العراق.. انتخابات 2021 ونقطة اللاعودة


 

 

د. إياد العنبر

موقع الإمام الشيرازي

 

لا تخلو السجالات بشأن الانتخابات التي تجري اليوم في العراق من تداخل الرغبات والأمنيات، وبين محاولة مقاربة الموضوع من خلال تجارب نماذج التحول الديمقراطي.

وقد لا أخفي تحيّزي للدفاع عن فكرة أن التقادم بالممارسة الانتخابية هو السبيل الأوحد لتصحيح المسار، رغم تعقّد الظروف الموضوعية وتغوّل القوى السياسية التقليدية وهيمنتها على مقاليد السلطة والحكم واختزالها الديمقراطية بالعملية الانتخابية.

بادئ ذي بدء علينا تمييز قراءة الانتخابات عن مخرجاتها التي تتعلق ببنية النظام السياسي القائم على أساس الصفقات والتوافقات بعيداً عن نتائجها. ومن هنا، مقارنة انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2021 مع الانتخابات السابقة يحتاج وقفة تأمل بالكثير من المعطيات الجديدة التي تؤكد بأن كل تجربة انتخابية تختلف عن اللاحقة.

فهذه الانتخابات هي الأولى من نوعها باعتبارها أول انتخابات تحمل عنوان مبكّرة، وأتت نتيجة لضغط الاحتجاجات الشعبية في تشرين 2019 التي طالبت بها، ورغم التسويف والمماطلة من قبل القوى السياسية تحقق هذا المطلب الاحتجاجي. ويمكن القول أنه آخر أهداف قوى الاحتجاجات في مرمى قوى السلطة والنفوذ.

في 2005 جرت أول انتخابات في العراق وكان الشحن والتحشيد الطائفي مخيّماً على أجواء الانتخابات، ولذلك وصفها (كارلوس فالنزويلا) ممثل الأمم المتحدة آنذاك بالقول: "إن المواطنين لايهتمون كثيراً في معرفة كيفية حصول الأحداث والكيانات على المقاعد والفوز، فيهتمون بكيفية حصول الجماعات الإثنية أو الدينية السياسية على المزيد من المقاعد. حيث من المفيد أن يدرك العراقيون أن هذه الانتخابات، غير مصممة كصراع بين الشيعة والسنة أو بين المسلمين والمسيحيين أو العرب ضد الأكراد، ليست لدى العراقيين فكرة واضحة عن أن الانتخابات تجري كسباق سياسي."

لذلك فإن انتخابات 2021 كشفت عن تخلّف الخطاب الانتخابي لبعض الزعامات السياسية عن الواقع السياسي الذي ثبتته احتجاجات تشرين، فهو لم يتمكّن من مغادرة الخطاب الطائفي والحديث عن المظلومية وتآمر قوى خارجية وداخلية -بالتأكيد لا أحد يعرفها غيرهم- على تجربة حكمهم! ويبدو أن تفكيره وخطابه السياسي تجمَّد عند سنة 2005،  ولا يعلم أن وسائل التواصل الاجتماعي تعبّر عن ردود أفعال الجمهور إزاء خطابهم السياسي.

وتعد هذه الانتخابات التجربة الأولى لنظام انتخابي يعتمد الدوائر المتعددة والانتخاب الفردي، وهذا تحديداً من مطالب احتجاجات تشرين وتم اعتماده في القانون الانتخابي. ما يميّز هذا القانون هو جعل العلاقة مباشرة ما بين الناخب والمرشَّح، ولذلك لم يعد لاعتماد المرشَّح على القائمة الانتخابية في تعزيز حظوظه في الفوز بمقعد نيابي دوراً كما كان الوضع في الانتخابات السابقة.

