
|
حين يُختَطَف الدين .. من كرامة الإنسان إلى محارق الصراعات |
|
|
|
|
|
|
|
|
الأديان .. رسالات سلام لا أدوات حرب
موقع الإمام الشيرازي 17/ جمادى الأولى/ 1448
في قاعة كاتدرائية وستمنستر، جرى لقاء تاريخي احتضنته العاصمة البريطانية لندن (في 22 أكتوبر 2026) ليمثل ومضة أمل نادرة؛ حيث التقى ممثلو تسع ديانات عالمية (منها الإسلامية والمسيحية واليهودية) ليرسموا خارطة طريق أخلاقية تجمع البشرية على كلمة سواء، وقد وقَّع الحضور تعهداً مشتركاً للعمل من أجل السلام، ضمن لقاء حمل عنوان «الأديان بناة للسلام». يرفض التعهد رفضاً واضحاً استخدام اسم الله سبحانه وتعالى أو الدين لتبرير العنف والحروب والإرهاب والكراهية، معتبراً هذه الممارسات مناقضة للروح الأصيلة للأديان، ويلتزم الموقعون بمواجهة الظروف التي تغذي التطرف والنزاعات، وبالاعتراف بكرامة كل إنسان وحقوقه الأساسية وضميره ومعتقداته. كما دعا هذا اللقاء الديني العالمي إلى تربية الأجيال على الاحترام المتبادل والتفاهم والصداقة، وتعزيز الحوار والثقة بين الجماعات، ومساندة الفقراء والنازحين والمتضررين من الحروب والاضطهاد، والعمل من أجل المصالحة لأن السلام الدائم مرتبط بالعدالة، مع ربط بناء السلام بحماية البيئة وحسن استخدام الموارد وتوجيه التقدم العلمي لخدمة الحياة والصالح العام. الأفكار الكبرى لهذا اللقاء تأتي بمثابة نداء عالمي يؤكد رفض زجّ المقدس في أتون الصراعات والحروب، ويجرِّم استخدام الدين في تأجيج الحروب وسفك الدماء. وفي الوقت أن نداء هذا اللقاء الديني هو بيان قيمي وأخلاقي، هو أيضاً تذكير بأن الدين مرتبط في أصله بالسلام والعدالة والتسامح والرحمة والمحبة والتعاون من أجل خير جميع البشر، وأن تحويله إلى غطاء للصراعات أو تبني أفكار حادة ومتطرفة يفرغه من معناه ويجعله أداة تدمير. وعلى هذا النحو، فإن الاختلاف الديني ليس مبرراً للعداوة أو الكراهية، بل يمكن أن يصبح مصدر ثراء عندما يدار بالاحترام والحوار، وهذا بالضبط ما تحتاجه منطقة الشرق الأوسط التي تعاني واقعاً مأزوماً تتكرر فيه نزعة تسخير مقدرات الشعوب ومصير الأوطان للدخول في صراعات وحروب؛ حيث تُستَغَل الموارد الاقتصادية والبشرية، وتُبنى شبكات نفوذ عبر جماعات مسلحة تسيطر على أجزاء من بلدان أخرى، فتحوِّل طاقات الشباب إلى وقود لصراعات لا تخدم إلا أجندات خارجية أو فئوية. هذه الجماعات أو المليشيات المسلحة تختطف الدين والدولة معاً، فتُهمّش القانون وتحيّد مؤسسات المجتمع، وتبتز التجار ورجال الأعمال والمستثمرين، وتعطّل مشاريع الإعمار والتنمية، وتتورط في تهريب الأموال والمخدرات لتمويل نفوذها. والنتيجة دول ضعيفة ومجتمعات ممزقة وثروات منهوبة أو مبددة على العسكرة لاستخدامها في حروب عبثية بدلاً من خدمة الإنسان والإعمار والتنمية. لا شك في أن مثل هذا المشروع التخريبي لا ينجح إلا حين يُستَغَل/ يُختَطَف الدين أو الهوية لتبرير العنف، ويُهمَّش جوهر الإيمان الحقيقي لصالح تفسيرات ضيقة ومتطرفة، وغالباً ما تكون سياسية. وفي هذا السياق، تجري عمليات ممنهجة تهدف الى ترويض الشباب على عقلية «القطيع» التي تجعلهم ينقادون خلف شعارات عاطفية أو طائفية أو أيديولوجية دون تفكير نقدي مستقل. ويظهر ذلك جلياً في تجنيد آلاف الشباب في جماعات مسلحة أو فصائل أو مليشيات تحت رايات دينية أو طائفية أو قومية فضفاضة، حيث يساق الشاب بخطاب يصور القتال واجباً مقدساً أو دفاعاً عن الهوية، فيترك تعليمه أو عمله ويتوجه إلى ساحات