المناهج والمنهجية -أهمية وتقييم الكتب المراجع للبحث العلمي/6


 

"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"

 

         د.هيثم الحلي الحسيني

الحلقة السادسة

أهمية وتقييم الكتب المراجع للبحث العلمي

 

موقع الإمام الشيرازي

مقدمة في ظهور الكتاب والمكتبة وتطورها

قد يكون الكتاب من أقدم النتاجات الإبداعية للإنسان مثل المسرح والأدب والفنون التشكيلية، وقد حرص الإنسان على توثيق الكتاب وحفظه من الضياع، منذ بدء أول كتابة ظهرت في الوركاء جنوب العراق، معلنة بدء التاريخ، والتي أعقبتها مباشرة الهيروغليفية في وادي النيل، ثم ظهور الأبجدية الفينيقية في الساحل الشرقي للمتوسط.

وقد تزامن تطور شكل الكتاب مع تطوير الوسائل المستخدمة في الكتابة، والتي كانت الطينية الغالبة فيها في حضارة بين النهرين في العراق، التي تركت أقدم مكتباتها الطينية المكتشفة، ملايين النسخ من المدونات قبل ان تظهر الكتابة على ألواح نبات البردي و شاكلته[1]، ثم أعقبتها مكتبة الإسكندرية الكبرى، التي شكلت مركزاً علمياً وبحثياً كبيراً محوره توفر الكتاب كمرجع للبحث العلمي. ثم تطور الكتاب بتطور الوسائل المستخدمة في الكتابة حتى ظهور الورق والمخطوطات الورقية التي أوجدت طفرة ونهضة في صناعة الكتاب وتأليفه وإخراجه، وهي متوارثة ضمن الموروث الثقافي والفكري والأدبي إلى الأجيال اللاحقة، بما يعرف بالتراث العلمي.

 

قراءة في قواعد وتقاليد التأليف في كتب التراث

إن دراسة الآليات التي اتبعت في التأليف والبحث والتصنيف عند الأعلام المتقدمين، ضرورية لأجل تناول الكتب الموروثة من التراث العلمي والرجوع إليها كمصادر ومراجع للبحث، ولتمكين الباحث من تقييم النماذج التي يقع عليها اختياره في قائمته المكتبة، أو للرجوع اليها لنقل تجربة غنية حيّرت العالم حيث لا زالت موروثاتها هي الأغنى في العالم والأكثر ركوناً في المجهول.

لقد كان التأليف معتمداً في طرائقه وشروطه على طرق التدريس والتعليم السائدة بقيمها وأخلاقياتها العلمية، التي تضمنتها أصول الكتب الستة في هذا المجال ويسبقها كتاب الترمذي المتوفى سنة 280هـ "العالم والمتعلم" وعليه "مختصر كتاب العالم والمتعلم"، أما الأصول الستة في طرائق وآداب التعليم والتدريس[2] فهي "آداب المتعلمين"، لمحمد بن سحنون، المتوفي سنة256هـ، "الرسالة المفصلة لأحوال وأحكام المعلمين والمتعلمين"، للقابس المتوفى سنة 403هـ، "آداب المتعلمين" لنصير الدين الخواجة الطوسي، المتوفي762هـ، "تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم" لابن جماعة الكناني، المتوفي سنة 733هـ، و "منية المريد في أدب المفيد والمستفيد"، للشهيد العاملي الثاني، المتوفي966هـ، و"الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد" لبدر الدين الغزي" المتوفى سنة 984هـ[3].

وإذا أردنا إحصاء الكتب العربية في آداب العلم والبحث لاحظنا تكرر العناوين عند المؤلفين في آداب البحث، آداب المناظرة، آداب المنظر والتحقيق[4]. لقد تضمنت شروط التأليف إتمام الناقص وإكماله، شرح المجمل المغلق وتفصيله، تعين المبهم وإيضاحه، إصلاح الخطأ والتنبيه اليه، ترتيب المختلط، اختصار المطول وتهذيبه بلا إخلال بشيء من معانيه ومقاصده وأغراضه، جمع المتفرق من مادة المعرفة والعلم، وتأليف مخترع جديد لم يسبق.

أما موجبات التأليف أو الفوائد الخمسة من التأليف فهي استنباط شيء كان مفصلاً، جمعه إن كان مفرقاً[5]، شرحه إن كان غامضاً، إحسان نظمه وتأليفه، وإسقاط حشوه وتطويله.

