الفشل خبز الساسة الشعبويين


 

 

مهند الحاج علي

 

موقع الإمام الشيرازي

المدن - لم تأت الانتخابات التشريعية الأخيرة في لبنان بنتيجة مفاجئة، لجهة أن المستقلين فازوا – فرادى في أغلب الأحيان-بـ13 مقعداً فحسب، أي بات لديهم تقريباً عُشر البرلمان، في حين نالت الأحزاب التقليدية وأغلبها ممن شارك في الحرب الأهلية والحكومات السابقة، أكثرية المقاعد وبشكل ساحق.

بكلام آخر، أغلبية الشعب اللبناني اقترعت للسياسيين ذاتهم المسؤولين، ليس فقط عن الاقتتال في حرب أهلية، ولكن أيضاً عن انهيار مالي واقتصادي غير مسبوق في تاريخ البلاد، وبين الأسوأ على مستوى العالم.

كيف حصل ذلك؟

الإجابة هي أن برنامج السلطة والمعارضة (الثورية ومن قوى تقليدية سابقاً مثل "الكتائب") كان مماثلاً في رسائله مع تسجيل غياب للاهتمام بالمقاربة الاقتصادية والمالية. باستثناء وجوه المرشحين، لم تحتو هذه الانتخابات على تصور لما ستكون عليه البلاد بعد النجاح بالانتخابات.

كانت الرسالتان الأساسيتان في كل الخطاب السياسي للمرشحين: أولاً، التركيز على لوم الآخر. نحن ضحايا مؤامرة خارجية مع عملاء داخليين (حزب الله وحلفائه، القوات اللبنانية وحلفائها) أو نخبة سياسية متحكمة بالبلاد (التيار الوطني الحر وفئات المعارضة)، واللاجئين ومؤامرة التوطين. ثانياً، التشبه بالناس. عملياً، القول إن المرشح أو السياسي يُشبه الناس، مقابل آخر لا يُشبههم وبالتالي غير قادر على تمثيلهم. وهذه رسالة حملها "حزب الله" من خلال التحذير من الانحلال الأخلاقي والخروج على العادات في حال الاقتراع لخصومه، وأقطاب المعارضة بالتركيز على أنهم "يُشبهون الناس". الخاسر الأكبر في الانتخابات هو البرامج. هل يذكر أحدكم وعداً انتخابياً جديداً بالإمكان حفظه والتذكير به؟

ولكن هذه المقاربة السائدة ليست لبنانية حصراً، بل ظاهرة غزت العالم خلال العقدين الماضيين، وشهدت في العقد الأخير صعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحملة البريطانية الناجحة للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، والحكم المديد لفيكتور أوربان في المجر، وقبلها صعود اليسار الشعبوي في فنزويلا وبوليفيا وأخيراً في المكسيك، وربما يُضاف قيس سعيد في تونس، وتيارات دينية يمينية في الهند وإسرائيل.

في المثال الأخير، إسرائيل، من اللافت اليوم صعود نجم إيتمار بن غفير (من أتباع الحاخام مئير كهانا)، إذ صار قادراً على تحويل تيار منبوذ اسرائيلياً ودولياً الى حالة سياسية حاضرة من خلاله في الكنيست، وقادرة اليوم على تحصيل كتلة نيابية وازنة في حال اجراء انتخابات مبكرة، وفقاً لصحيفة "هآرتس". الكاتب في هآرتس حاييم ليفنسون يشير في مقال له عن صعود هذه الظاهرة، وعن أن نتنياهو يحجب بروزها في السياسة الإسرائيلية، لكن هيمنتها على الساحة حتمية. حتى اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة "آيباك" يرفض لقاء إيتمار بن غفير لانتمائه لحركة فاضحة في عنصريتها، فما بالك بأثر ذلك في العلاقات الخارجية لإسرائيل وشعبيتها داخل الولايات المتحدة. ليفنسون يختم مقاله بالقول إن دورنا في الشعبوية مقبل بعد المجر والولايات المتحدة وبريطانيا.

وهذا النمط من السياسة يغزو كذلك أميركا اللاتينية، وبعد فنزويلا وبوليفيا والمكسيك، نحن أمام جولة أخيرة من الانتخابات في كولومبيا بعد أقل من أسبوعين يُتوقع أن يفوز فيها اليساري غوستافو بيترو، ليكون أول رئيس يساري لهذا البلد القريب سياسياً من الولايات المتحدة.

لكن هؤلاء الساسة اليساريين لا يأتون ببرامج اقتصادية بل بشعارات شعبوية ووعود بمشاريع كبرى لا جدوى اقتصادية لها، كما يُوضح المفكر الفنزويلي مويزس نعيم في مقابلة معه عن الشعبوية في صحيفة "ذي فايننشال تايمز". بين جملة كلامه عن صعود الشعبوية، يشير نعيم إلى إحصاء مفاده أن 49 بالمئة من سكان العالم كانوا يعيشون في ظل حكم غير ديموقراطي عام 2010، وأن هذا الرقم تجاوز السبعين في المئة بعد عشر سنوات نتيجة صعود هذه الظاهرة.

المحرك الأساسي لهذا التغيير يجمع بين المؤشرات الاقتصادية السالبة كالبطالة والهوة المتسعة بين الفقراء والأغنياء ورد الفعل الوطني على العولمة الاقتصادية، من جهة، وبين قدرة هذا الصنف من الساسة والسياسة الشعبوية على التلاعب بالإعلام أكان بصيغته التقليدية أو بالوسائل الحديثة المتاحة للعامة. لا يملك هؤلاء الساسة مفاتيح حلول لبلدانهم لكن ذلك لا يعني خروجهم من السلطة، مثل الرئيس المكسيكي أندريس أوبرادور الذي تُواجه بلاده أزمة اقتصادية تلوح بالأفق لكن شعبيته ترتفع نتيجة قدرته على التلاعب بالرأي العام عبر الاعلام (لديه برنامج تلفزيوني).

المهم أنها موجة مديدة على مستوى العالم، لا صراع أفكار فيها ولا من يحزنون، لكن مجموعة من الاستعراضيين الفارغين من المحتوى.

الفشل ليس نهاية طريق بالنسبة لهؤلاء، بل خبزهم اليومي، وقد يكون وقوداً لانطلاقة جديدة.

* (كاتب وصحافي لبناني)

11/ ذو القعدة/1443هـ