اختبار التدين .. من المظلومية الى الحاكمية




 

 

موقع الإمام الشيرازي

23/ ذو الحجة/ 1447

 

 

 

الحاكمية الشيعية أو الشيعية السياسية .. من المظلومية إلى مأزق الحكم

 

مع كل حديث عن حكومة عراقية جديدة، يعود السؤال العراقي القديم بثقل أكبر: هل الحكومة الجديدة مختلفة حقاً عن الحكومات السابقة، أم سيعاد إنتاج النموذج ذاته الذي حكم العراق بعد عام 2003؛ نموذج الدولة المنهكة بالفساد، والمحاصصة، وهدر الثروات، وتردي الخدمات، وتراجع هيبة القانون، والتلاعب بمصالح العراق في الداخل والخارج؟!

هذا السؤال لا يخص الأداء السياسي وحده، بل يمس أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين السلطة والدين، وبين التشيّع كمنظومة أخلاقية إنسانية، و"الشيعية السياسية" بوصفها تجربة حكم مارست السلطة باسم الدين والطائفة، ثم انتهت إلى نتائج صادمة حتى لقطاعات واسعة من جمهورها، وهذا التساؤل (أو التذمر) لا ينحصر في العراقيين، بل يشمل عموم الشيعة في العالم. فخلال العقدين الماضيين، تعرضت الهوية الشيعية إلى تشوه عميق، وذلك بسبب الأداء السياسي والأخلاقي لقوى "سياسية ومسلحة" حكمت باسم المذهب، ورفعت شعارات الولاء للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بينما كانت ممارساتها اليومية بعيدة - بعيدة جداً - عن روحه وقيمه بصورة فادحة.

لقد قام التشيّع تاريخياً على فكرة أخلاقية كبرى، وهي الوقوف مع المظلوم ضد الظالم، والانتصار للعدالة والكرامة الإنسانية. لكن هذا المعنى تعرَّض لاهتزاز خطير حين تحوّل المذهب – في عموم تجلياته السياسية – إلى أداة سلطة وتسلط، وإلى غطاء لتبرير الفساد أو العنف أو الفشل أو الاستبداد. وهنا تكمن المأساة .. ليس في فشل تجربة سياسية فحسب، بل في تشويه صورة منظومة دينية وأخلاقية عريقة. بالتالي، فإن أخطر ما فعلته "الشيعية السياسية" أنها لم تفشل فقط في بناء دولة ناجحة، بل ساهمت في إنهاك المعنى الأخلاقي والإنساني للتشيع نفسه. فحين يرى الناس سياسيين يتحدثون باسم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم يمارسون الظلم والمحسوبية والنهب وإذلال المواطنين، فإن الضرر لا يصيب السياسة وحدها، بل يمتد إلى الوعي الديني والاجتماعي، ويزرع الشك في صدقية الخطاب الديني الشيعي كله. ولهذا لم يعد غريباً أن تتزايد في المجتمعات الشيعية مظاهر النفور من الخطاب الديني، أو عزوف الشباب عن التدين الواعي، أو انجراف بعضهم نحو أشكال سطحية من التدين، أو حتى الابتعاد الكامل عن الدين بوصفه – في نظرهم – لم يعد قادراً على إنتاج العدالة والأخلاق التي يعد بها.

لاشك في أن المشكلة هنا ليست في الدين، بل في تحويل الدين إلى هوية سياسية مغلقة، وإلى أداة تعبئة طائفية، وإلى وسيلة لتبرير الأخطاء. فإنه حين يُمنَع النقد (وحتى النصيحة أحياناً) باسم "حماية المذهب"، يصبح الفساد محمياً بـ "القداسة"، وتتحول الطائفة إلى رهينة لمصالح طبقة سياسية لا لمصالح الناس. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ أولاً من الاعتراف الصريح بحجم الفشل، بعيداً عن لغة التبرير والتجميل. فإن التجميل لا ينقذ الأوطان، بل يطيل عمر الأزمات، كما أن تبرير الفساد باسم الطائفة أو "المظلومية التاريخية" لا يسيء إلى الدولة فقط، بل يطعن في جوهر الدين نفسه.