 

خامساً:  مبادئ التأليف وفرائضه في موروث الأقدمين

إن مبادئ التأليف في كتاب الأقدمين، هي رؤوس علم التأليف مما يعين على فهم ما في الكتاب، معرفة ليست باليسيرة وتذكر في صدر الكتاب، وهي تقابل المقدمة في الكتب المعاصرة. إن هذه المبادئ هي الغرض وهي الغاية من التأليف، المنفعة وهي الفائدة التي ترجى من الكتاب، السمة والعنوان، الذي يشير إلى مادة الكتاب ويدل على موضوعه، وجهة التعليم ونحوه المستعمل فيه، وبيان الطريق المسلوك في تحصيل الغاية والمطلوب والمقصود الذي ألف الكتاب من أجله، نوع العلم وموضوعه، اسم الواضع للكتاب وهو المؤلف، المرتبة، وهي مرتبة الكتاب وتعين موضوعه في سلسلة تحصيل العلم، قسمة الكتاب بالأجزاء والمقالات والعلامات إلى ترتيب الكتاب وتبويبه وبيان أقسامه وفصوله[6].

واتفق عند الأقدمين على إن فرائض التأليف العلمي هي، إتمام الغرض الذي وضع الكتاب لأجله من غير زيادة ولا نقص، استعمال الألفاظ الواضحة البينة السهلة التي يرتاح إليها السمع، هجر الألفاظ الغريبة والكلمات النافرة والمجازات غير المفهومة، عدم إدخال علم في علم لئلا يقع التخليط والتشويش، حسن الترتيب ووضوح الدلالة على المقصود، الأمانة العلمية وعزو الفوائد والمسائل والنكت والأشياء إلى أصحابها، "وقد كان أولوا الإنصاف لا يذكرون في شيء من تصانيفهم حرفاً إلا معزواً إلى قائله من العلماء مبينين كتابه الذي ذكر ذلك الأمر فيه، لفوائد التوثيق والتوضيح والاستشهاد والمقارنة"، أن يكون التأليف من البيان والإيضاح والكشف على قدر إدراك من يؤلف له الكتاب من المتعلمين أو القراء أو المتخصصين وبمقدار ما تدعو إليه الحاجة وبمقتضى ما يوجبه التفهيم والتعليم، الاحتياط في النقل عن الغير ومراعاة الأمانة العلمية والدقة والضبط في النقل والإسناد، ولا يقوم الاختصار مقام الإكثار ولا يغني التلويح عن التصريح إذا دعت الحاجة إلى التفصيل والبيان، ولكل مجال مقال ولكل مقام كلام[7].

 

سادساً: القيمة العلمية للكتاب المنشور والمعلومات المستقاة منه 

إن الكتب المؤلفة المنشورة هي الأكثر شيوعاً وانتشاراً، وتأتي قيمة هذه المؤلفات من خلال المستوى العلمي والمصداقية لمؤلفيها، وهي أما أن تكون رسمية، مثل الرسائل الجامعية المعضدة من قبل جهة رسمية أو الإصدارات الخاصة بوزارات معينة، أو غير رسمية عندما تعبر عن أراء مؤلفيها دون قيد وإشراف من جهة ما.

إن على الباحث أن يتحرى باستخدامه المرجعي للكتب، النواحي الفكرية والزمانية والمكانية، فضلاً عن جهة النشر، حيث أن كثيراً من دور النشر لا تتوخى القيمة العلمية قدر اهتمامها بالناحية التجارية. ولأجل ذلك على الباحث أو الطالب أن يكوّن فكرة كافية عن الكتّاب الذين كتبوا في الموضوع المعين، وعن ميولهم الفكرية والسياسية والاقتصادية ومقدار نفوذهم ومعرفتهم ببواطن الأمور وأخلاقيتهم وأمانتهم العلمية، ليتم اختيار الأنسب علمياً، وكذلك على الباحث أن يقرأ بتحفظ ورؤية نافذة فاحصة، مع الرجوع الى الكتب المتخصصة والى المراجع والمصادر المثبتة في ذيول وهوامش تلك الكتب، للاطلاع بشكل شخصي على النصوص الأصلية والوقوف على صحة الاقتباس ودقته.

