في ذكرى رحيله .. المؤمنون الأفذاذ وصناعة التاريخ




 

 

موقع الإمام الشيرازي

27/ جمادى الأولى/1448

 

 

لا يتوقف تقدم الأمم أو تخلفها على ما تمتلكه من ثروات وموارد وإمكانات مادية فحسب، بل يتصل، في جانب جوهري منه، بطبيعة الوعي الذي يحكم مجتمعاتها، وبقدرة الإنسان على إدراك واقعه ونقده وتغييره. فإن التخلف ليس مجرد قصور اقتصادي أو اختلال سياسي، وإنما قد يتحول إلى منظومة من الأفكار والعادات والسلوكيات التي تعيد إنتاج الأزمات، وتحد من قدرة المجتمع على استثمار إمكاناته، وتُضعف ثقته بقدرته على صناعة مستقبله. ولعل أخطر ما تخلفه هذه المنظومة أنها تجعل الواقع القائم يبدو قدراً لا يمكن تغييره، فيستسلم الإنسان لما اعتاده، وتضيق أمامه آفاق المبادرة، ويغدو العجز عن الإصلاح جزءاً من الوعي الجمعي. وحين يبلغ المجتمع هذه الحال، لا يعود الخروج من التخلف مسألة موارد أو قرارات سياسية وحدها، بل يصبح، قبل ذلك، قضية وعي وإرادة وقيم.

ومن هنا تكتسب العلاقة بين الإنسان والتاريخ أهميتها؛ فإن التاريخ ليس سلسلة من الوقائع التي يتلقاها البشر دون تأثير فيها، وإنما هو أيضاً حصيلة أفعالهم وخياراتهم، وما يمتلكونه من قدرة على مواجهة الظروف وتغييرها. وفي هذا السياق، تبرز قيمة الشخصيات التي لا تكتفي بإدراك الأزمات وتشخيص أسبابها، بل تعمل على تحويل الوعي بها إلى قوة أخلاقية واجتماعية تدفع نحو الإصلاح.

وفي الذكرى التاسعة عشرة لرحيل الفقيه والمفكر السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدس سره)، تبدو العودة إلى رؤيته للإصلاح والتغيير مناسبة للتأمل في هذه العلاقة بين الإيمان والإنسان وصناعة التاريخ؛ إذ تنطوي أفكاره على تصور يجعل من بناء الوعي، وتهذيب النفس، ومقاومة اليأس، وتحمل المسؤولية الاجتماعية، مقومات متكاملة للنهوض الحضاري.

وقد تشكلت هذه الرؤية في امتداد مدرسة فكرية وإصلاحية كان من أبرز أعلامها والده، المرجع الديني المجدد الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته)، الذي أولى قضايا النهوض الاجتماعي والحضاري اهتماماً واسعاً، ورأى أن الإصلاح لا يقتصر على معالجة مظاهر التخلف، بل يستلزم مواجهة البيئة التي تنتجه وتساعد على استمراره. وفي هذا المعنى يقول: «من مقومات الإصلاح، القضاء على بيئة التخلف، فكما أن لكل مخلوق بيئته الخاصة، فإن للتخلف أيضاً بيئة خاصة به» (الإصلاح: ص24). تكشف هذه الفكرة عن بُعْدٍ أساسي في فهم الإصلاح؛ فإن التخلف لا ينشأ بمعزل عن الظروف التي تغذيه، ولا يستمر دون عوامل فكرية وثقافية واجتماعية تعيد إنتاجه. ومن ثم، فإن معالجة نتائجه دون التصدي لأسبابه العميقة قد تخفف بعض مظاهره، لكنها لا تكفي لإحداث تحول حقيقي ومستدام.

