عاشوراء .. تحفيز نحو التغيير


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

في محرّم الحرام يستحضر محبو أهل البيت (عليهم السلام) وقائع النهضة الإنسانية الكبرى التي انطلق بها سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) من كربلاء في يوم عاشوراء، فبذل جهده في الله "ليستنقذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة"، ولخلاص الناس من عبودية الاستبداد وتحرير عقولهم من الدين الباطل الى الدين الحق.

وعليه، فأي عمل يحمل مضموناً حسينياً لا يمكن أن يكون فقط تمثيلاً لوقائع حادثة تاريخية وقعت قبل أكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين سنة، حيث إن عاشوراء كانت وستبقى تتفاعل مع حركة الإنسان والتاريخ، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): "منذ استشهاد سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام إلى يومنا هذا ألفاً وعدة مئات من المرات، وفي كل مرة ينهل فيها محبو الإمام قيماً ومفاهيم جديدة من مدرسة عاشوراء الخالدة، وهو ما أبقى على قبس هذه الملحمة العظيمة مضيئاً يخطف الأبصار عبر العصور، وجعل الأغيار يطأطؤون رؤوسهم إجلالاً لعظمة صاحب الذكرى، والمؤمنين يتزودون من هذه المدرسة الغنية لدنياهم وأخراهم".

إن عاشوراء إنبثاقة توعوية تنبض بالحياة والتأثير ثم أنها أولا حركة إصلاحية تهدف الى تحرير الإنسان وحفظ كرامته وحقوقه، لذلك فإن كل ما يذكِّر بعاشوراء فهو عمل صالح شرط أن يكون خالصاً لوجه الله، فعن الإمام أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) في قول الله (عز وجل): "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً". قال (عليه السلام): "الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه".

إن التوجه الى الله سبحانه والإخلاص له في أي عمل ونشاط وفعالية ويصب في خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) له آثار معنوية عظيمة وبركات جليلة، يقول المرجع الشيرازي (دام ظله): "إن لمواكب العزاء الحسينية منزلة رفيعة ومقاماً سامياً جعلت جهابذة العلماء وكبار الوجهاء يفخرون بالمشاركة فيها أيما افتخار. على سبيل المثال، سنوياً في مدينة كربلاء المقدسة، وفي يوم عاشوراء، كانت تقام مراسم عزاء تعرف بـ(عزاء طويريج)، وكان السيد بحر العلوم مواظباً على المشاركة فيها، وكان يقول بأنه قد شاهد الإمام المهدي بين صفوف المعزين. وكان العمل بهذه المراسيم مستمراً في كربلاء حتى خروجنا منها أي قبل أكثر من ثلاثين سنة، حيث كان يشارك فيها الآلاف مهرولين حفاة وضاربين بأيديهم على رؤوسهم ووجوههم. ولقد رأيت مرات عديدة مراجع كبار وهم يؤدون هذه المراسيم مع الجموع المهرولة، كما كان يشارك فيها بعض الوزراء والوكلاء والأعيان. هؤلاء لم يكونوا يفعلون ذلك حتى في مجالس عزاء آبائهم، ولم يكونوا ليجزعوا هذا الجزع حتى لو فقدوا أموالهم وثرواتهم، فهنيئاً لهم ثم هنيئاً". بالتالي، هذا الاندفاع العفوي يخلق قوة تأثير تشجع الناس على تجنب الحرام والعودة الى الإيمان ومكارم الأخلاق.

إن كربلاء نهضة إصلاح وحركة مواجهة باسلة ضد الظالمين والفاسدين، كما أن ذكرى الطف لم تكن مناسبة للندب والتعزية فحسب، إنما عبر للاعتبار، وثورة من أجل العدل والحرية، ومشاهد موت تصنع حياة، يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): "المنبر الناجح، هو الذي يعمل على تحريك وتهييج الأحاسيس العاطفية وتفجيرها وتوجيهها نحو الخير والصلاح والإصلاح، حتى تكون واعية وفاعلة ومؤثرة".

وفي سياق الاستثمار الأمثل للشعائر الحسينية المباركة، يؤكد (قده): "من المواضيع المهمة التي ينبغي بالمسلمين الإلتفات إليها والاهتمام بها هي متابعة الوضع المأساوي للمسلمين في كل العالم، والمطالبة بحقوقهم عند المنظمات الدولية والمؤسسات الإنسانية والقانونية، وإبلاغ مظلوميتهم إلى سمع الأحرار من الناس، وإيصال رسالتهم إلى كل من له ضمير ويؤمن بالعدل والخير والحرية والسلام".

إن ذكرى عاشوراء فرصة مباركة لتحفيز الناس على التقوى والعمل الصالح وصولاً الى تغيير واقع الشعوب المحاصرة بالاستبداد والظلم والفساد؛ وهو جوهر عاشوراء، حيث قال سيد الشهداء (صلوات الله عليه) "إنما خرجت لطلب الإصلاح".

8/ محرم الحرام/1444هـ