إن الرسائل والأطاريح الجامعية التي يقوم معدوها بإصدارها على شكل كتب مؤلفة بجهدهم أو بالتعاون مع دور النشر الخاصة، تعتبر من نفس صنف هذه المصادر لكنها بدرجة موثوقية أعلى، كونها قد أعدت تحت إشراف علمي، ونوقشت وأقرت من قبل لجان علمية بحثية، ويفترض أن الباحث الطالب قد عدّل وطور رسالته على ضوء ملاحظات لجنة المناقشة قبل نشرها على هيئة كتاب، إن الباحث الحصيف يرجع في تقييمه لمثل هذه المصادر إلى المكتبة الجامعية، التي تحفظ أصول تلك الرسائل معلق عليها بالملاحظات والمداخلات العلمية والنقدية، قبل نشرها بشكل كتاب، أو إلى أعضاء لجان المناقشة العلمية أنفسهم .

إن من الأمور التي لم تعد تلاحظ في هذا الجانب، أن بعض الباحثين يهتمون بالمراجع أكثر من عنايتهم بالأفكار التي تحتويها، لأنهم يذكرون الآراء ويوردون لها المراجع وكأنها معلومات مسلّم بها، فضلاً عن النزعة لديهم بعرض كم المراجع على حساب القيمة العلمية والأفكار القائمة، وبعضهم يدرج العناوين المثبتة في قائمة المراجع في الكتب التي استقى عنها معلوماته على إنها مراجعه ومصادره البحثية، بذكر الصفحات نفسها دون أن يكون قد اطلع عليها شخصيا من الأساس، او بذل عناء الوصول اليها، وهذا يشكل خرقا في الأمانة العلمية، وخللا في البحث.

على المشرف العلمي الخبير, الذي يتولى مسؤولية الاشراف على رسالة جامعية, مسؤولية تنبيه تلميذه على هكذا ثغرات بحثية دون تهاون، وهي عادة لا تنطلي على لجنة المناقشة العلمية الكفوءة، فضلا عن تعريض البحث وقيمته ومصداقيته العلمية لثغرات وعواقب غير محسوبة. عليه فان على الباحث توثيق الفكرة وتدقيقها وتدعيمها، قبل الاهتمام بعرض المرجع ذاته مجردا.

 

تقييم وأهمية الكتب كمصادر و مراجع للبحث             

تجمع بعض الكتب مجموعة من البحوث العلمية المنشورة أساساً، وبعضها قد تجمعت لمؤلفيها من منشورات لمقالاتهم في الصحف والمجلات الدورية، ذلك لأن الكتاب أبقى و أوثق في الحفظ من الضياع من سواه أشكال الإصدارات الأخرى، وإلى ذلك عني الإمام الصادق (عليه السلام): "احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها" [8].

لذلك فإن الكثير من المقالات الصحفية الثقافية والعلمية المعبرة عن آراء جريئة أو حادة، قد تجد طريقها للنشر بسهولة في حين تواجه الكثير من الكتب المشابهة معارضة شديدة في النشر من قبل الجهات المهتمة بالرقابة والإعلام.

وقد شهد التاريخ حملات شرسة ضد الكتب المؤلفة بإحراقها وإتلافها بشكل جماعي منظم متعمد، تزامن معظمها مع الحملات العسكرية المسببة بإسقاط الدول والأنظمة السياسية، كما حصل عند سقوط الدولة العباسية في بغداد في العام 1258م/656ﻫ، وسقوط الدولة الفاطمية في القاهرة، وسقوط الدولة العربية الإسلامية في غرناطة آخر قلاع العرب المسلمين في الأندلس.

إن أكثر هذه الكتب المستهدفة كانت خطيّة للمئات من العلماء والمفكرين، "إن المحتلين والغزاة يرهبون الكتاب كما يرهبون السيف"[9]، غير إن الكتاب كثيراً ما يقاوم هذه الحملات في الإبادة، وهو السر في قوته وديمومته، فانتشار نسخه في أكثر من بقعة وأكثر من خزانة، نتيجة تداولها وانتقاها بين الأقطار والأمصار، وحرص العلماء والرحالة في أسفارهم على اقتناء بعض منها ونقلها من موقع لآخر في حلهم وترحالهم، هي الوسيلة إلى حفظت أمهات الكتب في التراث العلمي من الضياع ولو بعد حين، فتظهر نسخة منه هنا وأخرى هناك في أماكن متوقعة أو غير متوقعة، وهذا هو في صلب دور الباحث في التاريخ والتراث وأصول المعارف ومقدمات الفكر والمناهج العلمية، وفي المقدمة دور المراكز البحثية وهيئات إحياء التراث العلمي.

