«فن» الفشل وإنتاج الكارثة!


 

 

وجيه قانصو

موقع الإمام الشيرازي

 

جنوبية - في لبنان، لم يعد للمشهد السياسي أي معنى أو مضمون، حتى يكون بالإمكان قراءته أو تحليله أو بناء التوقعات عليه. ما نختبره هو فشل إثر فشل، كارثة تمهد لكارثة أكبر، مأساة تبشر بموت وشيك. لكن رغم ذلك، هنالك إصرار من صانعي هذا المشهد وأبطاله، بأنهم يخوضون معركة مصير، ويصدون مؤامرات تتدفق علينا من كل حدب وصوب، ويحفظون حقوق هذه الطائفة أو تلك، ويعدون العدة ليطوبوا قديسين وأنبياء. ما نختبره بالنسبة إليهم تفاصيل هامشية، لا تصمد في أهميتها أمام الظفر الكبير والانتصار العظيم الذي راكموه وأنجزوه.

أقل وصف لما جرى ويجري هو الفشل، وأقل نعت لأبطاله ورموزه أنهم صانعو الكارثة والدمار. لكن الأسوأ هو أنهم فقدوا الحس السليم في إدراك أولويات الناس وتحسس آلامهم والتعرف إلى ما يرهقهم ويشغلهم. فنرجسيتهم توهمهم أنهم أصحاب إلهام ووحي، أصحاب قدرات خارقة وبصيرة نافذة وحكمة متعالية في إدارة الأمور، ونبؤة حتمية في استشراف ما يحصل.

كلنا يعلم أنهم جميعاً يراوغون ويكذبون، ماكرون وخبثاء، فاسدون ولصوص، سذج وتافهون. ورغم ذلك لا يستحوا من التذاكي على الناس بطريقة تفضح غباءهم كل مرة، ولا يكفون عن الكذب رغم وضوحه وسطوعه، ولا يتوقفون عن السرقة في وضح النهار، ولا يتورعوا عن إطلاق الوعود والأماني رغم هتكها كل مرة، ولا يخجلوا من إطلاق نبؤات بقصد التشبه بالعارفين والأنبياء، رغم أن الزمن كان كفيلاً بفضح زيف نبؤاتهم وتفاهتها.

تراهم يجيدوا وضع الأقنعة، لأنهم جبناء يخافون من الصراحة والوضوح، ولأن الشفافية تكشف قبحهم، ولأنهم يرتعبوا من أن تصرف عنهم الأنظار وأن يصيروا أناسا عاديين، وأن يسيروا على الطرقات والناس غير عابئة بهم.

أبشع ما فيهم هو حين يستغبون الناس في خطابهم ووعودهم، ويسوغوا قراراتهم ومواقفهم بعبارات ركيكة ومحاجة في غاية السطحية، ورغم ذلك يظنون أن الناس تتلقى كلامهم مثل تلقيهم كلام القرآن والإنجيل. أبشع ما فيهم حين يوحوا للناس أن المشكلة تقبع في مكان آخر، وأن ما نشهده ونعاينه من مصائب وكوارث مجرد تفاصيل لا قيمة لها، أمام المؤامرة التي صدوها وأمام الإنجازات العظيمة التي يحققونها كل يوم، وحين يسجلون جريمة فشلهم وخطيئتهم ضد مجهول، وحين يطمئنوننا أن الطائفة في أحسن وأقوى أحوالها، وحين يقحمون المقدسات (القدس) على خط فشلهم وعجزهم، ليبشرونا بقرب تحريرها وآزوف الصلاة فيها، وهم يعلمون أن لا شيء يعوض معاناة وذل ومهانة لبناني واحد لساعة واحدة.

أما أبشع ما فينا كلبنانيين، هو أننا بتنا نتكيف مع الكارثة، ونحولها إلى روتين يومي وعادة ثابتة وقدر حتمي، كأن الأمر لا يعنينا، وكأن شيئاً لم يتغير في حياتنا، وكأن مهمة التغيير هي مسؤولية ملقاة على غيرنا، أو كأن التغيير بات فوق طاقتنا بل يحتاج إلى معجزة وتدخل رباني. بل إن أبشع ما فينا هو حين نخير أنفسنا، بين واقع كارثي لكنه ملجوم وتحت السيطرة من جهة، وبين فتنة وفوضى تدوم من جهة أخرى فنختار الكارثة طائعين ومُسلِّمين، وحين نسوغ لصانعي الكارثة أفعالهم، ونرى أنهم أولياء نعمة وباب رزق، وحين نشعر بالحرج والذنب من اتهامهم وبتأنيب الضمير من تطاولنا عليهم، رغم معاينتنا لبشاعتهم وقبحهم، وحين ينحدر أكثر اللبنانيين إلى درك العبودية الطوعية، حين يعتبرون أن النيل من أحد أو بعض هؤلاء القادة، مس بمقدساتهم وإهانة شخصية لهم.

ما من مجتمع إلا ويمر بأزمات وحتى انهيارات: سياسية واجتماعية واقتصادية وقيمية، لكن قدرتها على الانبعاث من جديد، والاعتبار من تجاربها وتصويب وجهتها والتحرر من طغمتها وإعادة صياغة قيمها، هو الفيصل بين المجتمعات الحية التي قوام وجودها الإرادات الحرة والفعل الحر، وبين المجتمعات الميتة التي جاءت بفعل أحداث عرضية غير مقصودة، أي جاءت بمحض الصدفة، ثم تراها تنتهي وتزول بمحض الصدفة.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)

27/شوال/1442هـ