
|
في ذكرى رحيله .. الورع طريق الحياة والنجاة |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 26/ جمادى الأولى/1448
ذكرى رحيله التاسعة عشرة (1379 - 1429هـ) (1959م-2008م)
ليس أصعب على الإنسان من أن يحافظ على استقلال ضميره الأخلاقي وهو يعيش في عالم تتزاحم فيه المغريات، وتتشابك فيه المصالح، وتتداخل فيه الحدود بين ما ينبغي فعله وما ينبغي اجتنابه، حيث إن التحدي الأخلاقي لا ينشأ دائماً من الجهل بالصواب والخطأ، بل من صعوبة الالتزام بما نعرف أنه صواب، ولا سيما حين تصبح بعض الممارسات الخاطئة جزءاً مألوفاً من العلاقات الاجتماعية، أو حين يبدو التخلي عنها مكلفاً في حسابات المصلحة والانتماء والقبول الاجتماعي. ومن هنا تكتسب قيمة الورع معناها العميق؛ فهو ليس فضيلة معزولة عن حركة الحياة، ولا مجرد امتناع عن فعل محظور، وإنما تعبير عن يقظة الضمير، وقدرة الإنسان على مراقبة سلوكه، ومقاومة ما قد تدفعه إليه العادة أو المصلحة أو مسايرة الآخرين، وبذلك يتحول الورع من مفهوم وعظي إلى منهج عملي في بناء الشخصية، وتهذيب علاقتها بنفسها وبالمجتمع. واليوم، حيث تحل الذكرى التاسعة عشرة لرحيل الفقيه والمفكر، آية الله، السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي، يجدر بنا أن نستعيد رؤيته للورع ونتأمل أبعادها؛ لما تكشف عنه من فهم عميق للتحديات الأخلاقية التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية، وما تقدمه من تصور متدرج للارتقاء الإيماني والروحي. ففي حديث يتسم بواقعيته وعمق تشخيصه، يقول (رضوان الله عليه): »تنبع صعوبة الورع من أنّ كثيراً من المحرمات متشابكة مع حياة الإنسان، كالغيبة مثلاً، فإن احتمال سماعها يواجه المرء أينما ذهب. فعدم الاغتياب وعدم الاستماع إلى الغيبة طيلة عمر بأكمله ليس بالأمر الهيّن، بل يتطلّب عزيمة قوية، وهكذا الحال مع كثير من المحرّمات. وعلى كلّ، فترك المحرمات – ومثله الإتيان بالواجبات – أمر عظيم، وهو يمثّل المرتبة الأولى من المراتب المعنوية.. ولو أن أحداً استطاع أن يتجنب المحرمات ويأتي بالواجبات، وأن يتجنب مع ذلك ما أمكنه من المكروهات ويأتي بما وسعه من المستحبات، فقد بلغ مرتبة رفيعة وفاز فوزاً عظيماً«. تكمن أهمية هذا القول في أنه ينقل الحديث عن الورع من مستوى التوجيه الأخلاقي المجرد إلى مستوى التجربة الإنسانية اليومية. فإن صعوبة الورع، كما يشخّصها (قدس سره)، لا ترجع إلى كثرة المحرمات فحسب، وإنما إلى تشابك بعضها مع تفاصيل الحياة نفسها، بحيث لا يكون اجتنابها مجرد قرار يتخذه الإنسان في لحظة معينة، بل التزاماً متجدداً يرافقه في علاقاته ومواقفه واختياراته. ولعل اختياره الغيبة مثالاً يكشف عن دقة هذا التشخيص، فإن الغيبة ليست ممارسة محصورة في ظروف استثنائية، بل قد تتسلل إلى الأحاديث العائلية، والمجالس الاجتماعية، والنقاشات السياسية، وأحاديث العمل، بل إلى المزاح وتبادل الأخبار. وقد أضافت وسائل التواصل الاجتماعي إلى هذه الظاهرة فضاءات أوسع، أتاحت تداول الكلام عن الآخرين بسرعة غير مسبوقة، وأضعفت أحياناً الإحساس بالمسؤولية عن أثر الكلمة في سمعة الإنسان وكرامته. غير أن اللافت في معالجة السيد الرضا الشيرازي أنه لا يكتفي بالتنبيه إلى خطورة اغتياب الآخرين، وإنما يوسّع دائرة المسؤولية الأخلاقية لتشمل الاستماع إلى الغيبة أيضاً. وهنا تتجلى إحدى أكثر صور الورع صعوبة؛ إذ قد يستطيع الإنسان ضبط لسانه، لكنه يجد نفسه أمام اختبار أشد تعقيداً