وفي امتداد هذا التصور، لم ينظر السيد محمد رضا الشيرازي إلى الإصلاح بوصفه معالجة جزئية لأزمة عابرة، وإنما باعتباره عملية متكاملة تبدأ من إعادة بناء الوعي، وتمتد إلى مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. وقد بيّن (رحمه الله) في هذا السياق أهمية «الرجوع الفكري إلى العترة الطاهرة، ولو شيئاً فشيئاً، بقدر ما يتمكن منه المجتمع، ثم يتسع ويتسع»، في إشارة إلى أن التحول الفكري والأخلاقي لا يتحقق بالضرورة دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي تتسع آثاره بقدر ما يترسخ في وعي المجتمع وممارساته.

غير أن العودة إلى الأصول الدينية، في هذه الرؤية، لا ينبغي أن تُفهَم بوصفها انصرافاً عن تحديات العصر أو اكتفاء باستعادة الماضي، وإنما باعتبارها سعياً إلى استلهام القيم والمبادئ القادرة على توجيه الحاضر والمستقبل. ومن هنا تبرز أهمية تنبيهه إلى أن «عدم مواكبة العصر أحد عوامل التخلف». وتنطوي هذه العبارة على دلالة تتجاوز الدعوة العامة إلى مسايرة التطورات؛ فهي تضع المجتمع أمام مسؤولية فهم التحولات التي يشهدها العالم، واستيعاب منجزاته العلمية والمعرفية، وتطوير أدواته ومؤسساته، دون أن يفقد مرجعيته الأخلاقية أو يتخلى عن المبادئ التي تقوم عليها هويته. فإن الأصالة، بهذا المعنى، لا تتناقض مع التجديد، كما أن مواكبة العصر لا تستلزم التنكر للقيم. وإنما يكمن التحدي في القدرة على التمييز بين المبادئ الثابتة والوسائل المتغيرة، وبين الوفاء للمرجعية الفكرية والدينية والجمود عند أشكال تاريخية لم تعد تستجيب لاحتياجات الإنسان والمجتمع.

ومن إصلاح الوعي إلى مسؤولية حَمَلة العلم، تتسع هذه الرؤية لتؤكد أن المعرفة الدينية ليست مجرد تحصيل فكري أو سعة في المحفوظات، وإنما أمانة أخلاقية تقتضي النزاهة والاستقامة والاستقلال عن الأهواء والمصالح. وفي هذا السياق، يكتسب قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه» دلالة عميقة؛ إذ يجعل من أهلية مصدر المعرفة مسألة لا تقل أهمية عن المعرفة نفسها. وقد قرن الإمام هذه المسؤولية بوجود العدول من أهل البيت في كل جيل، الذين يصونون الدين من «تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (الكافي: ج1 - ص32). ومن هذه الرؤية يمكن استخلاص معيار أخلاقي لمسؤولية العلماء، لا يقتصر على الكفاءة العلمية، بل يمتد إلى الورع والعدل والاستقلال عن توظيف المعرفة في خدمة الظلم والسلطة الفاسدة؛ فالعالِم لا يؤدي أمانته بمجرد نقل المعرفة، وإنما أيضاً بصيانة صدقيتها، والدفاع عن مقاصدها الأخلاقية والإنسانية.

لكن هذه المسؤولية لا تكتمل بمجرد التصدي للشبهات والانحرافات الفكرية، بل تقتضي أيضاً موقفاً أخلاقياً واضحاً من الظلم، وانحيازاً إلى كرامة الإنسان وحقوقه. وهو المعنى الذي تختزله وصية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام): «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً» (بحار الأنوار: ج42 – ص256). هنا تتكامل وظيفتان لا ينبغي الفصل بينهما؛ حماية وعي الإنسان من التضليل، وحماية حقوقه من الاعتداء. فلا يستقيم إصلاح فكري يتجاهل المظالم الاجتماعية، كما لا تكتمل الدعوة إلى العدالة من دون وعي يكشف أسباب الظلم وآليات استمراره. ومن هذه الزاوية، تتضح إحدى السمات المهمة في رؤية السيد محمد رضا الشيرازي (رضوان الله عليه)؛ وهي أن الإصلاح لا يتحقق بالأفكار الصحيحة وحدها، مهما بلغت قيمتها، ما لم تجد طريقها إلى السلوك والممارسة. فإن الإنسان لا يصنع أثراً في مجتمعه بمجرد ما يعلنه من مبادئ، وإنما بقدر ما تتحول تلك المبادئ إلى التزام عملي في علاقاته ومواقفه ومسؤولياته. ولهذا تحتل القدوة الأخلاقية موقعاً محورياً في مشروع الإصلاح؛ لأنها تمنح الفكرة مصداقيتها، وتحوّل القيم من معانٍ مجردة إلى تجربة إنسانية يمكن الاقتداء بها. ولعل هذا الجانب من شخصية السيد محمد رضا الشيرازي يتجلى في شهادة عمه، سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، الذي وصفه بقوله: «كان مصداقاً باهراً للحديث الشريف: المؤمن نفسه منه في تعب والناس منه في راحة، فقد عاشه تطبيقاً وعملاً في وقت ندر فيه من يعمل به».