القتال، فتتكبد المجتمعات خسائر بشرية هائلة وتُستَنزَف مواردها في صراعات لا تعود عليها إلا بالخسارة والدمار. وتتكرر الظاهرة في التعبئة الطائفية أو القبلية أثناء الأزمات، حين ينتشر خطاب يُحوِّل الاختلاف الديني أو المذهبي أو الفكري أو العشائري إلى تهديد وجودي، فينضم الناس إلى صفوف المواجهة بدافع الانتماء لا بدافع المصلحة العامة، فتُحرَق أسواق، وتُدمَّر مناطق وأحياء، ويُقتَل مدنيون، بينما يبرر الفاعلون أفعالهم بـ«الدفاع عن الطائفة أو الجماعة»، فتذوب المسؤولية الفردية في صوت «القطيع» ويصبح العنف عملاً جماعياً مقبولاً. وتتجلى ثقافة القطيع أيضاً في الحملات الرقمية والميدانية، حيث ينتشر خبر أو صورة أو شعار على وسائل التواصل فيتحول إلى موجة غضب جماعي، فيتوافد الشباب إلى الشوارع أو إلى ساحات الاشتباك دون تحقق من الحقائق أو تقييم للعواقب، مع تضييق فرص الحوار الهادئ من خلال تأجيج الانفعال وإشعال نزعة التعصب والكراهية. وفي بعض المجتمعات يظهر الولاء المطلق لأحزاب أو قيادات سياسية - دينية، فيُعامَل النقد على أنه خيانة ويُنظَر إلى أي صوت مخالف على أنه عدو، فينتج عن ذلك تعطيل الإصلاح واستمرار السياسات الفاشلة لأن الجماهير تفضل الالتصاق بالجماعة على مساءلة الأداء، فتُسخِّر الموارد العامة لخدمة المشروع الجماعي الضيق بدلاً من خدمة المواطن .. هذا التشويه القيمي، والعبث بالإنسان والأوطان عادة ما يجري في بلداننا - اليوم ومنذ سنوات - تحت عناوين وشعارات دينية، حيث يستغل أصحاب تلك الشعارات إيمان الناس وحبهم لدينهم لمآربهم الخبيثة الخاصة. وفي هذا الصدد، يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) إن «الأديان السماوية تقوم في جوهرها على رعاية مصلحة الإنسان وصون كرامته؛ ومن ثمّ فهي تمتلك القدرة على تفكيك الأفكار الضيقة القائمة على العصبيات القومية، أو الفئوية، أو العرقية، أو الجغرافية. وبفضل هذا الأفق الإنساني الرحب، أسس الدين لأممٍ عامرة، وشيد حضاراتٍ زاهرة تركت أثرها في تاريخ البشرية» (فقه السياسة: ج1 – ص154). ويضيف (قدس سره) أن «الإسلام يأمر بالفضائل، وينهى عن الرذائل؛ وهي قيم تتطابق فيها الأحكام العقلية مع المبادئ المشتركة للشرائع السماوية. فلا تجد فضيلة حث عليها الإسلام إلا وهي فضيلة في شريعَتَيْ موسى وعيسى (عليهما السلام)، ولا رذيلة حذر منها الإسلام إلا وقد نهت عنها الرسالات الإلهية كافة» (فقه السياسة: ج1 – ص185). وبهذه الكلمات، الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله) يضع الإصبع على الجرح الذي يعاني منه واقع بلدان في الشرق الأوسط اليوم. فعندما يؤكد أن الأديان السماوية تقوم في جوهرها على رعاية مصلحة الإنسان وصون كرامته، وأنها تمتلك القدرة على تفكيك الأفكار الضيقة القائمة على العصبيات القومية أو الفئوية أو العرقية أو الجغرافية، فإنه يذكرنا بأن الدين الحقيقي ليس أداة لتثبيت الهويات الضيقة أو لتأجيج الصراعات، بل هو قوة تحريرية تفتح أفقاً إنسانياً رحباً .. وبهذا الأفق بُنيَت أمم عامرة وشُيدَتْ حضارات زاهرة، لأن الدين حين يُفهَم فهماً أصيلاً يصبح عامل توحيد وبناء لا عامل تفريق وهدم. أما قوله (أعلى الله درجاته) إن الإسلام يأمر بالفضائل وينهى عن الرذائل، وإن هذه القيم تتطابق مع المبادئ المشتركة للشرائع السماوية، فيؤكد وحدة الجذور الأخلاقية بين الرسالات. فإن الفضيلة التي يدعو إليها الإسلام هي ذاتها فضيلة في شريعتي موسى وعيسى (عليهما السلام)، والرذيلة