ومثال حي على ذلك ما يروى عن العلامة الباحث السيد نصر الله الحائري، وكان يتنقل بين موطنه العراق إلى الحجاز وإلى عاصمة الدولة العثمانية في الأستانة (إسطنبول) وغيرها من العواصم سفيراً متجولاً لما حظي من مكانة علمية وسياسية واجتماعية رفيعة ومميزة، فعند مروره على مدينة أصفهان في إحدى أسفاره، توقف لابتياع آلاف الكتب حيث تملكها وحملها معه إلى بلده وداره، وكان تجار أصفهان قد عرف عنهم حمل معظم ما يؤلف من الكتب إلى خزاناتها وأسواقها من جميع المدن العربية الإسلامية الأخرى[10].

 

شواهد تاريخية في حفظ الكتب والتراث العلمي

من الوقائع التاريخية المهمة التي شهدت ضياع الكثير من التراث العلمي، نكبة سقوط بغداد أثر دخول المغول فيها وانهيار الدولة العباسية، واغتيال آخر خلفائها في العام 656هـ( 1258م). وقد لعبت الحلة السيفية وهيئتها العلمية والبقية من وجوه قيادتها السياسية المتمثلة ببقايا رجالات الدولة المزيدية الأسدية الدور التاريخي في حفظ ما أمكن من التراث، وكان أعلام الحلة قد خولّوا العالم الشيخ يوسف بن المطّهر الحلي "والد العلامة الحلي" والعالم النقيب السيد بن طاووس الحلي، للتفاوض مع القيادة الغازية والتصدي للتحاور معها في السياسة وشؤون الفتوى، بهدف حفظ المدينة وتراثها وحضارتها، وقد تمكنوا من ذلك ونجحوا بإبرام اتفاق يمنع المغول من الاعتداء على مدينتهم، فضلاً عن حفظ دماء الكثير من أهل الفكر والثقافة والعلم في بغداد وخارجها[11]، فكانت الفرصة التاريخية أن نقلت الكثير من أمهات الكتب والمأثورات العلمية إلى مدينة الحلة، التي كانت لا تزال تحفظ الكثير من مجدها العلمي والسياسي على مستوى العراق والأمة، حيث امتدت سلطتها السياسية من "هيت" أعالي الفرات إلى "واسط" في الجنوب.

وكانت مدارس الحلة وجامعاتها تضاهي مثيلاتها في الأصقاع الإسلامية، وقد تخرج منها الكثير من الأعلام الذين بصموا بآثارهم علوم الإسلام لا سيما مدرسة آل البيت (عليهم السلام)، ومنهم الذي شغل مواقع متقدمة في عاصمة الدولة في بغداد، وآخرهم الوزير بن العلقمي الأسدي[12]، الذي كان من الداعمين للاتفاق سياسيا لخبرته وتعقله.

وقد لعب التجار دوراً مؤثراً حسب مصالحهم وكل حسب نيته، في استبدال الكثير من المخطوطات النادرة بالمواد الغذائية التي شحت في بغداد، وأصبحت الحلة لكونها قد سلمت من الغزو والاحتلال، قاعدة لحركة التبادل الثقافي والعمل السياسي مع الأمصار والأقطار العربية الإسلامية غرب البادية في الشام ومصر والحجاز، وقد جرى نقل الكثير من المأثورات العلمية من الحلة إلى تلك الحواضر، التي استمرت بالنهوض بعد أفول شمس بغداد بصدمة الاحتلال لما تبقى من القرن السادس الهجري والقرن السابع الهجري، قبل النهوض اللاحق من الكبوة. وبذا تمكنت الحلة من إيواء ونقل الكثير من عناوين الثقافة والعلوم والفكر العربي الإسلامي وحفظها من الضياع، بعد أن عمدت سلطة الاحتلال المغولي على هدم دور الثقافة وحرق الموروثات والمصنفات [13].

