النظام السياسي العراقي بين القانون وإرادة الأحزاب(1+2)


 

 

د. عقيل عباس

موقع الإمام الشيرازي

 

(1)

يزدهرُ هذه الأيام عراقياً استخدام مصطلح "الفتنة" والتحذير من "إشعال فتيلها" الذي" يمكن أن يحرق الأخضر واليابس" وسواها من التنويعات اللغوية السائدة في خطاب ساسة ومحللين عراقيين عند تعاطيهم مع المواجهة الحالية بين التيار الصدري والإطار التنسيقي.

يمثل هذا الاستخدام التراثي لتوصيف مشكلة غير تراثية أحد الالتفافات العراقية المألوفة على المشاكل الحقيقية عبر إحالتها، كما في الفهم الديني للفتنة، إلى فعل "الشيطان" أو تحويراته وامتداداته المطاطية الكثيرة والمفتوحة حسب الحاجة كما في افتراض فاعلين أشرار مخفيين يهدفون إلى اختبار إيمان "المؤمنين" ووحدتهم في إطار تضليلهم لحرفهم عن "الطريق القويم" من خلال تأليب بعضهم على البعض الآخر! بالطبع، لا يمكن لهذا التزييف الميتافيزيقي المعتاد للوعي العام في عراق ما بعد 2003 أن يمنع الكثيرين من رؤية الحقيقة: صراع واضح ومباشر على السلطة بين طرفين معروفين، لا علاقة له لا بالشيطان ولا بفاعلين أشرار متخفين يريدون الإيقاع بين المختلفين.

في العراق، عادةً ما يُتهم "الشيطان" بالأفعال السيئة التي يقترفها ساسة ويصرون عليها ويواصلون الاستفادة منها.

تكمن المشكلة الحقيقية في البلد في فشل المؤسسات في استيعاب الصراعات السياسية وتنظيمها وحلها تالياً عبر الأدوات القانونية والآليات الدستورية.

كان هذا الفشل واضحاً من البداية بعد إمرار الدستور في خريف 2005، بوصف هذا الدستور عقداً اجتماعياً مُصادقاً عليه شعبياً يعمل كناظم للحياة السياسية.

مرت تجربة كتابة الدستور بمخاضات صعبة وتضحيات مؤلمة على مدى نحو عام منذ تخلي الأميركان التدريجي في 2004 عن فكرتهم الأصلية، والصحيحة، أن تكتب هذا الدستور لجنة مختصة قبل إخضاعه لنقاش شعبي وسياسي عام، ثم عرضه على الشعب للتصويت عليه في إطار ترتيبات أطول زمنياً وأكثر تدريجية لانتقال السلطة الكامل من الأيادي الاميركية الى الأيادي العراقية.

جاء هذا التخلي الأميركي رداً على التحشيد الشعبي المتصاعد الذي بدأته القوى السياسية الاسلامية الشيعية، وقادته المرجعية الدينية في النجف، تحت يافطة أن يتولى عراقيون منتخبون كتابة الدستور الأمر الذي تطلب إجراء انتخابات مبكرة، في بداية عام 2005، لانتخاب الجمعية الوطنية التي كان عليها أن تكتب مسودة الدستور.

ليس صحيحاً ولا منطقياً أن يكتب مسودة الدستور ساسة متصارعون في أجواء انقسام اجتماعي وسياسي خطير في البلد كانوا هم أنفسهم أحد عوامل تغذيته عبر إثارة مخاوف هوياتية، مذهبية وإثنية، وفي إطار سريع زمنيا، لا يتجاوز بضعة أشهر مشحونة بالاتهامات والشكوك والعنف الإرهابي الذي كان يتم تفسيره واستثماره طائفياً في الصراع السياسي الدائر حينها.

لكن رغم كل هذا التسرع والأخطاء الفادحة في التفكير والتنفيذ التي أنتجت في آخر المطاف دستوراً خلافياً كُتب باستعجال ليُمَثل إرادة القوى السياسية المهيمنة وليس إجماعاً شعبياً حقيقياً، كانت ثمة لحظات وجهود عاقلة ساهمت في وقف الاندفاعات الأيديولوجية والحماسية، المُهيمنة حينها على كثيرين والساعية لتحويل عملية كتابة الدستور إلى صراع كسر إرادات.

كانت إحدى هذه اللحظات الاتفاق الذي صيغ في الأيام الأخيرة قبل الاستفتاء على مسودة الدستور في 15 أكتوبر 2005 لغرض إنهاء المقاطعة السنية للاستفتاء بعد غياب الساسة السنة فعلياً عن المشاركة، إذ كان حضورهم في عملية الصياغة متأخراً وشكلياً بحيث لم تتضمن المسودة الأفكار التي تبناها هؤلاء الساسة بخصوص شكل وطبيعة العراق المقبل في ظل الدستور المقترح.