حين يكون جزءاً من مجلس أو بيئة اجتماعية اعتادت الخوض في شؤون الآخرين. وهذا التمييز بين الامتناع عن الفعل والامتناع عن المشاركة فيه يكشف أن الورع لا يتعلق بالسلوك الفردي المباشر وحده، بل يمتد إلى طبيعة حضور الإنسان في محيطه الاجتماعي. فالسكوت قد يكون أحياناً موقفاً حكيماً، لكنه قد يتحول في ظروف أخرى إلى صورة من صور التساهل مع الخطأ؛ مثلما قد تكون مغادرة مجلس، أو تغيير مسار حديث، أو الاعتراض بلطف، تعبيراً عن مسؤولية أخلاقية واعية. وعليه، فإن الورع لا يقتضي الانسحاب من المجتمع، وإنما يتطلب القدرة على العيش فيه من دون الاستسلام لكل ما تفرضه عاداته وضغوطه. إنه استقلال أخلاقي لا يقوم على القطيعة مع الناس، بل على التمييز بين احترامهم ومجاراتهم في ما لا يصح. ومن تهذيب السلوك إلى مراتب الارتقاء الروحي، ينتقل (قدس سره) في قوله نفسه إلى تحديد أساس البناء الإيماني، واضعاً أداء الواجبات واجتناب المحرمات في المرتبة الأولى من المراتب المعنوية. وتبرز أهمية هذا التحديد في أنه يعيد ترتيب الأولويات في فهم التدين، فإن القيمة الأساسية للالتزام الديني لا تقاس بكثرة المظاهر التعبدية وحدها، ولا بالتوسع في أعمال التطوع مع إهمال الحقوق والواجبات، وإنما تبدأ من سلامة العلاقة بين الاعتقاد والسلوك، ومن وفاء الإنسان بما أُلزم به، وابتعاده عما نُهِيَ عنه. وإذا كانت بعض الواجبات ترتبط بأوقات وأعمال محددة، فإن اجتناب كثير من المحرمات يضع الإنسان أمام امتحان مستمر، لا يتوقف بانتهاء عبادة أو مغادرة مكان. فإن الكذب والغش والغيبة والتجاوز على حقوق الآخرين أو مد اليد على المال العام أو إهمال حقوق الناس/الشعب أو التقاعس في أداء المسؤولية قد تفرض على المرء اختبارات متجددة، تتطلب منه يقظة دائمة وقدرة على مقاومة دوافع النفس وضغوط المحيط. ومن هذه الزاوية، يصبح الجمع بين أداء الواجبات واجتناب المحرمات إنجازاً إيمانياً وأخلاقياً كبيراً، لا مرتبة متواضعة كما قد يتصور البعض، غير أن عظمة هذه المرتبة لا تعني نهاية الطريق؛ إذ يفتح السيد الرضا الشيرازي أفقاً أرحب أمام الإنسان، يتمثل في اجتناب ما أمكنه من المكروهات، والإتيان بما وسعه من المستحبات. وهكذا تتشكل رؤية متوازنة للارتقاء الروحي، تجمع بين الاعتراف بصعوبة الالتزام الأساسي، والدعوة إلى مواصلة تهذيب النفس، وهي رؤية لا تدفع الإنسان إلى الاستهانة بما حققه، ولا تسمح له في الوقت نفسه بأن يحوّل ما بلغه إلى نهاية لطموحه الأخلاقي. ولأن هذا الارتقاء لا يتحقق بمجرد المعرفة أو الرغبة، فإنه يحتاج إلى مجاهدة متواصلة للنفس. وفي هذا السياق يقول (قدس سره): »تهذيب النفس وإصلاحها والإرتقاء بها عملية شاقة جداً، وقد أطلق عليها في لسان الأخبار بـ(الجهاد الأكبر).« بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الورع بوصفه أحد أبرز التجليات العملية لمجاهدة النفس؛ لأنه يضع الإنسان أمام مواجهة دائمة مع دوافعه ورغباته، ويطالبه بأن يكون قادراً على ضبطها وتوجيهها، لا أن يكون أسيراً لها. ولا تنحصر هذه المجاهَدَة في مقاومة الشهوات أو اجتناب المحرمات الظاهرة، بل تتجلى أيضاً في القدرة على كظم الغيظ، والتحرر من نزعة الانتقام، ومقاومة الغرور والحسد، وممارسة الحلم والتسامح والعفو حين تكون لها مواضعها الأخلاقية الصحيحة. وقد يكون الانتصار على النفس في موقف عابر، حين يملك الإنسان القدرة على الإساءة فيختار الإنصاف، أو تدفعه الخصومة إلى التجريح فيلتزم حدود