وفي مشهد أخر من التاريخ والجغرافية، فقد لعب المترجمون الباحثون المرافقون لقوات الفرنجة المتقدمة لاحتلال غرناطة، آخر المواقع للحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، دوراً في حفظ وحماية واقتناء ما أمكنهم من الكتب، وترجمتها لاحقاً واعتمادها كمراجع علمية بحثية في جامعات أوروبا قبل عمليات الحرق والإتلاف المتعمد لكامل الوجود الثقافي العربي الإسلامي في الأندلس، وقد كانت اللغة العبرية وسيطة ثالثة في الترجمة من العربية إلى اللاتينية واللغات الأوربية.

 

رؤية الاستشراق في التأليف والبحث التراثي العلمي

يؤكد المستشرقون على دور المسلمين وإبداعهم في التأليف في "تصنيف العلوم"، واتباعهم وجهة النظر الموسوعية في المعرفة التي كان الإغريق لا يختلفون فيها عنهم، وإن المسلمين قد استخدموا العلم بما يختلف جوهرياً عن ما هو اليوم، لأن تصنيفاتهم للعلوم كموضوعات مثل الفلك أو الكيمياء أو الميكانيكا، كانت تشمل أيضاً موضوع مثل الإلهيات والفلسفة والمنطق والميتافيزيقيا، ويعتبر الخوارزمي والحسن بن الهيثم من العلماء المؤثرين في عمق الأدبيات العلمية الغربية، وأن المفهوم الحديث للتخصص غريب على العلماء الأوائل، ولا يرون غرابة في الجمع بين الفلسفة التأملية النظرية وبين العلوم المعرفية مثل الطب أو الفلك مثلاً، ويؤكد المستشرق بأن من الواضح أن ضغوط الرعاية "الكلفة والموارد" والاقتصاد، كانت إلى حد ما محدودة لأنشطة العلماء، فكان لها تأثيرها عليهم، ويرى الدكتور هيل أن هذا التأثير هو نفسه كان مؤثراً على أسلافهم الهيلينسين، وهي ثقافة اللغة القديمة "الكوين" Koin التي تناقلها الإغريق "اليونان" من حضارات الشرق القديم الممتدة من مصر وبلاد بين النهرين وفارس والهند، إثر احتلالها من قبل الاسكندر المقدوني وتوريثها من بعده بين أبنائه.

ويتطرق الدكتور هيل[14] وغيره من المستشرقين إلى ابتداء الحركة الكبرى للترجمة في القرن الهجري الثاني في استعادة الموروث العلمي، خاصة عن علماء الهند القديمة من المترجمين المنحدرين من خراسان وما جاورها، بحيث شكل علماء فارس في مصنفاتهم المترجمة، الصلة والجسر الرابط، بين علوم الهند القديمة وعلوم الإسلام.

وبذلت طبقة المترجمين الكبار من أمثال ابن المقفع وابن محمد وحنين بن إسحاق وما شاء الله، الكثير في الحركة التي نشطت بين اللغتين الإغريقية والعربية مباشرة أو بوساطة السريانية كلغة وسطى، وكان للصابئة الحورانين دور مميز فيها ولسائر علماء الحيرة، وقد انحسرت حركة الترجمة خلال الحقبة اللاحقة بسبب التحول إلى العطاء العلمي الذاتي وإنتاج الأصول العلمية. وكانت السريانية قد لعبت الدور ذاته خلال الحقبة الهيلينية بين الإغريقية ولغات الشرق القديم في ضفاف النهرين والنيل، التي انطلق منها العلماء المعلمون الأوائل لإرساء مناهج الفكر العلمي مثل أفلاطون وأرسطو وسقراط وأرخميدس.

ثم شكلت الترجمة خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي زخماً في نقل العلوم العربية الإسلامية إلى الأوروبية، وكانت العبرية واسطة النقل هذه المرة، ولم تتوقف أنشطة الترجمة حتى في ظل الهجوم القاسي على فلول الحضارة الإسلامية في الأندلس وتعقب آثاراها وتدميرها، فكان المترجمون يرافقون الحملات العسكرية مع الأرتال المتقدمة الأولى للحفاظ على الموروث العلمي، الذي شكل القاعدة الارتكازية لعصر النهضة في أوروبا، والمادة العلمية الفكرية والفلسفية للجامعات الأوربية المتقدمة. وإلى ذلك يخلص الدكتور هيل إلى "أن المسلمين قد ورثوا ثروة معرفية متنوعة عن أسلافهم، وكان على العلماء المسلمين أن يطوروا هذه المبادئ المعرفية المتباينة لمتابعة تحقيق الأهداف".