حتى دعوات المقاطعة للانتخابات، هي تعبير عن ثقافة سياسية تفاعلية تنظر إلى الموضوع من ناحية رفض المشاركة في منح الشرعية لنظام سياسي أثبت عجزه وفشله عن تلبية رغبات وتطلعات الجمهور. والمقاطعة ليست رفضا لفكرة الانتخابات، بل تعبير عن رفض لمنظومة العمل السياسي التي تدار من قبل زعامات سياسية غير منتخبة.

ومن زاوية أخرى، يبقى المأزق الحقيقي للانتخابات في ديمقراطيتنا الهشة ودولتنا الفاشلة التي تحكمها الاتفاقات والصفقات بين الفرقاء السياسيين وليس المؤسسات والقوانين، فرصة للمافيات السياسية والأوليغارشيات وحتى قوى السلاح الخارج عن القانون في تعزيز نفوذها وسطوتها.

بيد أن أهم ما في الانتخابات أنها تُبقي الأجواء مفتوحة أمام المنافسة السياسية، وفي الدورات الانتخابية السابقة صحيح أن التنافس بقي بين القوى السياسية التقليدية، ولكن الأوزان الانتخابية كانت تتغير. وعلى الرغم من أن هذا التغيير لم ينعكس على أداء النظام السياسي ولا على إدارة العملية السياسية. إلا أن الأهم من ذلك أن هذا التنافس يبقى فرصة حقيقة أمام أي قوى سياسية قادرة على تنظيم نفسها واستقطاب الجمهور وكسب ثقة المترددين والمقاطعين.

الحقيقة التي ثبتتها الاحتجاجات أن ما بعد تشرين 2019 لن يكون كما قبلها، وعلى هذا الأساس لا يمكن التعويل على نتائج الانتخابات، وإنما تصوّر مستقبل العملية السياسية سيكون مرتهناً بطريقة تشكيل الحكومة القادمة، وما هي طبيعتها. فإذا تم إعادة سيناريو طريقة اختيار حكومتَي عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي، فهذا يعني وصلنا حقيقةً إلى نقطة اللاعودة في تصحيح مسار العملية السياسية، ويتم تكرار نفس الأخطاء، وزيادة خطوط الانكسار بين المجتمع والطبقة السياسية الحاكمة.

وانتخابات 2021 يجب أن تكون نقطة اللاعودة لما قبل هذا التاريخ لكلا الفريقَين لمن هم في السلطة وكذلك لقوى الاحتجاجات التي رفعت شعار المقاطعة. فالطبقة السياسية وزعماؤها ستكون أمام تحدي الشارع إذا أصرت على إعادة التحالفات الهشة التي تنحصر وظيفتها بتشكيل الحكومة وتقاسم وزاراتها، وتعيد إنتاج معادلة (الجميع في السلطة والجميع في المعارضة). ومن ثمَّ، نكون أمام سيناريو تكرار الفشل واستمرار الخراب والفساد.

وعليه فإن أي حكومة تتشكل وفق هذا السياق عليها مواجهة احتجاجات شعبية عارمة أقوى من احتجاجات تشرين. فإذا كانت منظومة السلطة باتت محترفة بالتسويف والمماطلة، فإن قوى الاحتجاجات باتت أيضاً أكثر احترافية في التحشيد للتظاهرات وستكون أكثر تنظيماً في المطالب، وتعمل على تجاوز الأخطاء السابقة.

أما بالنسبة لقوى المقاطعة، فعليها التفكير جدياً في الخطوة القادمة التي تلي الاحتجاجات، ويكون ذلك من خلال تنظيم الصفوف وفق برنامج سياسي يحوّل مطالب الاحتجاجات إلى مشروع سياسي قادر على أن يكون بديلاً ومنافساً بقوة للقوى السياسية التقليدية. فالانتقال من العمل الاحتجاجي إلى العمل السياسي يحتاج مستوى عالياً من التنظيم، لأن الدخول في معركة التنافس السياسي مع قوى السلطة والنفوذ والسلاح لا يقل ضراوة عن مواجهتها في ساحات التظاهر.

* (كاتب وأكاديمي عراقي)

5/ ربيع الأول/1443هـ