وتكتسب هذه الشهادة دلالتها من المعيار الذي تقوم عليه؛ فهي لا تجعل قيمة الإنسان في كثرة ما يقوله عن الفضيلة، بل في مقدار ما يتحمله من مسؤولية تجاه الآخرين، وما يقدمه لهم من نفع، وما يبذله من جهد في تهذيب نفسه وتخفيف معاناة الناس. وقد عاد عمّه، سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) إلى تأكيد هذا المعنى في كلمته بأربعينية السيد محمد رضا الشيرازي، داعياً الحاضرين إلى اتخاذه قدوة في العدالة والأخلاق الرفيعة، لا الاكتفاء باستحضار خصاله أو الإشادة بها. وهنا تبرز قيمة الاقتداء بوصفه انتقالاً من الإعجاب بالسلوك الأخلاقي إلى محاولة ممارسته، ومن الاحتفاء بالفضيلة إلى تحمل مسؤولية الالتزام بها؛ حيث قال سماحته (دام ظله): «حاولوا أن تتخذوا منه أسوة وقدوة. إن قدوتكم الأولى هم المعصومون الأربعة عشر (عليهم السلام)، ولكن من يمثل الأئمة المعصومين؟ لقد كان الفقيد السعيد ممن يمثلهم، فاتخذوا منه أسوة، وكان في درجات العدالة بلا شك، فحاولوا أن تكونوا عادلين، وكان على درجة عالية من الخلق الرفيع مع الصديق والعدو، فحاولوا أن تطبقوا على أنفسكم هذه الانطباعات التي لكم عنه».

وفي هذا الإطار، تكتسب وصايا السيد محمد رضا الشيرازي أبعادها العملية، ولا سيما حين يربط طلب رضوان الله بالعدل والتواضع والزهد ونفع الناس وأداء الأمانة والإيثار، فيقول: (قدس سره) «مَنْ يريد رضوان الله لا يظلم أحداً، ولا يتكبر على أحد، بل يكون ولياً من أولياء الله الذين هم أكثر الناس عدلاً وزهداً ونفعاً، ويكون مع الناس وأكثرهم ورعاً، وأدّاهم للأمانة وأفضلهم إيثاراً». ثم يوسّع (قدس سره) دائرة المسؤولية الأخلاقية، داعياً إلى التوجه إلى الله، وفعل المستحبات، وإغاثة الملهوفين، ومد يد العون إلى الأيتام والأرامل والمرضى، وممارسة العفو والتسامح.

