العراق.. هل يكمن الحل في الانتخابات المبكرة؟


 

 

د. أياد العنبر

موقع الإمام الشيرازي

 

الفوضى والعبثية التي تمارسها الطبقة السياسية في العراق لم تعد تقف عن حدٍ معين، إنما باتت تمتد إلى العبث بكل ركائز ومفاهيم النظام الديمقراطي. إذ تريد الطبقة الحاكمة التعاطي مع الديمقراطية على وفق مزاجياتها، فالانتخابات يُنظر لها من منظور التطابق أو التعارض مع مزاج الزعامات السياسية! إذا كانت الرابحة فيها، عندئذ تكون نزيهة ونتائجها تعبر عن إرادة الشعب، وفي حالة خسارة المقاعد تكون مزوّرة، وتم التلاعب بها لتنفيذ مؤامرات خارجية.

في العراق فقط، تسمع نظريات ودعوات تريد التحايل على الانتخابات، ولا تريد أن تكون نتائجها هي الأساس في تشكيل الحكومة وتقاسم السلطة، وإنما يجب أن يكون المعيار هو (الأوزان السياسية) وليس الأوزان الانتخابية! ولا يريد عباقرة هذا الطرح الإجابة عن سؤال محوري: ما الفائدة من الانتخابات إذا كانت منظومة الحكم قائمة على أساس الأوزان السياسية وليس نتائج الانتخابات؟

لا تريد الطبقة السياسية في العراق الاعتراف بأن مصداقية الانتخابات لا تقف عن حدود نزاهتها، بل هي رهن قدرتها على إقناع المواطن بأنها قادرة على التغيير السياسي أو تغيير الطبقة الحاكمة. أو كما يقول مهاتير محمد: ينبغي للديمقراطية أن تمنع قائدًا سيئاً من البقاء في السلطة. أما انتخاباتنا فيتم التحايل عليها من خلال الزعامات السياسية التي تعتقد أن رمزيتها أعلى من إرادة الجمهور.

والقادة السيئون والفاشلون لا يدخلون الانتخابات لكنهم الفاعلون الأقوى في منظومة الحكم. 

الانتخابات في العراق لم تعد تملك حلاً لأزمة النظام السياسي الذي فشل حتى في احتواء الصراعات السياسية، لأنّ المأزق السياسي في العراق هو نتاج منظومة حاكمة تريد إعادة تدوير نفسها من خلال طرح مبادرات ودعوات لمرحلة انتقالية، وذلك يعني الهروب من الاستحقاقات السياسية التي تستوجب استعادة ثقة الجمهور بالنظام السياسي والشروع نحو إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها.

الأزمة السياسية في العراق لا يمكن أن تُحل بالذهاب نحو حل البرلمان والانتخابات المبكرة، لأنها نتاج لشخصنة الخلافات بين الزعامات السياسية، وانتقلنا من مرحلة التوافق على قبول تقاسم مغانم السلطة بين الشركاء- الأعداء، إلى رفض تلك المعادلة والبدء بتصفية الحسابات مع الخصوم والإعلان الصريح عن الرغبة بتصفية الحسابات واقصائهم عن المشهد السياسي.

إنّ دعوة مقتدى الصدر الأخيرة إلى الذهاب نحو انتخابات مبكرة، تواجهها عقبات إجرائية، إذ قبل الذهاب نحو حل البرلمان يحتاج أولاً حسم موضوع حكومة الكاظمي، وتشكيل حكومة جديدة بصلاحيات كاملة لإعداد الموازنة المالية التي يتم فيها تخصيص تكاليف إجراء الانتخابات، وقبل هذا يحتاج التصويت على مفوضية جديدة للانتخابات، والاتفاق على شكل النظام الانتخابي الذي تتعالى الأصوات المعترضة عليه.

ربما لم يكن قرار مقتدى الصدر باستقالة نوابه من البرلمان قرارًا مدروسًا ومخططًا له؛ لأن الصدر فقد القدرة على المناورة السياسية من داخل البرلمان، وأعطى فرصة لخصومه للانفراد بتشكيل الحكومة، وبقي يحتفظ بالقدرة على التحشيد الاحتجاجي. ومشكلة الاحتجاجات في العراق بأنها تبدأ قوية لكنها تفقد بريقها عندما لا يتم تحديد أهدافها الرئيسة وخطوات الانتقال نحو التصعيد وتتحول إلى عمل روتيني تتلاشى قوته بمرور الأيام.

وقد يحسب إلى الصدر تمسكه بمبدأ تشكيل حكومة الأغلبية، ولكن كان يمكن للصدر الابقاء على تواجده داخل البرلمان، ويفرض التوافق على تغير النظام السياسي والدستور للشراكة مع حلفائه وخصومه في تشكيل الحكومة. وبذلك كان بإمكانه أن يُحرجهم أمام الشارع، ويكسب الكثير من تعاطف الجمهور والنخب بدعوته لتحقيق الثورة من الداخل على فشل النظام السياسي.

بالمقابل، لا تريد الطبقة السياسية في العراق التفكير بحلول لأزمات النظام السياسي وتلاشي ملامح الدولة، ودليل ذلك الهروب من مواجهة الاعتراف بالتعفّن الذي أصاب النظام السياسي، بالمبادرات التي تدعو الفرقاء السياسيين إلى الجلوس على طاولة الحوار. فأي حوار يمكن أن ينتح حلولًا حقيقة، وهو يتم بين أطراف سياسية وجودها أصلاً هو المشكلة بذاتها!

والانتخابات المبكرة، أيضاً، لا تملك حلاً سحرياً لهذا النظام، ولكنها تمدّ بعمر منظومة الحكم التي شاخت وباتت عاجزة عن الاستجابة لواقع التغيير، وتريد إبقاء الوضع السياسي على ما هو عليه من فوضى وفشل وفساد، والهروب من استحقاقات كثيرة يطالب بها الشارع.

ورغم إيماني بأن الانتخابات هي الفرصة والحل الوحيد لإحداث التغيير السياسي في العراق، لكنّ الدعوة إلى الانتخابات المبكرة من دون أن تتم في بيئة سياسية تنافسية صحيحة، وأن تحظى بأعلى مستوى من المشاركة والرضى بنتائجها، تبقى نوعًا من العبث السياسي والرغبة بتحقيق مصالح ضيقة تستهدف الإبقاء على حكومة الكاظمي، باعتبارها ضامنة لديمومة منافع ومكاسب لزعامات وشخصيات سياسية محددة.

إذن، الانتخابات المبكرة لا تملك حلاً وإنما تدخل البلاد في دوامة عدم الاستقرار السياسي، وتتحول إلى سلاح بيد الفرقاء السياسيين، يستخدمونه متى تضررت مصالحهم. لا سيما أن مشكلة في ثقافتنا السياسية  التي بلغت حدًا من الغرق في الوهم الخطابي، بحيث ما عاد ممكنا قياس حجم التناقضات بين القول والفعل أو فهم المعايير السائدة في التقويم مع احتدام الخطاب الغريزي والعاطفي. لذلك لا يمكننا الرهان على أن التغيير الحقيقي يأتي عن طريق طبقة حاكمة تتعامل مع الانتخابات بمزاجية ومصلحية ولا تعرف الثبات على موقف سياسي، ولا تؤمن بترسيخ نفوذها إلا عن طريق الولاء الخارجي وسطوة السلاح المنفلت.

* (كاتب وأكاديمي عراقي)

12/ محرم الحرام/1444هـ