جسد بلا روح وعضلات بلا عقل


 

 

وجيه قانصو

موقع الإمام الشيرازي

 

جنوبية - ثمة دوار مدوخ لمسار السياسة في العالم العربي، يجعلها تنتهي من حيث تبدأ، تراكم أحداثاً من دون أن تبني تجارب وخبرات، تستهلك الكثير من الشعارات والمصطلحات من دون أن تنتج أفكاراً ورؤى، تكثر من الكلام والجدل والدعاية والادعاء، من دون أن تحدث وعياً وبصيرة، تستنزف جهداً وأموالاً من دون أن تتحرر من الشخصانية والمزاجية أو تتمأسس نشاطاتها على أرضية معقلنة.

هذا سببه أن التكوينات السياسية في المجال العربي الحديث، لم تكن ثمرة تنظير فكري أو فلسفي، كما إن التفكير العربي حول المجال العام، لم تطرحه التفاعلات الاجتماعية والجدل الطبقي أو صيرورات الإنتاج المحلية، بل كان استجابة لتحد مقلق ومؤرق جاء من الخارج، أخذ العرب يبحثون لأنفسهم عما يعزلهم عنه، أو يسهل عليهم قبوله والتكيف معه.

تشكلت الدولة العربية الحديثة عقب الاستعمار، وسميت دولة الاستقلال. ورغم أن هذه الدولة، جاءت في بداياتها مستحصلة، على شروط الإجماع الشعبي والشرعية، ومحملة بأيدولوجيات تغيير ثورية، للانتقال بالمجتمع العربي من الفضاء القديم المترهل إلى فضاء الحرية والرفاه والأمن. رغم ذلك، فإن التوقعات المأمولة من هذه الدولة لم تحصل، حيث عادت الدولة سلطة تحاكي في وظائفها وقواعدها البنية السلطانية الموروثة، وعانت الدولة من إخفاقات هائلة في مجال التنمية الداخلية، واتسعت فيها الهوة بين السلطة والمجتمع، وتعمق اغتراب الفرد عن الدولة، واشتد التخارج بين الوازع الأخلاقي (بما فيه الديني) والمجال السياسي.

جاء من الخارج اختبر الواقع العربي المعاصر تجارب حكم متعددة، مدججة بأيديولوجيات متماسكة ومُقِنعة ومُحفِّزة لكل مُهمَّش أو مُستاء أو طامح، بعضها اعتمد عقيدة التقدم التي تدعي كشفها عن مداخل التغيير الحتمية، وآخر استعاد الرهان على التراث بإماطة اللثام عن جدوى راهنيته، وطاقة دفعه الداخلية في إحداث دوافع ذاتية للنهوض والخلاص، والبعض الآخر عمد إلى إحداث مزاج ليبرالي يتوسل العقلانية والقول العلمي، باعتبارهما أساس أية مبادرة خلاقة وسبيل للتغيير. كل ذلك عايشه المجال العربي واختبره، على مستوى الواقع والقوى المتنفذة من جهة، ومستوى الفكر والتفكير من جهة أخرى، ورغم ذلك لم يتغير حال الما بعد عن حال الما قبل، سوى بالدرجة أو بالكثافة والشدة، وبقي مسوغ الإكراه السياسي، ومنطق العلاقة بين الدولة والمجتمع، واحداً رغم الإضافات والتحسينات التي استحدثت في أداء السلطة. تعاقبت النظم وتغيرت أشكال الحكم وبقيت مبادىء انتظام الحياة اليومية بدوافعها الأخلاقية وبناها الإنتاجية وروابطها الاجتماعية نفسها.

