حين يصبح العرّاف شخصية عمومية!


 

 

د. وجيه قانصو

موقع الإمام الشيرازي

 

ليس صدفة كثرة المنجمين والعرافين في لبنان. وظهورهم الفائض في وسائل الإعلام المرئي والمسموع، لم يكن ترفاً أو تسلية. فالشاشات اللبنانية لم تقدمهم للتندر أو الترفيه وتمضية ليلة رأس السنة، بل كانت جميعها جادة، في تقديم التوقعات واستطلاع العواقب والنهايات وترقب بدايات الفرج. كما أن اللبنانيين، لم يتمسمروا بكثافة حول توقعات عرافيهم لاقتناص نكتة أو فكاهة، فهم رغم تظاهر أكثرهم بالسخرية والاستهزاء والتهكم على نبؤاتهم في وسائل تواصلهم الاجتماعي، إلا أن أكثرهم كان يبحث عن: ضوء أمل خافت يُلطِّفُ لُجج السوداوية التي تغمرهم، وثقب رجاء يخرق جدار اليأس، الذي يحيط بهم من كل جانب.

هو سلوك قد نجد له أصولاً في دائرة الفانتازيا الحالمة، أو هو مجرد لعبة الخيال المرح، أو رغبة سيكولوجية لا واعية، أو أوهام جميلة تداعب تطلعات الإنسان البدائي، حين تطلع إلى الاتصال بمصدر علوي أو قوى فائقة، تمنحه مُكنة تطويع أحداث الطبيعة والتحكم في مسارها والإيحاء بما سيحدث. كل ذلك لغرض تسكين القلق الناجم، من وجود الإنسان داخل عالم قاس وصارم، وخلق طمأنينة طاردة للخوف من اللامتوقع والمفاجئ، ومعرفة نتائج الفعل قبل فعله، وقهر قوانين الطبيعة والتفلت من قساوتها وصرامتها، وإيجاد السبل للتفوق عليها. باختصار، هو سلوك ذهول وغفلة عن الواقع بل الخروج منه، غرضه تبديل حالة العجز بقدرة متوهمة، والجهل بيقين ساذج، والقلق بطمأنينة خادعة، والتناهي بلا تناه كاذب، والموت الحقيقي بخلود متصور.

هو سلوك يصبح سائداً ومعمماً، أي سلوكاً اجتماعياً وسمة الشخصية الفردية، حين: تنسد السبل الطبيعية داخل المجتمع، لشق مسار حياة آمن، ويعجز عقل الإنسان عن تنظيم وترشيد نشاطه، وتخذله إرادته في إيجاد واقع يقيه التقلبات والنوازل، ويصبح المستقبل ذلك المجهول المظلم والقاتم. أي يقوى الطلب على العرافين والمنجمين والمتنبئين، ويصبح سلوكاً مقبولاً وتفكيراً اعتيادياً، حين: يغمر الحياة الشعور بالعجز والوهن وهزالة الإرادة، وتموت ملكة التفكير العاقل، الذي يدفعنا إلى الغوص عميقاً في خصائص الأشياء وقوانينها، والعيش داخل هذا العالم الفعلي، والتطلع إلى الممكن والمعقول داخله.

حين يصبح العراف والكاهن شخصية عامة، وحين يتلقف المجتمع أقواله بجدية، وتستطلع وسائل الإعلام أرائه، مثلما تستطلع أراء السياسيين وأهل الخبرة والاختصاص، وحين يكثر التداول بأخبار آخر الزمان، أو يزدحم الطلب على النبؤات المدونة والقديمة، لفهم ما يجري وتوقع ما يأتي، حين يحصل كل ذلك، فإن هذا السلوك الجمعي والعام، لا يفسر على أنه رد فعل طبيعي من الناس والمجتمع، في زمن الأوضاع المعيشية الخانقة، وحالة الانسداد السياسي، ووضعية التناقضات الخارجة عن السيطرة. أي لا تفسر هذه المسلكيات على أنها نتيجة وحالة عابرة، بل هي بمثابة مؤشرات قوية على تحول جوهري، في ثقافة المجتمع ووعيه الجمعي، عن ردة إلى عالم السحر، عن انفصام عن الواقع، عن ارتحال العقل وحلول المعجزة مكانه.

بل هي مؤشرات جلية عن خروج الوعي والتفكير والسلوك من هذا العالم، والسكن داخل عوالم متخيلة وهلوسات تمليها نبؤات فوضوية، وتوقعات اعتباطية وأمنيات مزاجية، التي تتصاعد وعودها وتتكثف الأمال بداخلها مع ازدياد الطلب الجمعي عليها، تعوض على هذا المجتمع وأفراده الشعور بالضعف، والتشويش والجهل والنقص والفشل والهزيمة.

اعتبر عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، أن قيام الدولة التي تحمل بداخلها شروط نجاحها واستمراريتها، مرتبط بتحول المجتمع من بنيته التقليدية، التي يتحكم بداخلها السحر ونبؤات الغيب والطاعة المطلقة، إلى المجتمع الحديث الذي يتعامل مع عقلنة الوقائع، وتوقع الأحداث بطريقة حسابية رياضية. فبناء الدولة بالنسبة لفيبر، هو رهان مجتمعي يتعلق لا في قوة مؤسسات الدولة وشمولية سلطتها فحسب، بل في عقلنة الذهنيات والثقافة التي تحكم السلوك والعلاقات في المجتمع.

هذا يعني أن التعامل الجدي مع النبؤات، وصيرورة العراف شخصية عامة مقبولة ومعترف بها داخل المجتمع، مؤشر لا على ردة المجتمع إلى السحر والخرافة، وتموضعه في منطقة اللاعقل فحسب، بل دلالة قوية على وجود خلل في انتظام المجتمع العام وعطالة في سلوكه السياسي، أي دلالة على أن بناء الدولة على أسس حديثة داخل هذا المجتمع ما يزال بعيداً، بحكم بقاء أو صيرورة الشرعية السياسية فكرة غيبية، قوامها تقديس الأشخاص وعبادتهم، أي فكرة استلابية، لا مكان في داخلها للمشاركة أو المحاسبة.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)

21/جمادى الآخرة/1443هـ