
|
الإمام أمير المؤمنين | لا قداسة لحاكم .. إرادة الشعب هي الميزان |
|
|
|
|
|
|
|
|
إرادة الأمة .. تحطيم وثن الاستبداد
موقع الإمام الشيرازي 22/ جمادى الأولى/ 1448
في تاريخ الفلسفة السياسية، غالباً ما تقترن صورة الحاكم بالهيمنة، وإحاطة المنصب بهالة من القداسة التي تمنع المساءلة وتُخرِس ألسنة النقد. غير أن القراءة العميقة لسيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) تكشف عن انقلاب جذري في مفاهيم السلطة ورابطة الحاكم بالمحكوم؛ إذ لم يكتفِ الإمام أمير المؤمنين بفتح الباب للمعارضة السلمية فحسب، بل حثّ الرعية على ممارسة النقد العلني، ورفض مظاهر التزلّف والمصانعة التي تبنى عليها أنظمة الاستبداد، معتبراً حرية التعبير - حتى تلك التي تختلف مع رؤيته الشخصية - حقاً أصيلاً لا ينفصم عن كرامة الإنسان. وهو سبقٌ تاريخي مذهل يتألق في فجر الإسلام، قبل أن تعرف البشرية دساتير حقوق الإنسان ومواثيق الأمم المتحدة بقرون طويلة. وتتجلى قمة التواضع الحقوقي وإسقاط النظرة الاستعلائية للحكم في خطاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الصريح لأصحابه وعسكره، حيث وضع محددات واضحة وشروطاً صارمة في كيفية تعاطيهم معه؛ مانعاً إياهم من ممارسة أساليب المداهنة والتهيب التي تفرضها الأنظمة الديكتاتورية على شعوبها. يقول الإمام (عليه السلام) في خطبة جامعة تجسّد هذا المعنى: »فلا تكلموني بما تُكَلَم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يُتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي» (نهج البلاغة: خطبة 216). في هذا المقطع القيمي الفريد، يفكك الإمام أمير المؤمنين كل أدوات صناعة الديكتاتور؛ فهو يرفض لغة التبجيل والمبالغة في الإطراء والمدح «بما تُكلم به الجبابرة»، ويدعو الناس إلى التخلص من الخوف والتحفظ في التعبير عن مخاوفهم أو آرائهم «بما يُتحفظ به عند أهل البادرة»، ويحذر من النفاق السياسي والمجاملات على حساب الحق «بالمصانعة». والسبب في ذلك نابع من رؤية عميقة تشير إلى أن الحاكم الذي يضيق ذرعاً بسماع الحقيقة، سيكون عاجزاً بالتأكيد عن تطبيقها؛ فالإمام يربط بوضوح بين قبول النقد والقدرة على تحقيق العدالة قائلاً: »فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يُعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه» (نهج البلاغة: ص335). ومن هنا أطلق نداءه الدستوري الشهير الذي يُعد أساس الرقابة الشعبية: »فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل» (نهج البلاغة: الخطبة 316). وعلى هذا النحو، فإن هذه المنظومة الفكرية العَلَويّة لم تكن مجرد تنظير بلاغي، بل تحولت إلى سلوك سياسي وعسكري وفي أحلك الظروف المصيرية التي مرّت بها الدولة، وفي معركة صفين - على سبيل المثال - وتداعيات حادثة التحكيم الشهيرة. ففي الوقت الذي فُرض فيه على جيش الإمام القبول بالتحكيم تحت وطأة الخديعة، عاد بعض أولئك المعارضين ليندموا وينهوا الإمام عن المضي فيه بعد أن أُلزم بالعهد. وهنا يسجل التاريخ موقفاً عَلَويّاً يعكس مناخاً من الحرية السياسية لدرجة يعجز الفكر المعاصر عن استيعابها؛ إذ يخاطب الإمام أصحابه معاتباً وموبخاً لكن دون إكراه أو ترهيب أمني، قائلاً: »كنتُ أمسِ ناهياً، فأصبحتُ اليومَ منهيّاً، وقد أحببتم البقاء، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون» (نهج البلاغة: خطبة 208). وفي هذا السياق، يوضح المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) في كتابه »توضيح نهج البلاغة» هذا المشهد