إن ما يستحق التأمل في هذه الوصايا النبيلة هو هذا الربط الوثيق بين تهذيب النفس وخدمة الإنسان؛ فالإصلاح الذاتي لا ينتهي عند حدود الاستقامة الشخصية، بل يُفترَض أن تنعكس آثاره على الآخرين عدلاً ورحمةً وإحساناً. وهكذا، فإن العلاقة بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع ليست علاقة تعاقب زمني فحسب، بحيث يكتمل بناء الإنسان أولاً ثم يبدأ الاهتمام بالآخرين، وإنما هي علاقة تفاعلية؛ إذ تتعمق القيم الأخلاقية بالممارسة الاجتماعية، مثلما يسهم السلوك الفردي المسؤول في تحسين البيئة التي يعيش فيها الإنسان، غير أن الوعي الأخلاقي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لصناعة التغيير ما لم تقترن به الإرادة، ويتحرر الإنسان من الاستسلام لليأس. فإن اليأس ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل قد يتحول إلى عائق اجتماعي يعطّل المبادرة، ويمنح الأزمات قدرة إضافية على الاستمرار. وحين يفقد الإنسان إيمانه بإمكان التغيير، فإنه قد يتخلى عن مسؤوليته قبل أن يبدأ العمل، ويصبح اقتناعه بالعجز أحد أسباب إدامة الواقع الذي يشكو منه.

ومن هنا تبرز إحدى أكثر الأفكار حيوية في خطاب السيد محمد رضا الشيرازي، حين يربط الإيمان بالرجاء، والرجاء بالمبادرة والعمل، يقول: (رحمه الله) «الإنسان -غالباً- في خضم المشاكل يفقد الأمل ويتحول إلى كائن يائس، بينما الإنسان المؤمن يمتلئ قلبه بالرجاء حتى في أعتى الأزمات».

ثم ينتقل من تشخيص حالة اليأس إلى مساءلة الإنسان عن موقفه من المجتمع وإمكان تغييره، فيقول (رحمه الله): «هناك أشخاص يتقوقعون على أنفسهم ولا يفكرون في تغيير المجتمع، ولعل هؤلاء الأكثرية، بينما أقلية تفكر في صناعة التغيير. هل التغيير ممكن؟ نعم، بإذن الله، وأدل دليل على إمكانه وقوعه في الواقع، فالمؤمنون الأفذاذ تحركوا في أشد الفترات حرجاً ونجحوا مرات ومرات».

تكشف هذه الفكرة عن تصور للتاريخ يقوم على رفض الاستسلام لحتمية الظروف؛ فصعوبة الواقع لا تعني استحالة تغييره، كما أن اختلال موازين القوة لا يلغي قدرة الإنسان على المبادرة والتأثير. وليس المقصود بذلك إنكار العقبات الموضوعية التي تواجه المجتمعات، أو اختزال عمليات التغيير المعقدة في إرادة الأفراد وحدها، وإنما التأكيد أن الظروف، مهما اشتدت، لا تعفي الإنسان من مسؤوليته، ولا تجعل السعي إلى الإصلاح عملاً عبثياً.

ومن هنا تكتسب عبارة «المؤمنون الأفذاذ» معناها الأعمق؛ فهي لا تشير بالضرورة إلى أصحاب السلطة والنفوذ، وإنما إلى أولئك الذين يمتلكون من الوعي والإرادة والثبات الأخلاقي ما يدفعهم إلى الفعل حين يستسلم غيرهم، وإلى فتح مسارات جديدة حين يبدو الواقع مغلقاً أمام إمكانات التغيير .. إنهم لا يصنعون التاريخ بمعزل عن مجتمعاتهم، ولا بقدرات خارقة تتجاوز سنن الحياة، بل بما يطلقونه من مبادرات، وما يوقظونه من وعي، وما يبنونه من ثقة، وما يتركونه من أثر يتجاوز حدود وجودهم الفردي.

غير أن الرجاء الذي يدعو إليه السيد محمد رضا الشيرازي ليس تفاؤلاً مجرداً من شروطه العملية؛ إذ لا يكفي أن يؤمن الإنسان بإمكان التغيير ما لم يمتلك القدرة على التمييز بين الخيارات، وإدراك عواقبها، واختيار الوسائل التي تنسجم مع الغايات التي يسعى إليها. وهنا تتضح أهمية الوعي القرآني في منهجيته الإصلاحية؛ فالقرآن الكريم، في هذه الرؤية، ليس نصاً يُتلى طلباً للثواب فحسب، بل مصدر هداية وبصيرة، ومرجعية أخلاقية وفكرية تساعد الإنسان على فهم مسؤوليته وتوجيه اختياراته.

