اختبار التديّن .. من المظلوميّة إلى مأزق الحكم




 

 

موقع الإمام الشيرازي

25/ ذو الحجّة/ 1477

 

 

الشيعيّة السياسيّة من مخاصمة الظلم ونصرة المظلوم وخطاب العدالة إلى هاوية السلطة

 

لم يكن التشيّع، في نشأته الأولى، هوية مغلقة أو انتماء اجتماعياً محضاً، بل كان موقفاً أخلاقياً من الإنسان والعالم، واحتجاجاً واعياً على الظلم، وانحيازاً صريحاً للعدل بوصفه قيمة إسلامية وإنسانية كونية. كان التشيع سؤالاً مفتوحاً في وجه السلطة، لا إجابة جاهزة، ومشروعاً أخلاقياً يتقدم على أي تعريف عرقي أو طقوسي أو جغرافي. وفي هذا المعنى التأسيسي، لم يكن التشيع حكراً على عرق أو جماعة، بل كان دعوة للإنسان أينما كان إلى رفض الظلم والانحياز للعدل ونصرة للمظلوم.

غير أن هذا المعنى التأسيسي للتشيع أخذ، مع الزمن، خاصة في العقدين الأخيرين، يتآكل تدريجياً، حتى غلبت الهوية الشكلية والمظهرية على الهوية القيمية، وصار الانتماء يقاس بكثافة الفعاليات الدينية والعبادات الجماعية لا بعمق الالتزام الأخلاقي والحضاري. هنا تحديداً تبدأ أزمة الهوية الشيعية المعاصرة؛ حيث ينفصل التدين عن المسؤولية والأخلاق، ويُختزَل الإيمان في عبادة أو شعيرة، والولاء للقيم في عاطفة. وهكذا، فإن أخطر ما في هذا التحول أنه أنتج شعوراً زائفاً بالطمأنينة؛ طمأنينة من يظن أنه على صواب أخلاقي لمجرد انتمائه، لا لسلوكه. وهكذا نشأت هوية دفاعية ترى في النقد تهديداً، وفي السؤال خيانة، وفي المراجعة مؤامرة. ومع ذلك كله، تتراجع القيم التي قام عليها التشيع نفسه؛ كالصدق والعدالة والأمانة، ونصرة المظلوم، والجرأة في مواجهة الظلم مهما كان مصدره. والمفارقة المؤلمة أن هذا التراجع القيمي يحدث بالضبط في اللحظة التي صارت فيها قوى تحمل الهوية الشيعية في موقع الحكم.

لم يعرف التشيع، تاريخياً، تجربة سلطة مستقرة وطويلة الأمد. تشكّل وعيه السياسي في ظل الإقصاء والملاحقة والاضطهاد، وقد منحته هذه التجربة رصيداً أخلاقياً بالغاً بوصفه خطاباً ناقداً للسلطة ومنحازاً للمظلوم. بيد أن هذا الرصيد نفسه تحوّل، في العصر الحديث، إلى امتحان عسير حين انتقلت قوى شيعية واسعة إلى موقع الحكم كما في العراق بعد عام 2003، على سبيل المثال. وهنا يبرز السؤال الذي لا يُطرَح بجدية كافية: ماذا يحدث حين تتحول جماعة بُني وعيها السياسي على المظلومية إلى جماعة تمارس السلطة؟ الواقع أن التجربة كشفت عن مأزق عميق، فبدلاً من أن تُترْجَم القيم التأسيسية للتشيع إلى نموذج حكم عادل، جرى في حالات كثيرة استنساخ ما في الدولة السلطوية، حيث ضعف المؤسسات، وتسييس القانون، وتديين الفشل، وتبرير الفساد باسم الخصوصية المذهبية أو الظرف الاستثنائي، وتهميش الحقوق والكرامة الإنسانية. في الوقت تحوّل خطاب المظلومية من أداة مواجهة للظلم إلى درع يَحول دون المساءلة، ومن مشروع تحرر إلى إطار لإدارة النفوذ. والأخطر من ذلك كان الخلط المتعمد بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية. فإن الحكم حين يستند إلى "المقدس" بدلاً من العقد الاجتماعي يعفي نفسه من المساءلة، ويحوّل النقد إلى اعتداء على الهوية ومساس بالثوابت، وهذا كله لا ينحصر في التجربة الشيعية العراقية وحدها. وهكذا لم تعد الدولة إطاراً لخدمة الإنسان، بل غنيمة تُدار باسم الطائفة، ويُطلَب من المواطن الصبر لا الحق، والطاعة لا المشاركة.