هذا الاتفاق، الذي نَعته رئيس الجمهورية وقتها، جلال طالباني، باتفاق "تحقيق الإجماع الوطني" وتم تحت ضغوط اميركية ودعم المرجعية الدينية في النجف، سَمح بإضافة المادة 142 للدستور مقابل تخلي القوى السنية عن مقاطعة الاستفتاء وحث جمهورها على المشاركة فيه والتصويت بنعم على المسودة.

تنص هذه المادة على إدخال تعديلات على الدستور بعد إمراره تعكس التصورات السنية، عبر تشكيل لجنة برلمانية تقدم هذه التعديلات خلال فترة أربعة أشهر كي يُصادق عليها البرلمان قبل عرضها للاستفتاء العام بعد شهرين، كحد أقصى، من هذه المصادقة.

مضى نحو 17 عاماً على عملية يُفترض انها تستغرق ستة أو سبعة أشهر، من دون تصويت البرلمان على هذه التعديلات أو عرضها للاستفتاء العام.

لم يكن هذا هو الفشل الوحيد المبكر، إذ كان هناك فشل آخر، أشد عمقاً وأكثر تأثيراً ساهم في صناعة أزمات متواصلة.

يتلخص هذا الفشل، الأشد فداحة، بالأحكام الانتقالية في الدستور والتي يُقصد بها الأحكام التي يستمر العمل بها لفترة محدودة ثم يُنتهى منها بعد إنجاز المهام المطلوبة.

تتعاطى الأحكام الانتقالية عادةً مع تفكيك تركة النظام السابق وصولاً لتحقيق الاستقرار في ظل النظام الجديد.

تتعلق أهم الأحكام الانتقالية الدستورية العراقية باجتثاث حزب البعث (المادة 135) وأهمية إنهاء أعمال الهيئة المسؤولة عن هذا الملف، المتعلق أساساً بمحاسبة البعثيين على جرائمهم، ومنع وصول الآخرين منهم، من ذوي الدرجات الحزبية العليا، لمواقع المسؤولية الرسمية والتأثير السياسي في ظل النظام الجديد، وتطبيع الاوضاع في كركوك لإنهاء آثار سياسات التغيير الديموغرافي المتبعة من النظام السابق (المادة 140) التي ينبغي أن تنتهي أعمالها بنهاية عام 2007.

في الحالتين لم تُحل المشاكل المرتبطة بهذين الملفين. فمثلاً انقضت المهلة المتعلقة بإنهاء إجراءات التطبيع في كركوك من دون القيام بها جميعاً لغلق هذا الملف نهائياً، ليؤدي الفشل في حسمه الى تحول كركوك إلى مشكلة كردية-عربية-تركمانية دائمة، تتراجع حدتها او تتصاعد بحسب الظروف السياسية ومصالح الأطراف المتصارعة، الكردية والعربية والتركمانية.

أما هيئة اجتثاث البعث، فبدلاً من أن تكون سبيلاً قانونياً لإنهاء مظالم الأمس وعدم ترحيلها للحاضر، تحولت إلى أداة للصراع السياسي وَظَفته حكوماتٌ متتابعة، وقوى سياسية مهيمنة، ضد خصومها.

وبدلاً من أن تُحَل هذه الهيئة كأحد شروط الانتقال، أُعيد إنتاجها في عام 2008 عبر "الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة" التي لم تتشكل فعلياً إلا في عام 2012 بسبب كثرة الصراعات السياسية بخصوصها.

في أوقات الحاجة السياسية، تُستخدم هذه الهيئة لتأدية المهمة السابقة التي كانت تؤديها هيئة اجتثاث البعث: تهميش الخصوم بسبب عدم حسم هذين الملفين وغلقهما نهائياً، تحولا إلى لغمين مختبئين في الحياة السياسية للبلد، مرشحين للاستخدام، وحتى الانفجار، عند توفر الشروط التي غالباً ما تقودها ارادات فاعلين سياسيين.

على هذا النحو الاشكالي العميق في سياقات أخرى متشابهة، بَرَع النظام السياسي العراقي بعد 2003 في صناعة تناقضاته المفتوحة: توفير الأدوات القانونية لحل المشاكل، ورفض حسم هذه المشاكل عبر هذه الأدوات لأسباب ترتبط بتناقض المصالح السياسية والحزبية. عنى هذا عملياً هيمنة هذه المصالح الجهوية على الأدوات القانونية وتجييرها لها على نحو دائم تقريباً.