إن التعبير أو المكنون الأدق الذي لم تسعف مدركات المستشرق الغربي إصابته، هو أن العلماء المسلمين، إنما كانوا يتلقون المنهج العلمي من خلال حركة الترجمة، ليعبروا لاحقاً بأدوات المنهج عن أصول فكر وعقيدة، مثلت نتاجهم وعطاءهم إلى الإنسانية، وهو ما يؤكده توقف الترجمة في حلول القرن الحادي عشر الميلادي، لأن الأعمال العلمية الأصيلة المنتجة, بدأت تساهم وتؤدي إلى تطوير النظم العلمية وتوسيعها على مستوى العالم.

 

التقاليد العلمية والمهنية في تأليف الكتاب ونشره

للكتاب ونشره دور إعلامي في التوعية الثقافية بين الشعوب والمجتمعات، فالكتاب السياسي مثلاً يختلف في تأثيره عن المقال السياسي الذي مهما كان متعمقاً، فإنه سوف ينسى بمجرد انقضاء عمره الزمني، بينما الكتاب يبقى من ضمن المقتنيات والذاكرة، ولذلك فإن بعض الكتّاب ارتأى أن يجمع مقالاته في كتاب وينشره ويبقى على آثاره، وان هذا المورد العلمي الثقافي يكون من المواد الرئيسة في المراجع البحثية، التي يجتهد الباحث في انتقاء الأعمق استقراءاً، والأقرب لمسالة البحث، لتسجيلها في القائمة المكتبية للباحث.

وهذا الموقف من الكتاب، لا يقلل من أهمية الصحافة ووسائل النشر الثقافي والعلمي الأخرى، فيجب التوجه إلى الصحافة لأنها من أهم وسائل التبليغ والإرشاد والإعلام والنشر والإمتاع وتهيئة الرأي العام. وذلك مرتبط في جميع نواحي الحياة المجتمعية، لأنها تؤسس لعلاقات إنسانية في المجتمع وترفع مستوى الوعي عند الناس، وهي تمارس دوراً خطيراً مكملاً لدور السلطات الثلاث في الدولة، لذا لقبت بالسلطة الرابعة، كونها المرآة العاكسة لأوضاع المجتمع بكافة عناوينه، وعليه من الخطأ تجاهل هذه الأشكال من المراجع العلمية، رغم التبسيط في رؤيتها واستقرائها للحالة موضوع الدرس، لكنها تغني البحث بحقائق ترفع موضوعيته، وخاصة البحوث التي تدرس الحقب الزمنية التي صدرت فيها تلك الصحف المراجع.

وكما أن للكتاب صناعة في تأليفه، فإن له كذلك صناعة في توثيقه ونشره وتسويقه، بما يضمن حقوق مؤلفه وجهده وأتعابه، ويصمن إيصاله إلى المستفيد منه، ويمنع التقليد والتزوير والاقتباس والنقل غير المشروع، ويحفظ بذلك حرمة العلم وسمو الثقافة، وبالتالي ضمان مستقبل المجتمع واستقراره، ويصون الحياة بكل جوانبها. إن فقدان القيم المهنية في العلم والتأليف والنشر وأخلاقياتها[15]، لا تؤثر في حدود المجتمع العلمي فحسب، وإنما ينسحب تأثير خرابها إلى سائر جوانب الحياة والمجتمع، قبل أن يسري انحرافها إذا سكت عنه، إلى مرافق الدولة ومؤسساتها.

ولضمان ذلك صدرت التشريعات القانونية المنظمة لهذه الأنشطة، التي تضاف إلى الأثر الأكبر ذي المقام الأول في ضمان استقامة العمل العلمي والإبداعي، وهو التقاليد المجتمعية والأعراف والسلوك العلمي الأدبي الرفيع، إذ لا قانون يحكم ويضبط العمل المهني السليم سوى الذات العلمية وشيوع ثقافة الحقوق العلمية وأمانة البحث، غير إن التشريعات القانونية أصبحت ضرورة قائمة، يلجا إليها في جميع البلدان المتقدمة والنامية.

