كربلاء .. حتمية سقوط النظام السياسي الفاسد




 

حين بدأ القتال بين جيش يزيد وأصحاب الحسين، قال شبث بن ربعي، وكان في جيش يزيد، لمن حوله: "ألا تعجبون أنّا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثم عدونا على ابنه وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية، ضلال يا لك من ضلال" (الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج4 – ص69)

 

موقع الإمام الشيرازي

14/ محرَّم الحرام/ 1448

 

 

قد يمر الشعب بحالة من الركود أو السكون العام التي تخفي خلفها معاناة عميقة، فيخضع للاستبداد هرباً من بطشه. إلا أن هذا الانكفاء والقبول بالأمر الواقع لا ينتج عنه سوى ترسيخ الدائرة المفرغة؛ فالاستسلام لخداع الفاسدين، والتعايش مع استهتار الفاشلين، لا يثمر إلا مزيداً من الانهيار. ومن هنا، تنبثق الحاجة الملحة إلى قوة فكرية حية توقظ الأمة من غفلتها وتستنهض طاقاتها الكامنة. إن التحرر من هذا الواقع المؤلم يبدأ من إعادة بناء وعي الجمعي، يدرك من خلاله الشعب أن التغيير والإصلاح ليس مجرد خيار رفاهية، بل هو السبيل الوحيد للبقاء وصناعة مستقبل جديد.

في جانب من نتائجها، واقعة كربلاء أظهرت رؤى ومفاهيم وقناعة جديدة، وحفزت في عموم الأمة روح الثورة على حكم بني أمية التسلطي، فما إنْ استشهد الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)، حتى اضطربت أطراف البلاد، وأخذت الثورات تتوالى ضد الطغيان الأموي، وإنْ كانت دوافع الثورات وأهدافها متباينة، وكانت البداية في حركة التوابين الاستشهادية، ثم ثورة المدينة، وبعدها انتفاضة المختار الثقفي، وفي سنة 121هـ كانت حركة زيد بن الإمام علي زين العابدين (عليه السلام). وهذه الحركات الثائرة، وإنْ انتهت بنهايات مفجعة، لكن كانت من العوامل الرئيسة لانهيار الدولة الأموية. يقول المرجع المجدد الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده): "إن استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) لفت الأنظار إلى مَواطِن انحراف الدولة الأموية عن الإسلام، وأسّس للأجيال الآتية خير مرقب يرصدون به الانحرافات، لا فقط الانحرافات التي يمارسونها باسم الإسلام، بل الانحرافات التي تقع في الإطار الإنساني العام أيضاً".

مع ذلك، هناك جانب آخر لسقوط حكم بني أمية، وقليل ما يُسلَّط الضوء عليه رغم أهميته كحقيقة تاريخية من جهة وعبرة للتأمل والاعتبار من جهة أخرى وهذا الأهم، ألا وهو فساد النظام السياسي الأموي، وهذا الجانب لوحده كفيل بإسقاط أية دولة مهما بلغ شأنها قوة وسطوة.

يذكر المسعودي في مروج الذهب:

"سُئل بعض شيوخ بني أمية وكبارهم، عقيب زوال الملك عنهم إلى بني العباس: ما كان سبب زوال ملككم ودولتكم؟

قال: "إنا شـُغلنا بملذاتنا عن تفقد ما كان يلزمنا، وظلمنا رعيتنا، فيئسوا من إنصافنا، وتمنّوا الراحة منا، وتحومل (ظلمنا) على أهل خراجنا (الدول والأقوام الخاضعة)، فتخلّوا عنا، وخربت ضياعنا، وخلتْ بيوت أموالنا (بسبب الفساد ولا حساب)، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم (مصالحهم) على منافعنا، وامضٌوا أموراً دوننا وأخفوا عـِلمها عنا، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستمالهم أعادينا، فتظاهروا معهم على حربنا، وطَلَبَنا أعداؤنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا)، وكان استتار الأخبار عنا (جهلهم لما يجري بين الناس) من أوكد أسباب زوال ملكنا" (مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي: ج3 - ص189).