هذا التناقض هو الذي أنتج وأدام الأزمة الحالية بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، وليس "الفتنة" التي تختفي ورائها كائنات ماورائية وشريرة.

(2)

تكمن أحد الإشكالات العميقة في النظام السياسي العراقي في هيمنة الآنية والعشوائية التي طبعت خطواته التالية بعد التأسيس في 2005، ما قاد إلى الكثير من التشويه لهذا النظام وإخراجه من مسار ممكن من التطور المنطقي والمتراكم الذي يقود إلى النضج.

حتى مع الأخطاء الفادحة المتعلقة بروح الاستعجال والغلبة التي صنعت منتصرين ومهزومين في سياق عملية وطنية ينبغي أن تكون تشاركية وتعاونية ككتابة الدستور العراقي ثم التصويت عليه وإجراء أول انتخابات برلمانية في ظله، في أجواء عامة سلبية، سياسيا واجتماعيا، كانت أقرب بكثير للاحتراب الأهلي منها للتنافس السياسي، حتى مع كل هذه الأخطاء، كان هناك مجال للتصحيح والتعديل تاليا وتدريجيا.

لكن ما حدث كان المعاكس لذلك تماما، بسبب سلوك الطبقة السياسية الحاكمة الجديدة، خصوصا في تحالفها الشيعي-الكردي، الذي صنع تقاليد سياسية انتهازية تتمحور حول مصالح الأحزاب وليس مصالح المجتمع وحاجات الدولة.

اعتمد هذا السلوك على تأجيل البت فيما هو إستراتيجي ووطني لصالح ما هو تكتيكي وحزبي. تركز الكثير من الإهتمام على ترسيخ المحاصصة وتوزيع مناصب الدولة على الأحزاب، وعلى الصراع على الميزانيات السنوية، وحصة كل مجموعة فيها، فيما تراجع الإهتمام، أو كاد ان يختفى، بالإجراءات الرقابية المتعلقة بصحة الصرف ونزاهته وارتباطه بالصالح العام، فضلا عن الضعف الواضح، حد عدم الاهتمام، بمتابعة الأداء وتحسينه ومعاقبة الفاشلين ورفض ترسيخ المساءلة كسلوك حكومي وبرلماني وتنفيذي. مرة أخرى، كانت الإرادات الحزبية، أهم وأعلى وأقوى من المصلحة الوطنية وحكم القانون.

أحد أبرز الأمثلة على التحزيب المبكر للدولة وضمان تمثيلها لمصالح القوى السياسية والأحزاب وليس مصالح المجتمع أو الشعب هو تشويه عمل مكاتب المفتشين العموميين، وصولا الى القتل التدريجي لفكرة صحيحة ثم الغائها قانونا. في 2004 أصدر الحاكم المدني الأميركي، بول بريمر، أمر سلطة الائتلاف رقم 57، المتعلق بتشكيل مكاتب المفتشين العموميين في الوزارات العراقية. كان غرض هذا الأمر، الذي أصبح قانونا عراقيا نافذا، هو، بحسب كلماته، "إخضاع أداء الوزارات لإجراءات المراجعة والتدقيق والتحقيق بغية رفع مستويات المسؤولية والنزاهة والإشراف في أداء الوزارات، وبغية منع وقوع أعمال التبذير والغش وإساءة استخدام السلطة." كان ذلك من خلال إنشاء "مكاتب مستقلة للمفتشين العموميين تمكنهم من القيام بإجراءات التحقيق والتدقيق والتقييم والتفتيش وأي نشاط آخر لمراجعة الأداء وفقا للمعايير المهنية المتفق عليها عموما".

أعطى الأمر للمفتش العمومي، الذي يعمل معه مكتب متخصص يقوده هو، الحق المطلق في القيام بإجراءات التحقيق والتفتيش والتدقيق المالي، من دون قدرة أي طرف آخر، بضمنه الوزير، على منعه من تنفيذ هذه الإجراءات المنصوص عليها في الأمر. بموجب هذا الأمر، كان بمستطاع المفتش العمومي إخضاع أعمال الوزير للإجراءات نفسها ورفع تقرير بحقه، في حالة مخالفته القانون او إساءته التصرف، لرئيس السلطة التنفيذية، فيما يُرفع التقرير بحق من هو أدنى منصبا من الوزير إلى الوزير نفسه. مَنحَ هذا الأمر، المستعار مع بعض التحويرات من النظام الإداري الأميركي، سلطات واسعة للمفتش العمومي بينها استدعاء الشهود و تحليفهم اليمين، وأثار جدلا عراقيا بين الاختصاصيين بسبب بعض الغموض فيه واحتمالات تعارضه مع قوانين عراقية أخرى.