لقد أخذ التشريع العراقي بمبدأ الإيداع للمطبوعات بكافة أشكالها من الكتب والدوريات والمجلات العلمية والثقافية والصحف، وأوجب على ناشري المصنفات التي تعد للنشر أن يودعوا نتاجاتهم خلال شهر من تاريخ النشر، ضمن نسخ من المصنف وما في حكمه في المكتبة الوطنية[16]، وقد كان حتى العام 1971 ينظم النشر في العراق، التشريع العثماني المعروف بقانون حق التأليف العثماني، ثم لملاءمة متطلبات العصر صدر التشريع العراقي الخاص بتنظيم المطبوعات عوضاً عنه[17].

لقد أوجب قانون الإيداع على المعنيين بنشر المصنف, استحصال رقم الإيداع من مركز الإيداع في المكتبة الوطنية مسبقاً، وتثبيته على غلاف المصنف وما في حكمه، مع ذكر كافة التفاصيل ذات الصلة بالإنتاج سواء، المؤلف، المترجم، المحقق، المراجع، المصحح الفكري، المدقق والمصحح اللغوي، دار النشر أو الناشر، اسم المطبعة وصاحب المطبعة، ورقم الطبعة، لإثبات حق التأليف وسائر حقوق الإنتاج العلمية والمهنية.


[1]   يعتبر كتاب "كونفوشيوس" الحكيم الصيني (551 ـ479 ق م) أقدم "أمالي" في التاريخ الذي أسس مدرسة لنشر أفكاره المعتمدة على الجانب الأخلاقي وفيها تلامذته المرتبطين به عاطفياً، فهو لم يكتب شيئاً بنفسه فقد كتبه تلامذته بتحرير دروسه عليهم وما يمليه عليهم أو يسمعونه عنه، ورغم تسميته "عظيم القداسة" لكنه يقول: "كل ما يجوز أن ألقب آو أوصف به، هو تلميذ كثير الاشتياق إلى العلم ومعلم لا يكل وهذا حسبي ولا شيء أكثر من ذلك". وكذلك كان أسلوب الإنتاج العقلي لأفلاطون، معلم وتلامذته من حوله واملاء لدروسه عليهم، وقد صنفت كتبه بهذه الطريقة. أ هـ ، باختصار عن: فلسفة التاريخ، السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي. مصدر سابق، ص 379.

[2]  الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ، مناهج المؤلفات العربية في التربية والتعليم، مجلة جامعة أهل البيت (ع). ع2 سنة 2005، ص 17.

 [3] ومن الكتب المرشدة لفن الكتابة: "عالم الكتابة ومغانم الإصابة" لعبد الرحيم القرشي المتوفى سنة 625هـ. و"صبح الأعشى في صناعة الإنشا" لأحمد بن علي القلقشندي، المتوفى 821 هـ.

[4]  الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ، مصدر سابق، ص18.

[5] ومنها كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لمصنفه بدر الدين الكناني المتوفى سنة 733هـ، جمعه من الموسوعات أو ما سمعه من المشايخ وما مر به من المطالعات واستفاد في المذاكرات، وقد جمع فيه من التفاريق ما لم يره مجموعاً في كتاب، اهـ عن: الدكتور حسين علي محفوظ، مناهج المؤلفات العربية في التربية والتعليم وأهمية التراث العربي في وضع تقاليد التعليم العالي ومناهج البحث العلمي وأصول الدراسة والتدريس، بحث، مجلة جامعة أهل البيت (ع)1 2005 ص10.

[6]   أد نبيلة عبد المنعم, العناية بالكتاب في التراث العربي , دراسة, ندوة المكتبة في التراث, مركز احياء التراث بالتعاون مع المكتبة المركزية لجامعة بغداد, 1994م.

[7]  المصدر السابق، ص20

[8]  ثقة الإسلام الكليني ، أصول الكافي، 52:1 .  والحر العاملي، الوسائل، 81:27.

[9]   السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي، الرأي العام والإعلام، ص 390.