على هذا النحو، لا يكفي اليوم توصيف العراق بـ"الدولة الفاشلة"، لأن ما نشهده أعمق من ذلك. نحن أمام فشل يطال فكرة الدولة ذاتها لا مجرد أدائها. فإن أزمات الكهرباء، وغلاء الأسعار، وجيوش الفقراء والعاطلين، وتدهور أوضاع المتقاعدين وكبار السن، وطرق الموت، وانتشار المخدرات، وفضائح الشهادات المزيفة، ليست إلا وقائع وحقائق تكشف عن خلل بنيوي عميق يتمثل في هشاشة القانون، وغياب العدالة، واستشراء الفساد، وانفلات السلاح خارج إطار الدولة، وترسّخ الإفلات من العقاب. وفي قلب هذا المشهد المختل، تواصل طبقة سياسية تجاوز الدستور وتفريغ القانون من مضمونه. فإنه ما تزال في العراق آلاف الجرائم من التنكيل العلني بالمتظاهرين السلميين وقتلهم، إلى اغتيال المثقفين وخطف الصحفيين وتهجير الناشطين، بلا مساءلة ولا محاسبة. وتقف مؤسسات عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية في بلد تآكلت فيه مقومات الإنتاج حتى بات بلا صناعة تُذكر ولا زراعة فاعلة ولا رؤية تنموية. والمفارقة الصارخة، وهنا بيت القصيد، أن هذا الظلم والقبح كله يجري تحت حكومات تتشدق بالإسلام، وتدّعي الولاء للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، رمز العدالة السامية والرحمة الغامرة والمسؤولية النبيلة، بل إن كثيراً منها يستدعي اسمه المبارك في الخطب والمناسبات بينما تسير سياساتها في الاتجاه المعاكس تماماً لكل ما يرمز إليه. ومنذ عام 2003 لم يخرج العراق من قوائم الدول الأكثر فساداً في العالم، وهو رقم لا يحتاج إلى تفسير بقدر ما يحتاج إلى ضمير.

على مدى العقود الأخيرة، يستدعى اسم وقيم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الخطاب السياسي الشيعي المعاصر بكثافة لافتة، لكن في الغالب لا بوصفه معياراً صارماً في عدالته وعالياً في إنسانيته، بل بوصفه رمزاً خطابياً يُزيّن المنصات ويضفي الشرعية على السلطة. وهذا الاستحضار الانتقائي هو أشد أنواع الخيانة الرمزية لأنه يستخدم القامة الأخلاقية الأعلى ذريعة لتغطية أكثر الممارسات انحداراً. بينما تجربة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم كانت، في جوهرها، تجربة دولة أخلاقية (دولة الإنسان) قبل أن تكون تجربة سلطة سياسية. دولة تقاس بعدالتها لا بانتصاراتها، وبكرامة مواطنيها لا بشعاراتها. وقد ترك (عليه السلام) من الحكم والمبادئ ما يكفي معياراً صارماً لكل من يدّعي الاقتداء به. يقول (عليه السلام): "أحسن الحكام حالاً مَنْ حسن عيش الناس في عيشه" (غرر الحکم: ح3206)، فإن المعيار ليس رفاه الحاكم بل رفاه المحكومين. ويقول (عليه السلام): "مَنْ حسنت سياسته دامت رئاسته" (غرر الحكم: ح7621)، فإن الاستمرار في الحكم لا يُكتسَب بالقمع والمحاصصة، بل بحسن التدبير والعدل في التوزيع. ويحذر (عليه السلام) من المآل الذي وصل إليه العراق بدقة مخيفة: "إذا استولى اللئام اضطُهِد الكرام، وإذا مَلَك الأراذل هلك الأفاضل" (غرر الحكم: 4033)، وكأنه يصف مشهداً حاضراً بعينه. من هنا، حين يُستحضَر اسم وقيم الإمام أمير المؤمنين دون الالتزام بمنهجه، يتحول من معيار إدانة للواقع إلى أداة تبرير له. وهذا التحويل يمثل فضيحة أخلاقية مزدوجة: فضيحة بحق الإمام أمير المؤمنين نفسه، وفضيحة بحق الناس الذين يُوهَمون بأنهم يعيشون في ظل دولة تحمل قيمه.