الفارق؛ مبيناً كيف تحول أصحاب الإمام أمير المؤمنين من موقع المتلقين للتوجيهات السياسية والعسكرية في مستهل المعركة، إلى موقع الآمرين والناهين لإمامهم وحاكمهم بعد انقضاء القتال ولجوئهم إلى التحكيم رغبةً منهم في البقاء وتجنباً للحرب. في شرح قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «كنت أمس ناهياً، فأصبحت اليوم منهيّاً، وقد أحببتم البقاء، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون»، كتب (أعلى الله درجاته): «(وكنت أمس ناهيا) عن الحكومة حينما اقترحتم عليّ (فأصبحت اليوم منهيّا) إذ انّ أصحاب الإمام لما عرفوا المكيدة في التحكيم جعلوا ينهون الإمام عنه بعد ما أفلت الزّمام من يده عليه السلام، وأعطى القول بقبوله .(وقد أحببتم البقاء) في الدّنيا ولذا أجبرتمونا على التّحكيم، لتنهوا بذلك أمر القتال (وليس لي ان أحملكم على ما تكرهون) من الحرب، وهذا توبيخ لهم، بتركهم الحرب، وجبنهم والزامهم للإمام بالتّحكيم ، ثمّ ندمهم ونهيهم له عليه السّلام عن التّحكيم» (توضيح نهج البلاغة: ج3 - ص302) فرغم أن الإمام أمير المؤمنين كان يدرك تماماً حجم المكيدة وبطلان خيارهم، ورغم أنه يملك من الشرعية الدينية والسياسية والقوة العسكرية ما يُمكّنه من معاقبة المتمردين أو فرض الطاعة عليهم بقوة السلاح صوناً لأمن الدولة الأعلى، إلا أنه اختار احترام الإرادة العامة للأمة، ورفض ممارسة سياسة الإجبار والقسر، مسجلاً القاعدة الحقوقية الفاصلة: »وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون». بالتالي، فإن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، في خطابه الحقوقي السياسي التاريخي، دقَّ المسمار الأخير في نعش الاستبداد السياسي والقدسية السياسية وأيضاً القدسية تحت عناوين دينية؛ حيث يعلن صراحة وبشجاعة أدبية فائقة بشريته وعدم حصانة قراراته الدنيوية من الخطأ والتقويم، وهو الإمام، وهو أمير المؤمنين، وهو أول المسلمين، وهو الذي قال فيه نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) العظيم من الثناء والكثير من القول الكريم، ومما قال: «رحم الله علياً، اللهم أدر الحق معه حيث دار» (المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: ج3 - ص124 ـ 125). «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار» (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: ج3 – ص124). ورغم هذه المنزلة الإيمانية والعلمية الفريدة، فقد رسّخ الإمام أمير المؤمنين مبدأ احترام إرادة الأمة وجعلها الفيصل؛ كما لم تكن تلك المكانة السامية سبباً للتسلط أو الوصاية على الناس، بل تواضعت هامته أمام خيار الأمة؛ بذلك فإنه (عليه السلام) قطع الطريق الشرعي والعقلي والأخلاقي والسياسي لكل مَنْ يمنح نفسه علواً على الناس أو قدسية، فإنه (عليه السلام) يفاتح الباب على مصراعيه لشرعية مساءلة الحاكم ومراقبته، إذ يقول: »فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني» (نهج البلاغة: الخطبة 216). وهكذا؛ فإن هذا المنهج العَلَويّ يُثبت أن الإسلام، في أصفى تجلياته التطبيقية، قد أسس لعقد سياسي يقوم على الحرية ويستند على كسر التجبر والترهيب، ويحث على بناء مجتمع واع يمتلك الجرأة والسيادة الكاملة لقول الحق وتقديم المشورة بالعدل؛ في نموذج سياسي وديني متفرد يتجاوز مفهوم القوانين الوضعية الحديثة ليجعل من قول كلمة الحق ونقد السلطة واجباً رسالياً وقيمياً وأخلاقياً لا يسقط حتى في زمن الحروب والأزمات. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|