ويُروى أن الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان خطب في مكة، والمظالم قد عمّت البلاد فوعظ الناس وأمرهم بتقوى الله، فقام إليه رجل من الحضور، وقال:

"مهلاً مهلاً، إنكم تأمرون ولا تأتمرون، وتنهـَون ولا تنتهون، أ فنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع أمركم في ألسنتكم؟"

وأضاف: "فإن قلتم اقتدوا بسيرتنا، فأين، وكيف، وما الحجة، وما النصير من الله في الاقتداء بسيرة الظلمة الذين أكلوا أموال الله دولاً (ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم)، وجعلوا عباد الله خولاً (من خلال السلطة والمال يجعلون الناس عبيداً لهم وأتباع)؟! وإن قلتم أطيعوا أمرنا، واقبلوا نصيحتنا، فكيف ينصح غيره من يغشّ نفسه؟! أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عدالته؟! وإن قلتم خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، واقبلوا العظة ممن سمعتموها، فعلام قلدناكم أزمّة أمورنا، وحكـّمناكم في دمائنا وأموالنا؟"

ثم قال مذكّراً: "أما علمتم أن فينا من هو أبصر بفنون العظات، وأعرَف بوجوه اللغات منكم؟». وختم الرجل كلامه قائلاً: « فتزحزحوا عنها (عن الحكم) لهم (لمن هم أفضل منكم) وإلا فاطلقوا عقالها (اهربوا) وخلوا سبيلها، يتدبر إليها الذين شرّدتموهم في البلاد، ونقلتموهم في كل واد، فوالله ما قلدناكم أزمة أمورنا، وحكمناكم في أبداننا وأموالنا وأدياننا لتسيروا فيها بسيرة الجبارين"  (أمالي الشيخ الطوسي: ص66).

ولهذه الرواية تتمة مذكورة في مصادر أخرى، حيث يكمل الرجل كلامه فيقول:

"أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات، وأفصح بالعظات، فتخلوا عنها، وأطلقوا عقالها، وخلوا سبيلها، يُنتدب إليها آل رسول الله؛ الذين شردتموهم في البلاد، ومزقتموهم في كل واد، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة وبلوغ المهلة وعظم المحنة، إن لكل قائم قدراً لا يعدوه، ويوما لا يخطوه، وكتابا بعده يتلوه (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)" (جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة. أحمد زكي صفوت: ج2 - ص 155_156).

في السياق، بيّن القرآن الكريم، خلال عرضه لقصص الأمم السابقة، الحاجة إلى الاعتبار بقصص السابقين، وإعمال العقل والفكر، بما آلت إليه تقلبات أمورهم، سواء أفي الصعود أو الانحدار، وفي التطور أو التداعي، وفي الرقي أو التدهور. وإن النص القرآني الحكيم بهذا الشأن يبين في ثنايا تلك القصص أو تعقيباً عليها، سنن الله (عز وجل) في خلقه، ونواميسه المتحكمة في هذه الحياة، والموجّهة لها، ليدرك الإنسان بالعقل والاعتبار أسباب سقوط الدول وانهيار الحضارات.

وعلى هذا النحو، فإن التاريخ البشري سلسلة وقائع مترابطة، متقاربة في جوهرها رغم تنوع أسبابها وأشكالها. بالتالي، تجارب الشعوب والأمم تراث مشترك، ينبغي للذين يطمحون بناء أوطان مزدهرة وشعوب حرة استلهام الدروس والعبر منها، ليصنعوا مستقبلًا ينتصر للحرية والكرامة والرفاه. يشير المرجع المجدد الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) إلى أن مثل هذه المعرفة "تفيدنا في تجنّب الأسباب الداعية إلى السقوط والأخذ بأسباب النجاح، لذا نجد في القرآن الكريم وصفاً دقيقاً لذي القرنين (ثمّ اتّبع سبباً)، فالدنيا هي محيط الأسباب، والأسباب تنتهي إلى المسبّبات، ولذا قال سبحانه وتعالى: (فسيروا في الأرض)، وقال أمير المؤمنين: "وسرْ في ديارهم واعتبر آثارهم". فإنّ من يسير في الأرض أو في الديار، سيعرف لماذا سقطت هذه الأمّة، وكيف نجحت تلك الأمّة، وسيعرف أسباب عزّتها وأسباب ذلّتها" (فلسفة التاريخ: ص 11-12).

ويقول (قدس سره) لدى حديثه عن ضرورة قراءة تاريخ بني أمية أن "حكام بني أمية هم سبب تأخر العالم لا المسلمين فحسب، وهذا حديث مضى ولا ينفع، وإنما النافع منه اليوم الاعتبار به" (طريق النجاة: ص151).