[10]  السيد نصر الله الحائري الموسوي، يرجع عقبه حسب بن عنبة الداودي الحسني صاحب العمدة "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب"، الى الشريف إبراهيم المرتضى بن الإمام الكاظم (عليه السلام)، وعقبه في السادة ال نصر الله, و بقرابة السادة آل أبي الفائز، ويتصل نسبه مع السادة آل طعمة، كما في آثار السيد سلمان هادي آل طعمة، الذي ترجمه في تراث كربلاء. وهو من الشخصيات الجديرة بالدراسة، ذكر تفاصيل هذه الشخصية العلمية، الدكتور علي الوردي في"لمحات اجتماعية من تاريخ العراق المعاصر، ج1"، وذكر في "الأعلام" لخير الدين الزركلي، وغيره من كتب تراجم الأعلام باهتمام مميز لدوره التنويري, فترجم له في أمهات كتب التراجم لأعلام مدرسة آل البيت (عليهم السلام)، مثل: "روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات" للسيد محمد باقر الخوانساري، و"رياض العلماء وحياض الفضلاء" لعبد الله الأفندي، وكتابي "التراجم"، و"الوفيات" للشيخ محمد حرز الدين، و"طبقات الأعلام" للشيخ محمد محسن الرازي السامرائي النجفي، الشهير بأغا بزرك الطهراني، و"الأعيان" للسيد محسن الأمين الحسيني، وغيرها التي تؤكد انه قد غدر به شهيدا في أخر سفاراته إلى الاستانة عاصمة الدولة العثمانية. ويؤكد البحاثة الدكتور علي الوردي، ان السيد نصر الله الحائري, قد حظي باحترام وتبجيل السلطان العثماني في سفارته الأخيرة إلى الأستانة، التي توفي فيها بظروف غامضة، وإن قبره فيها شاهد مكرم، و يزوره الناس منذ يومها لكراماته ونسبه. وتؤكد مراجع التاريخ مثل المؤرخ الاستاذ عباس العزاوي في كتابه "العراق بين احتلالين"، والعلامة السيد شهاب الدين الآلوسي، إن السيد نصر الله مثَل مذهب آل البيت (عليهم السلام) دون غيره من العلماء في مؤتمر النجف الذي عقد بعد احتلال بغداد وإخراج الوالي العثماني عن بغداد، وحضره مكرَماً عن علماء آهل السنة الشيخ يوسف السويدي، واعترف في المؤتمر بالمذهب "الجعفري" كمذهب خامس للمسلمين، وخصص ركناً خامساً له في الكعبة المشرفة أسوة بمذاهب السنة الأربعة، ودعي السيد نصر الله للصلاة والخطبة فيه لأول مرة، من قبل شريف مكة، قبل أن تتغير السلطة في بغداد ويستدعى إلى سفارته في الأستانة، التي كان ينقل فيها المأثورات ويصله المسؤولون ويراجع في أمر المشاهد المقدسة في العراق وأحوال الساكنين في المدن المجاورة لها.

[11]  يروي السيد النقيب ابن طاووس، انه حظر اجتماع العلماء في المدرسة المستنصرية للإجابة على استفتاء، وأجرى برقعته فتواه الشهيرة عن أفضلية الإمام العادل الكافر على المسلم الظالم الجائر، بعد أن تردد الآخرون عن الرأي فيها، فحفظت الكثير من دماء العلماء وأثارهم العلمية في عموم العراق، أهـ عن تراجم النقيب بن طاووس، في المصادر المتقدمة مثل "المزار"، السيد مهدي الحسيني الحلي القزويني، والمؤلفات المعاصرة مثل كتاب "المراجع والمرجعية"، نور الدين الشاهرودي.

[12]  الوزير المؤيد بن العلقمي، دوره وأثره  في الحياة السياسية، رسالة ماجستير في التاريخ العربي الإسلامي،  جامعة بغداد، 1992.

[13] هيثم الحسيني، الدور السياسي والعلمي والحضاري للحلة السيفية، ورقة بحث موثق، دراسة مرحلة الدكتوراه، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا، بغداد، 1996.

[14] الدكتور المهندس دونالد هيل، المجاز بالدكتوراه في "الدراسات العربية"، نشر بعلمية وموضوعية لهذه الآراء في مجموعة أبحاثه وكتاباته المدعمة من الجمعية الملكية اللندنية، ومن انجازاته المساهمة في دائرة المعارف الإسلامية Encyclopedia of Islam وكتابه العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية.

[15]  الحلقة الدراسية الموسومة "أنسنة وأخلاقيات البحث العلمي وقيمه ومعاييره المهنية"، الباحث.

[16]  قانون إيداع المطبوعات العراقي، رقم 37، لسنة 1970.

[17]  قانون المطبوعات العراقي وقانون حماية حق المؤلف رقم 3 لسنة 1971.

19/جمادى الأولى/1432