اتجهت أكثر البحوث بعد هزيمة العام 1967، نحو إدانة السلطة القائمة، إما بإظهار عدم أهلية الحاكمين، أو محاكمة نواياهم، أو سوء أدائهم، أو فسادهم، أو نزعة التسلط فيهم. أي شخصنة(Personalize)  الأزمة ووضعنتها (Objectified)، بمعنى حصرها بحزب أو شخص أو نظام حكم أو جهة متعينة، من دون الالتفات إلى أن الخلل، كان قائماً قبل دولة الإستقلال، واستمر من بعدها، وأن الأزمة غير متموضعة في مكان أو جهة محددة، بل هي شاملة ومنتشرة في جسد الواقع المجتمعي وكل صور انتظامه. انصب البحث عن أسباب الخيبة في الأمكنة الخاطئة، وتركز الخطاب على الجزء والجهة والشخص، من دون النظر في طبيعة الواقع نفسه وقابلياته وإمكاناته.

أطالت الأدبيات الفكرية، الحديث عن مظاهر فشل هذه الدولة، ولم تبحث كفاية في طبيعة هذه الدولة، والأرضية التي تقف عليها، وعما إذا كان بإمكانها، في طبيعتها الحالية والقيم التي تستند إليها والإرث الثقافي والبنى المجتمعية وذاكرة التاريخ الدفينة، تحقيق الآمال والتوقعات التي عقدت عليها، مع قطع النظر عن نوايا وكفاءة أهل السلطة. أي أفاضت في استعراض وجوه الفشل، والبحث عمن يتحمل مسؤوليته، ولم تسأل ما إذا كان المتوقع والمأمول منها، منسجمين مع طبيعتها وتركيبتها وشبكة قواها، أو إذا كانا ممكنين في ظل الترتيبات والبنى القائمة، والخيارات المعتمدة داخل السلطة والمجتمع معاً.

لم ننتبه إلى أن دولنا المعاصرة، لم تكن نتيجة داخلية لتفاعلات اجتماعية-اقتصادية داخل المجال العربي، أو نتاج تقاليده الثقافية والفكرية الخاصة به، بل كانت نتاج سيرورة تطور طبيعي للدولة السلطانية الاستبدادية القائمة على القمع والطغيان من جهة، وسيرورة العملية إلإصلاحية التي استعارت من الغرب تقنيات تحديث القوة الإكراهية، من دون تسرب تقليد الحياة السياسية وروحية المجال العام إليها، ومنطلقات التمثيل والمشروعية، التي تسوغ جميع وجوه الولاء والإذعان من جهة أخرى.

إخفاق الحكام والأنظمة لا يكشف حقيقة المشكلة، فنحن أمام نظام توزيع وقواعد سلطة راسخة وشبكة قوى، أي أمام مبادىء وقواعد انتظام عام، قامت عليها النظم السياسية وأشكال الحكم القديمة والحديثة في المجال العربي، جعلها بحسب طبيعتها وتكوينها، قاصرة عن أن تعطي أفضل مما أعطته، أو تصل إلى أبعد مما وصلت إليه. ما نحن فيه هو نتيجة طبيعية، ومسار منطقي لتوليفة سياسية وأرضية اجتماعية، وخلفية ثقافية وبنية إنتاجية قائمة وراسخة، لم يتجرأ التفكير العربي بالقدر الكافي على مسائلتها أو بحثها بشفافية.

افترضنا توقعات، لا يمكن للانتظام العربي الحالي أن ينتجها ويؤدي إليها. وأخذنا نقيس من خلال هذه النتائج المفترضة فشل أو نجاح كل التجارب. أي اعتمدنا معياراً مستقلاً، بل غريبا عن طبيعة الواقع، وحكمنا عليه بالفشل لأنه لم يستجب لهذا المعيار. ما يعني أننا حمَّلنا الواقع أكثر مما يحمل، وانتظرنا منه أموراً، لا يمكن لطبيعته وبنيته أن يوفراها. بالتالي وبدلاً من البحث في شروط إمكان النجاح، أي المقدمات والوضعيات، التي تخلق واقعاً مؤهلاً لتحقيق النتائج المتوقعة والمأمولة، اعتمدنا معياراً منفصلاً عن الواقع، وغريباً عن طبيعته، وأخذنا نحاكم الواقع ونصدر أحكام الفشل والنجاح عليه. وبدلاً من البحث في قابلية الواقع القائم، لتوفير الشروط المتوقعة، عمدنا إلى اتهام القائمين على أمور هذا الواقع بالتقصير والفساد، أو الظلم والانحراف، أو الضلال والفسوق، أي شخصنة المشكلة ومحاكمة النوايا، الأمر الذي حجب حقيقة السلطة وقواعدها وإجراءاتها، وتقنيات تحكمها عن النقاش القائم، وتسبب بطمس شبكة القوى المنتجة للتفضيلات  (Preferences)، ومنظومة الطاعة وأصول المشروعية، التي ظلت فاعلة وحاضرة، رغم تغير الوجوه وتبدل المسميات، وتعاقب أشكال النظم السياسية.