العدل. غير أن مجاهدة النفس لا تعني الاستسلام للظلم، ولا التنازل عن الحقوق، ولا تحويل الصمت إلى فضيلة في كل الأحوال. فإن الورع، في جوهره، مسؤولية أخلاقية تقتضي معرفة موضع الكلام وموضع السكوت، والتمييز بين الحلم الذي يصون الكرامة، والتساهل الذي يفضي إلى إهدارها. ومن هنا تتضح العلاقة بين الورع والحرية الداخلية، فإن الإنسان الذي يستطيع مقاومة رغباته حين تتعارض مع ضميره، والتحرر من سطوة العادة وضغوط المحيط، يكتسب قدراً من الاستقلال لا تمنحه المكانة الاجتماعية أو الثروة أو السلطة. ذلك أن الحرية لا تكتمل بمجرد القدرة على فعل ما نريد، بل تحتاج أيضاً إلى القدرة على الامتناع عما لا ينبغي لنا فعله. وفي الرؤية الإيمانية التي ينطلق منها السيد الرضا الشيرازي (رضوان الله عليه)، لا تنفصل هذه المجاهدة عن استحضار المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، والإيمان بأن للأفعال والكلمات والنيات عواقب تتجاوز آثارها المباشرة في الحياة الدنيا. فإن الوعي بالآخرة يمنح السلوك الأخلاقي بُعْداً أعمق، ويجعل مراقبة النفس التزاماً يتجاوز رقابة المجتمع وأحكام الناس. وبهذا المعنى، لا يكون الورع مجرد خوف من العقاب، بل يتسع ليصبح سعياً إلى رضوان الله جلّ في علاه، وطلباً لصفاء النفس وطمأنينة الضمير. وكلما ترسخ هذا الوعي، ازدادت قدرة الإنسان على مقاومة الإغراءات العابرة، وتقديم ما يؤمن بأنه حق وخير على ما تمليه المنفعة العاجلة. وهنا يكتسب حديث السيد الرضا الشيرازي (رحمه الله تعالى) عن الأثر الروحي لمجاهدة النفس دلالته، حين يشير إلى ما قد يبلغه الإنسان من شعور بالقرب الإلهي، فيقول: »فسيأتيه شعور عظيم بأنه أصبح ولياً من أولياء الله«. فإن المعنى الذي يستحق التأمل في هذه الإشارة هو أن تهذيب النفس لا يقتصر أثره على الامتناع عن الخطأ، وإنما يمتد إلى بناء عالم الإنسان الداخلي، وتعميق شعوره بالمسؤولية والسكينة والقرب من الله سبحانه. ومع ذلك، فإن قيمة هذا الشعور لا تنفصل عن التواضع ومحاسبة النفس، ولا ينبغي أن تتحول إلى دعوى بالتفوق الروحي على الآخرين. إن استعادة هذه الرؤية في ذكرى رحيل الفقيه الكبير السيد محمد رضا الشيرازي (أعلى الله درجاته) ليست استحضار لقول من أقواله فحسب، وإنما مناسبة لإعادة التفكير في موقع الأخلاق من حياتنا اليومية. فإنه في عالم تتسارع فيه الكلمات والأحكام، وتزداد فيه إغراءات الشهرة والمصلحة والخصومة، تبدو الحاجة إلى الورع أشد إلحاحاً؛ لا بوصفه دعوة إلى اعتزال الحياة، وإنما باعتباره قدرة على الانخراط فيها بضمير يقظ، ومسؤولية واعية، واحترام لحقوق الآخرين وكرامتهم. ولعل أعمق ما يمكن استخلاصه من هذه الرؤية أن الورع لا يبدأ من ادعاء الكمال، بل من إدراك الإنسان مواطن ضعفه واستعداده الدائم لمراجعة نفسه. فإن الفضيلة لا تُختَبَر في سهولة الحديث عنها، وإنما في صعوبة الالتزام بها حين تتعارض مع المصلحة والرغبة والعادة. وفي الذكرى التاسعة عشرة لرحيله، يبقى من الوفاء للفقيه الراحل أن تُقرأ أفكاره باعتبارها دعوة إلى العمل والمراجعة والارتقاء، لا مجرد كلمات تستعاد في مناسبات الذكرى. فإن الورع، في جوهر هذه الدعوة، ليس هروباً من العالم، بل سعي إلى ألا يفقد الإنسان نفسه وهو يعيش فيه؛ وأن يجعل من يقظة ضميره ومجاهدة نفسه طريقاً إلى حياة أكثر استقامة وحرية وطمأنينة، وإلى النجاة والفوز برضوان الله تبارك وتعالى. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|