حتى برغم كونه غير مألوف عراقيا، مَثَّلَ هذا الأمر تطورا مهما في السعي المؤسساتي لردع الفساد وتطوير الأداء. لكن لم يستغرق الأمر طويلا قبل أن يتم إفساد هذا الأمر الاستثنائي وتسييسه بحجج شتى، إذ سرعان ما أُخضع المفتشون العامون لسلطة الوزراء الذين هم عموما شخصيات سياسية وحزبية، ومنحهم حق الفيتو على عمل مكاتب المفتشين العموميين. هذا فضلا عن تحزيب منصب المفتش العمومي نفسه، فبدلا من أن يكون مستقلا، جرى تعيين مفتشين عموميين كثيرين تابعين لأحزاب سياسية، كان بعضهم يقوم بتوظيف مكاتبهم للقيام بإجراءات انتقامية ضد من يختلف معهم في الوزارة أو إمضاء إرادة حزبه في استهداف جهة "معادية" واستثناء أخرى تُعتبر "حليفة". تدريجيا، وعلى مدى السنوات التالية، أطاح السلوك السياسي العراقي بفكرة عظيمة، وحولها إلى عبء على الدولة، بعد إفراغها من محتواها، لتُصدر حكومة عادل عبد المهدي أمراً ديوانياً في 2019 بإلغاء هذه المكاتب.

استمر تحزيب مؤسسات الدولة وتسييسها على نحو مضطرد. المثال الأبرز بهذا الصدد هو استخدام القضاء لسلب استقلال المؤسسات المنصوص دستوريا على استقلالها، كما في قرار المحكمة الاتحادية في 2011 بالسماح بإشراف الحكومة على الهيئات المستقلة كالبنك المركزي ومفوضية الانتخابات وهيئة النزاهة وغيرها، بدلا من أن تكون تحت الإشراف البرلماني كما هو المفروض في الأنظمة الديموقراطية. ساهم هذا القرار في جعل هذه المؤسسات إحدى أدوات الصراع السياسي وفتح أبوابها واسعا للتمثيل الحزبي فيها عبر المحاصصة، الأمر الذي أثرَ سلبيا على أدائها ومَنعَ تطورها وأفقدها الكثير من ثقة الجمهور بها.

لكن يبقى الانتصار الأكبر لمصالح الحزبية العراقية، بنوازعها الانتهازية والفاسدة، على المصالح العامة المشروعة هو فشل هذه الأحزاب المُمثلة في البرلمان التي تزعمت وأدارت الحكومة تلو الحكومة على مدى 17 عاما ماضية في تشريع قوانين أساسية ومهمة نص عليها الدستور والأهم بينها قوانين النفط والغاز وتشكيل المحكمة الاتحادية ومجلس الاتحاد. كان لتشريع مثل هذه القوانين سيُجنب البلد الكثير من المشاكل التالية، ويقلل الحاجة للصفقات السياسية التي لها أولوية على القوانين والدستور، وتقوم على الترقيع المعتاد الذي تستفيد منه الاحزاب الحاكمة وليس على حل المشاكل البنيوية والحقيقية التي تعاني منها الدولة والمجتمع.

لذلك يبدو غريبا، بل مهينا للذاكرة الجماعية، أن الطرف الرئيسي الذي ساهمَ، أكثر من غيره، في إيصال البلد إلى هذه الحالة الرثة الحالية من تسييس المؤسسات وضعف أدائها وتفشي الفساد فيها وغياب التنمية وتدهور الخدمات وانعدام ثقة المجتمع تقريبا بالدولة والخرق المنهجي للقوانين والدستور الذي تقوم به قوى سياسية وحزبية وميليشياوية نافذة، هو الذي يحاول الآن أن يحشد الجمهور سياسيا تحت يافطة الدفاع عن القانون والالتزام بالدستور وحماية الدولة، في إطار سعيه لتشكيل حكومة جديدة!!

هذا مثال صارخ جديد على انتصار الذاكرة الحزبية بانتقاءاتها الانتهازية للأحداث وتشويهها على الذاكرة الوطنية والشعبية التي ترى السوء واضحا ومعلنا وتستطيع ربطه بسهولة بالقوى الحزبية التي قادتنا إليه!

* (كاتب وأكاديمي عراقي)

17/ صفر/1444هـ

تنويه: ليس بالضرورة أن يتبنى الموقع جميع مضامين المقالات المنشورة.