
|
التغيير .. من إصلاح الفرد إلى نهوض المجتمع |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 15/ جمادى الأولى/ 1448
يُعرّف التغيير في جوهره بأنه حركة واعية نحو الأفضل، ينتقل بها الفرد أو المجتمع بإرادته من حال إلى حال أرقى دينياً، وسياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وأخلاقياً. ومن منظور علم الاجتماع وفلسفة التاريخ، لا يُعدّ التغيير مجرد تعديل شكلي أو إصلاح جزئي طارئ، بل هو سيرورة ديناميكية متكاملة تعيد هندسة البنى الفكرية والسلوكية والمؤسسية للإنسان والمجتمع. وإذا كان التغيير المحدود أو القطاعي يعالج أعراض الأزمات مؤقتًاً، فإن التغيير الحقيقي والناجز هو الذي يستهدف المنظومة بأسرها؛ إذ لا يمكن النهوض بواقع أمة إذا أصلحنا جانبها الاقتصادي وأهملنا منظومتها الأخلاقية أو الفكرية. من هنا، ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي للفرد والمجتمع هو التغيير الشامل المتوازن. وقد عبّر الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) عن هذا المبدأ السامي والتطلع الدائم نحو التكامل في «دعاء يوم الأحد» بقوله: «واجعل غدي وما بعده أفضل من ساعتي ويومي»؛ لتكون هذه الدعوة نبراساً مستمراً يجعل الغد أكثر إشراقاً من الأمس، ويضع الإنسان في مسار متصاعد لا يرتضي الثبات ولا يقنع بالدون. إن الانطلاق نحو هذا الأفق - التغيير - الشامل يتطلب ثلاث ركائز أساسية: الحكمة التي تمنع التسرع وتضبط المسار، والشجاعة التي تدفع إلى تجاوز مخاوف المجهول، والإقدام الذي يحوّل الفكرة المجردة إلى واقع ملموس. ولطالما حثّ الإمام أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) على اقتحام المخاوف بحكمة، بقولهه: «إِذا هبْتَ أمراً خفت منه فقعْ فيه، فإِن شدة توقيه أعظم مما تخاف منه" (عيون الحكم و المواعظ: ص132). لكن البداية الحقيقية لأي إصلاح منشود تكمن في الداخل الإنساني، وفقاً للقانون الإلهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾( الرعد: 11). فلا نهضة دون مراجعة جذرية للذات، ولا إصلاح بلا وعي بالمسؤولية الفردية والجماعية. من هنا، يقرر المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) أن «التغيير يبدأ من الإنسان، والثقافة هي أول شرط فيه» (لنبدأ من جديد: ص18 - ثلاثة مليارات من الكتب: ص1). إذ الثقافة الواعية هي الحاضنة لسلوك رشيد ينهض بالمجتمع. ولهذا، فإن التغيير عملية تراكمية واعية لا تُصنَع في أيام معدودات، بل تعبر مراحل تتطلب الصبر والعقلانية؛ ومن ثم دعا إلى «عقلنة الحركة التغييرية»، لتكون خطواتها مدروسة وفق الظروف والحكمة، بعيداً عن الانفعالات العشوائية التي لا تولّد سوى الأزمات. ولأن الغايات النبيلة لا تبرر الوسائل الفاسدة، فإن نبذ العنف يُعَد من أهم أدوات التغيير الإيجابي، فالقوة الهدامة لا تبني وطناً؛ سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) أن «أسلوب الحوار أولاً، والتظاهرات والإضرابات السلمية ثانياً، هي الأجدى والأحمد عاقبة في السعي إلى الإصلاح»، فالتغيير الحقيقي لا يقوم على كسر الآخر، بل على إقناعه وبناء الجسور معه. إلى جانب ذلك، يرتبط نجاح مسيرة التغيير ارتباطاً وثيقاً بكفاءة القائمين عليه ونزاهتهم؛ فالفاسد لا يُصلح، والخائن لا يُؤتمن. وفي هذا السياق، يحذر الإمام محمد الباقر (عليه السلام) من تولي غير الكفء زمام الأمور، بقوله: «مَنْ عرف مِن عبد مِن عبيد الله كذباً إذا حدّث، وخلفاً إذا وعد، وخيانة إذا ائتمن، ثمّ ائتمنه على أمانة، كان حقّاً على الله تعالى أن يبتليه فيها» (وسائل الشيعة: ج19- ص88). وتتكامل هذه الرؤية مع توجيه بليغ للإمام علي الرضا (عليه السلام) يضع المعيار الحقيقي لتقييم الأشخاص بعيداً عن المظاهر، إذ يقول: «لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم، وصومهم وكثرة الحجّ والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة» (بحار الأنوار: ج72 - ص114). ولا يمكن لأي نهضة أن تكتمل دون الحرية التي تنظمها القيم وتمنعها من الإضرار بالآخرين. ومن هذا المنطلق انطلقت حركة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في بناء دولة العدل والفضيلة، فكانت إدارته مثالاً صارخاً للإنصاف في توزيع الثروات وصون الحقوق الإنسانية. وفي خضم هذا المشوار الشاق، تبقى الثقة المطلقة بالله هي الملاذ والمرتكز، عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾(الانشراح: 5-6)، وتثبيتاً للقلوب بنداء الرحمن: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(يوسف: 87). وهكذا، فإن من عَزم على خدمة الدين، وتغيير المجتمع، وقصد الإصلاح بصدق، فعليه أن يبدأ بنفسه أولاً، وأن يكدّ ويجتهد باستمرار، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾(الإنشقاق: 6). فإن التغيير سُنّة من سُنن الوجود، وطريق حتمي للنهوض من ركود الغفلة. ولا يتحقق هذا النهوض إلا بمخافة الله، وحكمة وعقل مستنير، وإرادة صلبة، وخلق كريم، وعزم راسخ على أن المستقبل يُصنَع، ولا يُنتَظَر. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|