لبنان من الدولة إلى البداوة


 

 

د. وجيه قانصو

موقع الإمام الشيرازي

---------------

البديهي في كل ما يحصل (في لبنان)، هو انهيار الدولة بوتيرة متسارعة، وانهيارها يعني ترهل مؤسساتها وضعف أدائها، واقترابها من الإفلاس في تغطية نشاطاتها وبدائل عمل موظفيها، ووصولها إلى حالة العجز الكامل من القيام بمهامها ووظائفها ومهمتها الرئيسية، التي هي إدارة شؤون المجتمع وتوفير شروط الحياة الكريمة لمواطنيها

------------------------------

جنوبية - عند كل لحظة مفصلية من الحياة السياسية في لبنان، تبدأ معركة إثبات الذات بين القوى، ومحاولات متكررة منها في تعديل موازين القوى أو تثبيتها. فمعركة الرئاسة الحالية، فيها كمّ هائل من الاستعراضات والمناورات والاستراتيجيات، ليس غرضها المجيء برئيس جديد، بل ترسيخ معادلة قوى جديدة تمحي المعادلة التي سبقتها، والتي على ضوئها يتم المجيء برئيس جديد. فالرئاسة ليست غرضاً بل أثراً ونتيجة لواقع يراد تأسيسه أو ترسيخه، لا وفق قواعد لعبة متعارف عليها أو نصوص دستورية مدوّنة، بل وفق ما يمليه اقتدار القوى وما تملكه من أدوات ووسائل وفائض قوّة. 

البديهي في كل ما يحصل، هو انهيار الدولة بوتيرة متسارعة، وانهيارها يعني ترهل مؤسساتها وضعف أدائها، واقترابها من الإفلاس في تغطية نشاطاتها وبدائل عمل موظفيها، ووصولها إلى حالة العجز الكامل من القيام بمهامها ووظائفها ومهمتها الرئيسية، التي هي إدارة شؤون المجتمع وتوفير شروط الحياة الكريمة لمواطنيها.ما ذكرناه ليس سوى المظهر الأبسط والمباشر، والأثر الملموس لانهيارات وتحوّلات عميقة تصيب المجتمع وأفراده، في طريقة عيشهم وقيمهم وعلاقاتهم وتدبير أمورهم.

انهيار الدولة بأبسط العبارة، يعني ارتكاسٌ إلى مستويات عيش بدائية وحتى متوحشة، يفترض أن يكون التاريخ قد محاها أو أنهى العصر الحديث فعاليتها.

انهيار الدولة يعني انهيار الحيّز العام، أي المساحة الجامعة للأفراد، وغياب المشتركات التي تتضافر الجهود لتعزيزها وتمتينها. هذا يعني أن العام يصير عرضة للتجزئة والتفتت، ويتحول إلى دوائر مقفلة ومكونات إجتماعية، أشبه بجزر معزولة عن بعضها. فتتحول الهوية من هوية عابرة للخصوصيات، يكون الاختلاف والتنوع سمتها ومصدر ديناميتها، إلى هوية تأْلفُ بما يشبهها ويتطابق معها، إلى تكوين متجانس في كل شيء، في الثقافة والدين والعرق واللهجة والعادات. بالتالي تنتعش الأساطير والسرديات المتعلقة بتلك الهوية، وتتمكن الخرافة من التسرب إلى العقول والنفوس، طالما أنها تسهم في إعلائها وتقديس رموزها وإثبات تفوقها على غيرها. عندها تمتلىء العقول بالأكاذيب والأضاليل، طالما أنها تعزّز الثقة والافتخار بالذات حتى لو كانا وهميين. 

حين تتفتت الهويات إلى مكوناتها الأبسط، تصبح الغيرية أمراً سلبياً ومُهدِّداً، فالتجانس يعني الحرص على استبعاد كل ما هو غيري ومختلف.

بالتالي ينتقل السلوك من البحث عما يجمع ويشترك مع الآخرين المختلفين، إلى ما يفرق ويميز عنهم، لتقوم العلاقة مع الآخرين، على التباعد والسلب والقطيعة لا على الوصل والإتصال. هي وضعية تستدعي سلوك التوجس والخوف من الآخر، وتحرك الغرائز العدوانية التي لا تطيق من يختلف عنها. مع انتقاء المشترك مع الآخر، تنتقل العلاقة من إدارة شأن عام جامع إلى علاقة هيمنة وغلبة بين المكونات الحاصة، معركة كسر إرادات. فالآخر ليس شيئاً أتعايش معه بل كائن لا بد من إلغائه أو ابتلاعه أو إفنائه، وإذا لم يكن بالإمكان ذلك، فليُستعبَد أو يخضع أو يُذل أو يُهان.

مع انهيار الدولة، تسقط عقلانية التفكير، فلا يعود العقل هو الذي يسوغ الفعل أو يمنحه مشروعية. فالعقل تتوزع منافعه وفوائده على الجميع بالتساوي، ووسيلته الحسابات الدقيقة والمنطقية ومجاله القواعد الكلية والعامة.

ما يعني أن العقل لا استثناءات في مبادئه ولا انتقاء، بل تنطبق على الجميع بالتساوي. وهو أي العقل لا يعمل إلا في دائرة عموم وفضاء عام ومجال بشري جامع، أما في ظل التفتت وانتعاش الهويات الخاصة، ونشوء العصبيات المفضية إلى الصراعات، فلا يعود لهذا العقل موطىء قدم أو ساحة اشتغال، بل تلغى وظيفته في السلوك وتتعطل ملكته لدى الافراد، لتحل محله الغرائز المتفلتة والعدوانية الطليقة، والانفعالات المتوترة التي لا تهدأ. 

أما الأثر الأخطر على انهيار الدولة، هو غياب أو نهاية الحرية. فالحرية مسوّغها عقلي، ومع انتفاء العقل تنتفي الحرية معه. ومع انتعاش العصبيات والحرص على تماسك الجماعات الخاصة، وتجانس فكرها وسلوكها ورأيها، لا يعود داخل هذه الجماعات من مجال للاختلاف أو التنوع، إذ طالما أنه عدو الجماعات المغلقة على نفسها، فإن الاختلاف لا يحارب خارجها بل يقمع داخلها أيضاً. بالتالي لا يبقى سوى المزاودة المحاكاتية، لنموذج الهوية النقي والمتعالي. فالهوية المغلقة لا تبحث عن عقلاء، بل عن محاربين ومغالين ومغامرين وحتى مجانين، يداعبوا مخيّلة أفراد هذه الهوّية وينموا عصبيتها، ويستجيبوا لعدوانيتها المكبوتة، ويلبوا نرجسيتها المتوهمة.

حينها لا يعود العدو هو الآخر المتربص، بل من تراه عدواً في الداخل، يصر على اختلافه وحرية رأيه وعقلانية موقفه. بالتالي، يصير الاستبداد ضرورة وحاجة لهذه الجماعات، لا لمواجهة الآخرين خارجها، وإنما تصفية الحساب مع كل رأي حر أو موقف معقلن في داخلها. ما ذكرناه من آثار وتداعيات ليس متوقعاً أو مخاطر نحذر منها، بل بات حاصلاً ومتحققاً في أكثره، ويدفع بنا لا نحو انهيار مستوى الحياة اللائق فحسب، بل نحو فناء الحياة نفسها. هي وضعية أخذ الجميع يتكيف معها ويستسلم لصورة الحياة الجديدة، بعدما بات يستسيغ فكرة الخروج من مدنية الدولة، والعودة إلى توحش البداوة.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)

28/ جمادى الآخرة/1444هـ