المخدرات في العراق بين التصنيف الطبقي والطائفي!


 

 

جاسم الحلفي

موقع الإمام الشيرازي

 

لا يمكن لعاقل الاقتناع بأن اجتياح المخدرات للعراق وانتشارها فعل غير مدبر. وأنا أجزم بأن الهدف من وراء ذلك ليس مجرد جعلها مصدراً لتمويل الميليشيات، مع أنها تعد من أهم اقتصاديات العصابات المسلحة، كونها تدر عليهم أموالاً طائلة. حتى أصبح المردود المالي لتجارة المخدرات يفوق ما يحصلون عليه من صفقات الفساد، التي لا تكاد مؤسسات الدولة ودوائرها تخلو من نفوذهم فيها.

لا يبدو إذاً أن جني المال فقط هو غاية الجهة صاحبة القرار الجهنمي بإغراق العراق بالمخدرات، مع أن تجارتها أصبحت تجارة الميليشيات الرائجة التي لا تنافسها تجارة أخرى، بعد أن غزت سمومها التجمعات الشبابية في مدن العراق وحواضرها. إنما يكمن الهدف الخبيث في تدمير شباب العراق وتحطيم قواهم العقلية والمعنوية، وبالتالي جعل العراق واهناً هشاً يتهاوى من شدة الضعف.

من جهة ثانية، لا يمكن حصر أسباب تفشي ظاهرة إدمان الشباب العراقي على المخدرات، في البطالة والجهل والفقر. فقد شمل التعاطي أولاد الاسر الميسورة، والعوائل المترفة، وامتد الى المتعلمين وطلبة الجامعات.

ومن المفارقات التي نسمعها تصنيف تناول المخدرات على وفق الانقسام الطبقي للمجتمع، فأصناف حبوب الكبتاغون، او ما يطلق عليه عندنا صفر واحد، هي من حصة الأغنياء والمترفين، المتنعمين بمال الفساد. أما الفقراء فحصتهم هي الكريستال.

والمفارقة الأخرى هي تخصص كل من الدول الإقليمية بتصدير نوع محدد من المخدرات للعراق. فالكريستال والحشيشة تأتي عبر الحدود مع غيران نحو محافظتي ميسان والبصرة، في حين تدخل حبوب الكبتاغون عن طريق سوريا نحو محافظة الأنبار. وهناك من يسخر ويقول: حتى المخدرات قُسمَتْ طائفياً، الكبتاغون تنتشر في المحافظات ذات الأغلبية السنية، والكرستال في المحافظات ذات الأغلبية الشيعية.

اما المفارقة الثالثة والعجيبة فهي أن هناك مَنْ يقدم المخدرات لضيوفه بعد كل وليمة كضيافة واجبة، مثلما يقدم الفواكه والحلوى. وفيما تبلغ نسبة تعاطي الكريستال(37.3%)، فإن نسبة الكبتاغون تصل الى (28.35%)، وهذا احد مؤشرات اتساع نسب تعاطي هاتين المادتين، ومديات استفحالها في المجتمع العراقي بعد عام 2003.

وقد وضعت مستشارية الأمن الوطني المخدرات في المقام الأول بين المخاطر التي تنهش العراق، فهي بهذا المعنى أخطر من إرهاب داعش. لكن هذا لا يردع من يقومون بنشرها، ولا يحد من توزيعها، فقد بنى موردوها قاعدة مادة قوية لتهريبها عبر منافذ حدودية عديدة، وبكميات مهولة، وأصبحت كلمة تهريب لا تستوفي مدلولها، ولا تنطبق على طريقة إدخالها، فهي تنتقل (عينك عينك)، كما يقول المثل الشعبي. ولا يمر يوم دون أن نسمع خبراً عن إلقاء القبض على متاجرين بها. ومع ذلك يتسع نطاق انتشارها المدمر.

وكان قد سبق لمصدر في جهاز المخابرات الوطني العراقي أن صرح بأن “الكثير من جهودنا تذهب أدراج الرياح، فبعد إلقاء القبض على عصابات التهريب والترويج، تتدخل في الكثير من الأحيان الجهات التي ينتمون لها لإطلاق سراحهم”. 

* (مثقف عراقي)

26/ صفر/1444هـ