بالموازاة؛ تحتل المؤسسة الدينية الشيعية موقعاً رمزياً بالغ التأثير في الوعي الجمعي، لا بوصفها منتجاً للمعرفة الدينية فحسب، بل بوصفها مرجعية أخلاقية واجتماعية. غير أن هذا الموقع تحوّل، في كثير من السياقات، إلى عبء حين اختلطت الهداية بإدارة النفوذ، والوظيفة الأخلاقية بالحسابات السياسية. فأزمة المؤسسة الدينية عموماً اليوم ليست في قلة العلماء ولا في شُح الحوزات والحسينيات والمكتبات والفضائيات والمنصات الإعلامية، ولا في فقر النصوص التي تزخر بها المكتبة الإسلامية ولا فقر في الأموال. الأزمة في غياب العمل المؤسسي القادر على التمييز بين الثابت والمتغير، وبين النص وروحه، وبين الدين بوصفه رسالة، والمؤسسة بوصفها تنظيماً بشرياً قابلاً للخطأ. فقد أفضى الخوف من النقد إلى انغلاق تدريجي، وباتت الهوامش الآمنة للسؤال تضيق، حتى صار السؤال يُستقبَل تهديداً لا فرصة للفهم.

في السياق العراقي تحديداً، انحاز جانب واسع من الخطاب الديني نحو التهدئة أو التبرير أو الانشغال بالقضايا الهوياتية والعبادية على حساب الأسئلة المصيرية المتعلقة بالكرامة الإنسانية وبناء الدولة واحترام المال العام والدفاع عن حقوق الشعب. وبدا الإعلام الشيعي في أحيان كثيرة امتداداً لهذا المناخ، إذ مارس دور التعبئة والدفاع أكثر من ممارسته دور النقد والمساءلة والأمانة، حتى حين كان الظلم والفساد يصدران من داخل البيئة السياسية المحسوبة على الطائفة نفسها. وهنا، ليس المطلوب من المؤسسة الدينية أن تتحول إلى حزب سياسي أو تعتزل الشأن العام، بل أن تستعيد وظيفتها الأصلية: إنتاج المعنى، ورعاية القيم، والانحياز الصريح للإنسان. فإنه حين تصمت المؤسسة الدينية/الخطاب الديني عن الظلم أو تبرره، فإنها لا تحمي الدين بل تضعه في مواجهة التاريخ والناس معاً.

وهكذا؛ فإن أزمة الهوية الشيعية اليوم هي أزمة علاقة بالمعنى/الجوهر. النص حاضر، والطقوس عديدة وضخمة، لكن المعنى القيمي يتراجع. ومن دون استعادة هذا المعنى سيبقى التشيع عرضة للتحول إلى هوية جريحة منغلقة على خوفها، عاجزة عن إنتاج مشروع قيمي وإنساني جامع. على هذا النحو، فإن فشل الشيعية السياسية أو "الحاكمية الشيعية" في العراق ليس فشلاً تقنياً يُعالَج بإجراءات إدارية أو تشكيل حكومة جديدة أو الإعلان عن حملة لمكافحة الفساد في حكومة هي نفسها جزء من منظومة الفساد. هو فشل قيمي في فهم معنى الدولة ذاتها. فإن الدولة، في منطق التشيع الأصيل، ليست امتداداً للمذهب ولا غنيمة توزّع على الموالين، بل إطار جامع للناس جميعاً حيث يكون الإنسان غاية الحكم لا وسيلته. وهكذا، فإن الاختبار الحقيقي لأي هوية دينية ليس في كثافة شعائرها ولا في فصاحة خطابها، بل في سلوكها حين تمسك بزمام السلطة. هنا، وهنا فقط، يُختبَر التدين على محك العدل. وما يجري في العراق اليوم هو هذا الاختبار بعينه، والنتيجة حتى الآن لا تُبشّر بالخير بل العكس تماماً. لكن الإدراك بالفشل، حين يكون صادقاً وجريئاً، هو أولى خطوات الخروج منه. وهذا ما يحتاجه العراق .. ضمائر يقظة داخل بيته الشيعي قبل أن تأتيه الإدانة من خارجه.

----------------------------

مقالات ذات صلة

* اختبار التدين .. من المظلومية الى الحاكمية

* امتحان الأمة .. من الـ غديرَيْن إلى اليوم

* اختبار التدين .. الغدير بين قيم الدين ونزعة السلطة

* اختبار التديّن .. تديّن السلطة في الميزان العَلَويّ

* اختبار التديّن .. على محَّك السلطة والقيم

* باسم الدين .. كيف يُشوَّه الدين؟

* من التديّن .. البحث عن الحقيقة

* الإيمان .. بين الورع الأخلاقي والتديّن الشكلي

* التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب

* التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني

* تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير

* تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال

* تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم

* المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن