
|
أقبل محرَّم الحرام .. تجدد الأحزان وتوهج الآمال |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 27/ ذو الحجة/ 1477
مذ أن أرخى (العام 61هـ) سدوله المضمخة بالدم الزاكي لآخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، والشيعة يستقبلون العام الهجري الجديد بحزن وأسى، فـ"إِنَّ لِقَتْل الْحسين حرارة في قلُوب المؤمنين لا تَبْرَدُ أَبداً"، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله)(مستدرك الوسائل: ج10 - ص318). روى ابن عباس: كان الحسين في حجر النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال جبرئيل: أتحبّه؟ فقال: "كيف لا اُحبّه وهو ثمرة فؤادي". فقال: "إنّ أُمّتك ستقتله" (كامل الزيارات: ص130). وروى أنس بن الحارث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "إن ابني هذا ـ وأشار إلى الحسين ـ يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء، فمَن شهد ذلك منكم فلينصره" (الإصابة في تمييز الصحابة. ابن حجر العسقلاني: ج1 - ص270-271). بالتالي، فإن الحزن على الإمام السبط ليس فقط بدافع العاطفة الإنسانية التي تتماهى - فطرياً - مع كل مظلوم، فكيف بمقتول عطشاً وغربة ونحراً، بل الحزن على سيد الشهداء أيضاً بدافع الاقتداء برسول الله، وقد بكى – مرات - ولده الحسين. جاء في (مسند أحمد بن حنبل): "عن عبد الله بن نجى عن أبيه إنه سار مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان صاحب مطهرته، فلما حاذى نينوى، وهو منطلق إلى صفين، فنادى علي بن أبي طالب: "اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات." قلت: وماذا؟ قال: دخلت على النبي ذات يوم وعيناه تفيضان قلت: "يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان". قال (صلى الله عليه وآله): "بل قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات". قال: فقال جبريل: "هل لك إلى أن أشمك من تربته". قال (صلى الله عليه وآله): قلت نعم، فمد - جبرئيل - يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا" (الصواعق المحرقة: ج2 - ص566). هذا الحديث صححه العلامة أحمد شاكر فى تخريج المسند وصححه الألباني. وحباً لرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وسبطه الشهيد (عليه السلام)، فإنه ومع كل عام جديد، تتسع جغرافية أحزان كربلاء، فأينما يولي المرء وجهه، نحو شرق الأرض أو غربها، يرى سواداً وحزناً، فقد حل محرَّم الحرام، حيث فيه مصرع الإمام سيد الشهيد وأهله وأصحابه. ففي كل محرم وصفر يقيم الحسينيون مجالس العزاء في مساجدهم وحسينياتهم وبيوتهم، وبأشكال متنوعة تلفت الأنظار وتقرع باب كل ضمير حي. ومع كل عام جديد، ينتصر دم الحسين (عليه السلام)، فدمه سيظل يتدفق في عروق المؤمنين والأحرار وأصحاب النفوس الأبية، فقد قالت سيدة كربلاء وبطلة عاشوراء الحوراء زينب (عليها السلام): "فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا" (بحار الأنوار: ج45 – ص135). وفي ذكرى عاشوراء، تتجدد الآمال، وتتحفز الهمم لتغيير الحال إلى حال أحسن أو الى أحسن حال، فإن عاشوراء دعوة متجددة الى العمل على التغيير والاصلاح، ودعوة الى تغيير وإصلاح الذات والمجتمع والبلاد، ودعوة لبناء حاضر كريم ومستقبل أكثر إيماناً وازدهاراً، يقول المرجع الديني المجدد، السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "ينبغي تعظيم شعائر الإمام سيد الشهداء بشكل أوعى وأحسن وأبهى وأجمل وأرقى، فإن جوهر حب الإمام الحسين (عليه السلام) يستتبع القول الطيب والعمل الصالح، فيجدر بالمؤمنين والمؤمنات توسيع دائرة الاستفادة من محرَّم الحرام ومعنوياته الهائلة ومبادئه النبيلة وقيمه السامقة وأهدافه السامية لانتشال مجتمعاتنا من واقعها المأزوم، وإصلاح أمورها، وتحسين حالها، والارتقاء بأوضاعها، وصولاً الى خدمة الإنسانية جمعاء، وتحقيق السلام والرفاه في العالم." على هذا النحو، ينبغي أن تكون ذكرى عاشوراء محطة وعي متجددة، واحتفاءً راقياً يليق بجوهرها العظيم. فإن حب الإمام الحسين (عليه السلام)، بطل كربلاء الخالد، ليس شعوراً عاطفياً مجرّداً، بل مسؤولية إيمانية وإنسانية وأخلاقية تتجسّد في القول الطيب والعمل الصالح. كما أن استحضار عاشوراء ينبغي ألّا يقتصر على الشعائر الحسينية المباركة، بل يستدعي أيضاً توسيع أفق الاستفادة من قيمها ومبادئها ومواقفها، لتكون منطلقاً لإصلاح الذات والمجتمع، وتجديد الالتزام بالحق والعدالة والكرامة الإنسانية. فإن عاشوراء مدرسة كفاح ومشروع إصلاح، يمكن أن يسهم استلهامها في انتشال مجتمعاتنا من أزماتها، ومعالجة عللها، والارتقاء بواقعها، لتكون أكثر وعياً وعدلاً وإنصافاً. وإن إحياء هذه الذكرى بمضامينها النبيلة، هو طريق لخدمة الإنسان والإنسانية، وتحقيق السلام الحقيقي والرفاه المستدام في عالم مضطرب. فإنما سيد الشهداء كجده سيد الأنبياء الذي ما أُرسِلَ (إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ)(سبأ 28)، وما أُرسِلَ (إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء:107). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|