وفي هذا المعنى، يقول السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره): «القراءة الميتة للقرآن لا تعني أكثر من كلمات يرددها اللسان، أما التلاوة الواعية فتتجاوز اللسان إلى القلب فتهزه وتؤثر في اتجاهه». فإن التمييز بين التلاوة التي تقف عند حدود اللسان والتلاوة التي تؤثر في الوعي والسلوك، يعيد الاعتبار إلى العلاقة الحية بين النص الديني وحياة الإنسان. فقيمة القراءة لا تنفصل عن قدرتها على إثارة التفكير، وإيقاظ الضمير، ودفع الإنسان إلى مراجعة مواقفه وأعماله. ولهذا يؤكد السيد (رحمه الله) أن الفرد والأمة يواجهان خيارات صعبة، وأن اختيار الطريق السليم يقتضي الرجوع إلى القرآن والتدبر في آياته، بوصفه كتاباً «يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ»، وفرقاناً يميز بين الحق والباطل.

وبذلك يلتقي الوعي القرآني مع المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية في مسار واحد، تتكامل فيه المعرفة والإرادة والعمل؛ فلا يكون الإيمان بديلاً عن التفكير، ولا يتحول الرجاء إلى انتظار سلبي، ولا تبقى القيم حبيسة الخطاب بعيداً عن واقع الناس. وهذا المعنى يجد أساسه في المبدأ القرآني الذي يجعل التغيير مرتبطاً بما يحدثه الإنسان في نفسه ومجتمعه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فإن التغيير، وفق هذا التصور، ليس حدثاً منفصلاً عن شروطه الإنسانية، وإنما عملية تبدأ بمراجعة الأفكار والمواقف والسلوكيات، ثم تتجسد في مبادرات ومؤسسات وعلاقات اجتماعية أكثر عدلاً ووعياً ومسؤولية.

ولعل ما يمنح هذه الرؤية أهميتها أنها لا تفصل بين إصلاح الإنسان وإصلاح المجتمع، ولا بين الإيمان ومتطلبات النهوض الحضاري. فإن العدالة والرحمة والصدق والأمانة واحترام الحقوق والحريات، والابتعاد عن العنف، وإعلاء قيمة العفو والحلم، ليست مجرد فضائل فردية، وإنما مقومات ضرورية لبناء مجتمع يستطيع أفراده العيش والتعاون والاختلاف دون أن تتحول علاقاتهم إلى صراع دائم أو اعتداء متبادل. ومن ثم، فإن صناعة التاريخ لا تبدأ بالضرورة من الأحداث الكبرى، بل قد تبدأ من تحولات عميقة في وعي الإنسان ومسؤوليته؛ من رفض الظلم، وإغاثة المحتاج، وصيانة الكرامة، واحترام الاختلاف، ومقاومة اليأس، والإيمان بأن الإصلاح ممكن مهما تعقدت الظروف.

وفي الذكرى التاسعة عشرة لرحيل الفقيه والمفكر والأستاذ السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي، لا تكمن قيمة استعادة هذه الأفكار في الاحتفاء بصاحبها وحده، بل في مساءلة واقعنا على ضوئها: إلى أي مدى نجحنا في تحويل إيماننا إلى وعي، ووعينا إلى مسؤولية، ومسؤوليتنا إلى عمل ينهض بالإنسان والمجتمع؟ ذلك أن المؤمنين الأفذاذ، في جوهر هذه الرؤية، ليسوا الذين يكتفون بالحديث عن ماضٍ عظيم، أو انتظار مستقبل أفضل، وإنما الذين يمتلكون شجاعة مواجهة الحاضر، ويجمعون بين صفاء المقصد وحسن العمل، فلا يستسلمون للتخلف بوصفه قدراً، ولا لليأس بوصفه مصيراً .. هؤلاء، بما يصنعونه من وعي، وما يؤسسونه من قيم، وما يفتحونه من آفاق للتغيير، يسهمون في صناعة التاريخ، بدلاً من الاكتفاء بالعيش على هامشه.