
|
في ذكرى رحيله | المجتمع مرآة لأفراده .. التغيير يبدأ من الفكر |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 25/ جمادى الأولى/ 1448
الإصلاح والتغيير .. من الذات إلى المجتمع
إزاء التحديات الإيمانية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وتغلب النزعة المادية على حساب المعنى وقيم الحياة الإنسانية، وتغلغل الفساد السياسي والحكومي والإداري والمالي في أوصال المجتمع "المتدين"، يبرز صوت آية الله، الفقيه السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدس سره) كنبراس هادٍ يذكّرنا بأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من أعماق النفس البشرية. فيأتي تراثه (رحمه الله) بمثابة خريطة طريق تعيد للضمير الإنساني بوصلته الحقيقية. فهو لا ينظر إلى الإصلاح مجرد عملية تغيير في البنى الخارجية للمجتمع، بل يرى أن المعركة الحقيقية تدور في ساحة النفس الإنسانية أولاً. وهكذا، فإن أقواله تشكّل منظومة متكاملة ترى في تهذيب النفس «الجهاد الأكبر»، وفي التدبر القرآني مفتاح حركة التغيير، وفي التوجه نحو الآخرة الدافع الأعظم لتحسين الدنيا. الفقيه والأستاذ الراحل يضع النفس في مركز الصراع الإنساني، فيذكّر بأن «أعدى أعداءك نفسك التي بين جنبيك»، ويؤكد أنها «العدو الأخطر» لأن كل شيء مرهون بها؛ فإذا صلحت صلحت الحياة كلها، وإذا فسدت فسدت القوى الظاهرية والباطنية جميعها وتحولت إلى أدوات ضلال وانحراف. هنا يستحضر (رضوان الله عليه) حديث «الجهاد الأكبر» ويربطه بالسيطرة على الذات في المواقف الصعبة، فيصف الشعور الناتج عن ذلك بأنه شعور عظيم بأن الإنسان أصبح «ولياً من أولياء الله». ويقول موضحاً (رحمه الله) إن «أشجع الناس من غلب هواه، وإن أعدى أعداءك، نفسك التي بين جنبيك كما في الحديث، وإنها العدو الأخطر! وتفسير ذلك، يكمن بأن كل شيء مرهون بهذا العدو (النفس)، فإذا تمكَنْتَ أنْ تُخضِع هذا العدو، وأن تَصْلح هذا ضِع العدو، ستعيش بأمان، وإذا لم تتمكن أن تُخضِع هذا العدو، فحياتك ستكون في عناء وفي الآخرة في شقاء». على هذا النحو، فإن النفس ليست عدواً خارجياً يمكن القضاء عليه مرة واحدة، بل هي رفيق درب دائم يومي يحتاج إلى مراقبة ومكاشفة ومحاسبة ومصالحة مستمرة. وأشجع الناس - في نظره - من غلب هواه .. رؤية تجعل الشجاعة الحقيقية داخلية وليست خارجية، وتجعل النصر الأعظم على النفس لا على الأعداء. ولا يقف الفقيه الراحل عند تشخيص المرض، بل يصف الدواء؛ وهو التدبر في القرآن الكريم. يقول (رحمه الله): «إن التدبر في القرآن الكريم هو الطريق للعمل بما جاء فيه، لأن العمل بالقرآن يتوقف على فهمه، وفهم القرآن لا يمكن إلا بالتدبر في آياته». ثم يضرب مثلاً رائعاً: «هل اتفق لك أن بلغت ينبوع ماء صغير في صحراء واسعة… تجد تحته بحراً عظيماً من الماء؟ هكذا هي كلمات الله في القرآن الكريم». وهنا يلفت (قدس سره) الى أمر مهم؛ وهو أن القراءة السطحية للقرآن الكريم لا تغير شيئاً، أما التلاوة الواعية فتهز القلب وتغير الاتجاه. عليه، مَنْ لم يتدبر في آيا القرآن الكريم، فاتته الكثير من مبادئ الدين في حياته العملية؛ وهو لا يشعر، وخسر المهم والعديد من أدوات التغيير والسمو، وهو لا يعلم. هنا (رضوان الله عليه) يربط بين المعرفة والعمل ربطاً عضوياً .. إذا لم يصل القرآن إلى القلب فلن يصل إلى اليد واللسان. وفي إطار التامل في أقواله، فإن من أجملها موقفه من اليأس، فيقول (قدس سره): «الإنسان غالباً… يفقد الأمل ويتحول إلى كائن يائس… في حين الإنسان المؤمن يمتلأ قلبه بالرجاء والأمل حتى في أعتى الأزمات». ثم يضيف جملة حاسمة: «من الممكن أن يتساءل أحد: هل التغيير والإصلاح أمر ممكن؟ والجواب: نعم بإذن الله، وأدل دليل على إمكان الشيء هو وقوعه في الخارج». هذا الكلام يكشف عن يقين مبني على إيمان راسخ بقدرة الله سبحانه ورحمته، واستقراء موضوعي للتاريخ. ويشير الى أن الأقلية التي تفكر في صناعة التغيير هي التي غيّرت وجه التاريخ مرات ومرات، حتى في أحلك الفترات ظلمة. واللافت أنه (رحمه الله) يربط التغيير الاجتماعي بالتغيير الذاتي؛ فإن مَنْ لم يغلب هواه لن يستطيع تغيير مجتمعه. وفي إطار التغيير/الارتقاء الفكري، أكثر من ألفي آية في القرآن الكريم - كما ينقل - تتحدث عن الآخرة، لأنها البوصلة الحقيقية. يقول (قدس سره): «أعظم من كل النعم في الآخرة شعور المؤمن برضا الله تعالى عنه .. ورضوان من الله أكبر". ويضيف: «مهما ذهب بك الخيال… فالأمر لا يتوقف عند حد في البقاء في الآخرة، أما الدنيا فمحدودة ولابد من يوم نرحل». وهذا التذكير الدائم بالآخرة لا يعني الانعزال عن الدنيا أو الزهد فيها، بل هو تحرير للإنسان من عبوديتها، فحين يرى المرء أخبار الوفيات ويستشعر بصدق أنه سيأتي يوم تُنشَر فيه صورته كواحد من الراحلين، يدرك حقيقة هذه الحياة .. هذا الإدراك الإيماني يمنحه الحرية الحقيقية؛ ويرتقي بنفسه وضميره وخلقه، فلا يعود عبداً لهواه، ولا أسيراً لمغريات الدنيا، ويصبح تفكيره وقراره وإنفاقه، وحتى غضبه وتسامحه، نابعة من حكمة واتزان. في السياق، يرى السيد محمد رضا الشيرازي (رضوان الله عليه) أن بلوغ مرتبة «الورع» أمر شاق؛ والسبب في ذلك -كما يوضح- أن «كثيراً من المحرمات متشابكة مع حياة الإنسان» اليومية، كالغيبة التي باتت جزءاً من المجالس المعتادة. ومع هذه المشقة، يؤكد أن مجاهدة النفس لترك المحرمات وأداء الواجبات - ثم الارتقاء لتجنب المكروهات والإكثار من المستحبات قدر الإمكان - تمثل «المرتبة الأولى من المراتب المعنوية»، ومن يثبت عليها فقد «فاز فوزاً عظيماً»، لأنها الأساس الذي يبنى عليه صلاح الإنسان. ولا يقتصر هذا البناء الداخلي على العبادات فحسب، بل يمتد ليشمل سلامة النفس/الذات/الضمير في التعامل مع الناس؛ إذ يوصي قائلاً: «علينا بالقناعة في علاقاتنا مع الآخرين وألا نتوقع الكثير منهم». ورغم إيجاز هذه العبارة، فإنها تحمل قاعدة نفسية عميقة؛ فهي تحرّر القلب من التعلّق بالبشر، وتحميه من صدمات الخذلان والإحباط، ليبقى خالصاً ومعلّقاً بالله وحده. ولأن ضبط السلوك وتزكية القلب لا يستقيمان دون تصحيح الرؤية، يشدد (رحمه الله) على مركزية الفكر بقوله: «إن نمط التفكير ليس شأناً مجرداً، بل إنه يؤثر على كل القرارات من المسكن وحتى المدفن»؛ أي أن طريقة نظرتنا للحياة هي البوصلة الخفية التي توجّه خياراتنا المصيرية واليومية، بدءاً من تفاصيل معيشتنا في الدنيا، وصولاً إلى ما نعدّه لآخرتنا. ومن هنا يتجلى جوهر رسالته (رحمه الله) في سلسلة مترابطة من البناء الذاتي؛ فالتغيير الحقيقي يبدأ من إصلاح نمط التفكير، وهذا الفكر لا ينضج إلا بالتدبر العميق، والتدبر بدوره يحتاج إلى نفس مهذبة بالورع ومحصنة بالتفكير السليم والخلق الكريم. وحين تتهذب النفس، فإنها تحيا بوعي للآخرة؛ مما يولّد في الإنسان طاقة من الأمل والقدرة على التغيير. على هذا، فإنه بملازمة هذا المنهج التغييري والإصلاحي والنهضوي المتكامل، يعيش الفرد قوياً، ومطمئناً، ومؤثراً، وسعيداً في دنياه، ويفوز برضا الله في آخرته. وهكذا، يتضح أن المشروع الإصلاحي للفقيه الكبير، آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه)، لم يكن مجرد تنظير، بل كان دعوة عملية إلى «هندسة الوعي الداخلي» بوصفها المدخل الوحيد لأي تحوّل اجتماعي حقيقي؛ فالمجتمع - في رؤيته - ما هو إلا مرآة تعكس حقيقة أفراده، فإذا صلح ما بداخلهم من فكر ونفس وسلوك، انعكس ذلك صلاحاً ونهضة ورفاهاً في واقعهم. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|