التي يحذر منها قد نهت عنها الرسالات كافة .. هذا التطابق يعني أن جوهر الدين واحد في دعوته إلى السلام والعدالة والتسامح والرحمة والمحبة والتعاون من أجل خير جميع البشر، وأن أي تفسير يحول الدين إلى غطاء للعنف أو أداة لتبرير الحروب هو انحراف عن هذا الجوهر المشترك. وفي الواقع المأزوم الذي نعيشه، نرى كيف تُهمَّش هذه القيم الجوهرية لصالح أفكار حادة ومتطرفة تكرس العصبيات والقطيعة والكراهية وتغذي عقلية القطيع. فبدلاً من أن يبني الدين الإنسان ويحمي كرامته ويحرره من القيود الضيقة، يُستَخدم أحياناً لتسويغ تجنيد الشباب في صراعات عبثية، أو لتعبئة الجماهير خلف شعارات تحوّل الاختلاف إلى عداء وجودي. والنتيجة - كما نراها اليوم - أن المقدرات تُسخَّر لتأجيج الحروب، والطاقات تُبدَّد في محارق لا تخدم إلا أجندات ضيقة وسياسات متهورة، بينما يُترَك جوهر الدين – الذي هو رعاية الإنسان وصون كرامته – على الهامش. وبهذا المعنى، فإن الإمام الشيرازي الراحل يدعو إلى استعادة الدين من براثن التطرف والعصبية، حيث إن الدين الحقيقي لا يكرس القطيعية والغوغائية، ولا يستخدم اسم الله لتبرير العنف وتسويغ العدوان أو الفساد، بل الدين يفكك هذه الظواهر من جذورها، ويربي الفرد على التفكير الحر والمسؤولية الأخلاقية، ويفتح الطريق أمام التعاون والحوار والبناء بين بني البشر. بالتالي، الإمام الشيرازي (رحمه الله) هنا يذكرنا بأن السلام والعدالة المقياس الحقيقي لصدق أي التزام ديني. وهكذا؛ تتضح أهمية اللقاء الديني العالمي الذي انعقد قبل أيام في لندن، كمحطة شروع في تنظيم الجهود لتقديم الأديان بصورتها الناصعة وصولاً الى ترسيخ السلام في عموم الأرض. فإن السلام الحقيقي يبدأ من الاعتراف بكرامة الإنسان الفرد وقدرته على التفكير الحر، لا من تعبئة الجموع في قطيع يساق إلى أتون صراعات طائشة ومحارق حروب عبثية. وعلى هذا الأساس، فإن المجتمعات المبتلاة بأنظمة أو أحزاب أو جماعات دينية مسلحة تحتاج إلى ثقافة مضادة تعزز التربية النقدية والحوار الحقيقي والتركيز على قيم السلام والعدالة والتسامح والرحمة والمحبة والتعاون، حتى لا تُستَهلك الأجيال في نزاعات قتالية وغير قتالية لا تنتهي. وهذه القيم – السلام والعدالة والخير والتسامح والمحبة ومكارم الأخلاق وأمانة المسؤولية – التي جددها هذا اللقاء الديني تذكّر بأن الأديان قادرة على أن تكون أدوات بناء لا تدمير، وأن الحوار والاحترام المتبادل أقوى من أي خطاب يبرر العنف باسم الدين أو المقدس. وفي منطقة الشرق الأوسط التي تعاني منذ عقود من دوامات نزاعات، يصبح من الضرورة الدينية والأخلاقية التذكير بأن جوهر الدين يرفض تحويل المقدسات إلى غطاء للحروب، ويدعو إلى تحرير الشباب من عقلية القطيع والأفكار الكارهة والمتطرفة، واستثمار الطاقات في السلام والإعمار وخدمة الإنسان؛ فإن السلام المبني على العدالة والكرامة هو السبيل الوحيد لمستقبل يخدم الإنسان لا يستهلكه. وهنا يشير الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) إلى جوهر الأديان السماوية بقوله إن «السلم والسلام بمعناهما الأعم والشمولي يقتضيان الأمن، والعافية، والاستقرار، والازدهار، وكل ما يوجب تقدم الحياة وتطورها في أبعادها الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها» (السلم والسلام: ص20)، وأن "مَنْ يلتزم بقيم السلام فلابد له أن ينتصر في الحياة" (اللاعنف في الإسلام: ص10). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|