كان المجال العربي يفتقر منذ العهد العثماني، إلى القوى الاجتماعية التي يكون عليها بناء الدولة الحديثة، أي قاعدة بورجوازية لنشوئها والاستناد إليها. وكان يفتقد أيضاً إلى منظومة القيم، والفرضيات الداخلية التي تجعل قيام الدولة الحديثة، ضرورياً في المجال العربي. فالتبعية السياسية للحكم العثماني لفترة طويلة، وظهور الاستقلال بدفع غربي وتأسيس استعماري، جعل الدولة من الموضوعات اللامفكر فيها، في المجال العربي، بمعنى خروجها بالكامل من دائرتي الاجتماع والفكر.

كذلك، فإن ضعف مشاركة الجماهير العربية، أو حتى انعدامها في خيارات الدولة وقراراتها، إضافة إلى هيمنة السلطة، وسعيها الحثيث إلى استتباع الجامعات ومراكز الابحاث لها، وجعلها منابر لتعميم رعويتها وأبويتها ووجهة نظرها الخاصة، هذه المعطيات ضيقت مساحة البحث الحر المتحرر من هيمنة الايديولوجيا والسلطة القائمة، وأدت إلى غياب الوعي العام بالمجال السياسي، بصفته نشاطاً متميزاً عن باقي النشاطات، الدينية والاقتصادية والاجتماعية، رغم أنه يتداخل معها على أرض الواقع، ما تسبب بغياب علم السياسة في المجال العربي.

لم تكن إشكالية الفكر في العالَم الإسلامي، على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين منطلقة من قطيعة مع نظام سياسي ماضوي، وابتكار نظام آخر يحلّ محلّه، فالفكر العربي لَم يكن معني بالتَّجديد، بقدر اهتمامه بالتَّكيُّف مع نموذج سياسي غربي، صار بمثابة قدر وسيل جارف لا يمكن مقاومته بحسب تعبير خير الدين التونسي. فانصبت الجهود على إعداد العلاجات واقتراح فنون المداواة الوافدة من مكان آخر، أكثر من الجهد الجذري في إعادة النَّظر بالنِّظام السِّياسي، أو بالبنية الاجتماعية انطلاقاً من فلسفة سياسية مبتكرة.

انشغل الفكر العربي بمعاينة أزمة المجتمع وأسباب انحطاطه، وتشخيص مآزقه الحضارية والأخلاقية والعقلية، وانصرف عن التفكير في الدولة، أو تمثل واقعها أو حتى فهمها. إذ كيف يفهمها المفكرون العرب، وهم غير قادرين على معاينتها وتفصحها ودراستها بطريقة مستقلة، وغير متواجدين داخل تيار عملها، بحكم وجود هذا الجدار العازل بينها وبينهم منذ قرون. ما أعجزهم عن ابداع نظرية في الدولة، تتجاوز لغة الاحتجاج والإدانة والفهم الطوباوي لها، سواء أكان على المستوى الوطني أو المستوى القومي، وتسبب بظهور الدولة العربية مكونة من جسد وعضلات، لكن لا روح لا عقل فيها، وبقاءها سراً محجوباً في الوعي والممارسة معاً ، مع غياب أي وجود نظري لحقيقتها وصلتها بالوجود الإنساني، وغياب أية ركائز عقلنة تصوب وجهتها وتلجم اعتباطيتها.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)

3/ ربيع الأول/1443هـ