقط النظام الملكي، وتولى صدام حسين السلطة عام 1978، والذي كان يبلغ من العمر (41) عامًا، بانقلاب أبيض على الرئيس أحمد حسن البكر.

أما بعد عام 2003، وما تبعه من سقوط النظام السياسي، تغيرت آليات الصراع في الوصول إلى السلطة، من الانقلابات إلى الانتخابات، واتخذ هذا الصراع أشكالًا عديدة؛ فهو إما صراع في بنية الأحزاب السياسية، الذي عبرت عنه الانشقاقات في الأحزاب السياسية، أو صراع على شكل حراك مجتمعي عبرت عنه تشرين عام 2019.

الصراع في بنية الاحزاب السياسية

تعرضت الأحزاب السياسية العراقية المؤثرة على المشهد السياسي، إلى انشقاقات كثيرة، ناجمة عن الصراع على إدارة السلطة، ولا سيما بعد تزايد الضغوط المجتمعية، المطالبة بالإصلاحات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، فمثلًا، انشق السيد عمار الحكيم من المجلس الأعلى، وأسس حزبًا شارك في الانتخابات البرلمانية (2014، 2018،2021)، بوصفه حزبًا عابرًا للمكوناتية السياسية، كما انشقت بعض الشخصيات السياسية المؤثرة في التيار الصدري، وأسست أحزابًا سياسية شاركت في الانتخابات، وانشق السيد صلاح العرباوي، وأسس حركة وعي، التي شاركت في انتخابات عام 2021 وطرح شعار الإزاحة الجيلية.

أما الصراع الجيلي عند المكون السني، فقد ظهر بشكل علني عقب الانتخابات البرلمانية في عام ،2018 عندما انشق رئيس البرلمان محمد الحلبوسي عن حزب الحل، الذي أسهم في أن يكون رئيسًا للبرلمان، وأسس تحالف تقدم، الذي لا يزال يسيطر على المشهد السياسي السني، بوصفه ممثلًا عن الجيل الشبابي، على الرغم من المحاولات العديدة للإطاحة به، من قبل القيادات التقليدية، كما انشق السيد مثنى السامرائي عن تحالف العزم برئاسة الخنجر، وأسس تحالف عزم، وقبلهما انشق السيد سليم الجبوري عن الحزب الإسلامي، وأسس حزب التجمع المدني للإصلاح عام 2017.

وفيما يتعلق بالصراع الجيلي الكردي، يمكن ملاحظة ذلك من خلال صراع الحزبان الكرديان مع الجيل الجديد، أو الصراع داخل أجنحة حزب الاتحاد الكردستاني، بين بافل طالباني، ولاهور شيخ جينكي على رئاسة الحزب.

الصراع الجيلي على شكل حراك مجتمعي

كشفت الاحتجاجات الشعبية، التي حدثت في تشرين الأول عام 2019 عن صراع جيلي على السلطة، خارج المنظومة السياسية التقليدية، وانتجت هذه الاحتجاجات أحزابًا، وحركات ناشئة، تطمح في إنتاج جيل سياسي ينافس القوى التقليدية، فقد شاركت القوى الناشئة في انتخابات عام 2021، وحصلت على ما يقارب 35 مقعداً في البرلمان العراقي، كما ستشارك أغلبها بتحالف انتخابي موحد في انتخابات مجالس المحافظات. وتواجه القوى الناشئة خطر التحول من قوى كانت تنادي ببناء الدولة، إلى قوى طامحة للسلطة، فضلًا عن ذلك واجهت صراع جيلي سياسي بين مكوناتها، وهو ما بدا واضحًا عبر الانشقاقات التي حدثت في حركة امتداد، هذا الصراع تنبهت إليه القوى التقليدية، التي دفعت كجزء من تكتيكاتها إلى تأسيس أحزاب سياسية ناشئة، تتولى إدارة السلطة وفقًا لرؤيتها، من أجل الحفاظ على مكتسباتها، ومكتسبات قواعدها الجماهيرية.

ونتيجة لذلك، لم تتمكن ثورة ١٩٢٠ التي أنتجت تأسيس الدولة العراقية، من الاستمرار في بناء مؤسساتها، نتيجة الانقلابات العسكرية المتتالية، التي كانت ترفع شعار بناء الدولة، ولا الانتخابات التي أنهت ظاهرة الانقلابات، أن تستكمل مقومات بناء الدولة؛ بسبب بعض الممارسات السلطوية التي تستغل الانتخابات. لذا فالصراع الجيلي عبر الانتخابات، سيفرغها من محتواها المعهود، إذ يعمل هذا الصراع، على إتباع ممارسات سياسية مشوهة، وتلصقها عنوه بالانتخابات، عبر تشريع قوانين معززة لبناء السلطة، على حساب بناء الدولة، وهو ما يؤثر على المسار الديمقراطي، الذي يعد الوسيلة الوحيدة لحقن دماء هذه الاجيال عبر صناديق الاقتراع.

* باحث في ساسة (كاتب وأكاديمي عراقي)

3/ جمادى الأولى/1445هـ

* ليس بالضرورة أن يتبنى الموقع جميع مضامين المقالات المنشورة.