لقد فشلت الحاكمية الشيعية – خصوصاً في العراق – في بناء دولة مؤسسات تحترم الإنسان والقانون. ورغم وفرة الثروات النفطية، ما زال العراقيون يعانون من تدهور الخدمات والصحة والتعليم، وانتشار البطالة والفقر والمخدرات والانتحار والتفكك الاجتماعي. والمفارقة أن كل هذا حدث في ظل خطاب ديني كثيف، وشعارات أخلاقية عالية، وادعاءات مستمرة بالدفاع عن أهل البيت (عليهم السلام). وهنا يظهر التناقض الفادح بين "التدين الشكلي" و"الأخلاق الدينية". فليس كل حضور ديني في المجتمع دليلاً على صحة التجربة الأخلاقية. كما أنه قد تزداد الشعائر، بينما تتراجع القيم. وقد تمتلئ المدن بالحسينيات والمساجد والخطابات والطقوس، لكن ذلك لا يمنع انتشار الكذب والغش والعنف والكراهية والفساد. ولهذا قال النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله): "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (مستدرك الوسائل: ج11 – ص187). فإن جوهر الدين ليس الطقوس المجردة، بل بناء الإنسان الأخلاقي. كما أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يربط قيمة الإنسان بكثرة شعاراته، بل بعدالته وصدقه ورحمته ونزاهته وعفوه وكرمه ولطفه وتبله وسموه.

وربما تكمن إحدى أخطر المشكلات في أن الخطاب الديني المنبري – على مستوى العموم – لم يواكب حجم الكارثة العراقية، ولم يتحول إلى قوة أخلاقية ضاغطة بوجه الفساد والاستبداد وسوء الإدارة. فقد بدا أحياناً أقرب إلى المحافظة على التوازنات والنفوذ الاجتماعي منه إلى ممارسة الدور الرسالي النقدي الذي عُرف به تاريخ العلماء والمصلحين. ولهذا نشأ جيل يرى أن الخطاب الديني يكثر من الحديث عن العبادات والشعائر والهوية، لكنه أقل حضوراً حين يتعلق الأمر بحقوق الناس، والعدالة، والفقر، وكرامة الإنسان، ومحاسبة الفاسدين. بالتالي، فإن الأزمة التي تعيشها المجتمعات الشيعية اليوم ليست أزمة عبادات، بل أزمة قيم وأزمة حياة، وهذا ما يجعل المجتمعات تقع في مفارقة قاسية .. تدين ظاهر يقابله انهيار أخلاقي وسياسي واسع. من هنا، تبرز الحاجة اليوم إلى إعادة إنتاج هوية شيعية متجددة، لا تقوم على العصبية والانغلاق، بل على العقل والنقد والإنسانية ومكارم الأخلاق. هوية تستعيد البعد الكوني للتشيع بوصفه مشروع عدالة لا مشروع سلطة، وبوصفه دفاعاً عن الإنسان لا عن الطبقة الحاكمة.

ولعل واحدة من أكثر اللحظات التي كشفت حجم الارتباك الأخلاقي في "الشيعية السياسية" كانت الانخراط العسكري والسياسي في الدفاع عن نظام بشار الأسد في سوريا. فقد وُضع التشيع هنا أمام مفارقة قاسية .. كيف يمكن لمذهب قام على رفض الظلم أن يتحول إلى غطاء لدعم نظام استبدادي قام بارتكاب مجازر واسعة ضد شعبه؟! الأكثر إيلاماً أن هذا النظام (نظام بشار) نفسه كان قد اتُّهم سابقاً – من قبل الحكومة العراقية ذاتها – بدعم الإرهاب الذي استهدف الشيعة في العراق لسنوات طويلة. ففي عام 2009، وبعد تفجيرات "الأربعاء الدامي"، وجّهت الحكومة العراقية اتهامات مباشرة لدمشق بإيواء الإرهابيين وتسهيل عبور المفخخات والانتحاريين إلى العراق، بل وصل الأمر إلى رفع شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي. لكن المفارقة الصادمة أن نظام بشار الذي كان يُتَهمَ بالأمس بإرسال المفخخات التي قتلت الشيعة في العاصمة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، ذات الغالبية الشيعية، تحول لاحقاً إلى "حليف مقدس" ينبغي الدفاع عنه بدماء الشباب الشيعي. وهذا التناقض كشف حجم الاضطراب في البوصلة الأخلاقية والسياسية للشيعية السياسية.

كما أن الإعلام الشيعي – في جانب واسع منه – فقد دوره النقدي وتحول إلى إعلام تعبوي يبرر للسلطة أكثر مما يراقبها. والمفارقة أن عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر، الذي كان يُقدَّم بوصفه نموذجاً للعدالة وحقوق الإنسان حين كان الشيعة خارج السلطة، تراجع حضوره العملي بعد وصول الشيعة إلى الحكم. مع أن هذا العهد العظيم لا يمثل مجرد نص إداري، بل وثيقة أخلاقية وإنسانية استثنائية تؤسس لفكرة الدولة العادلة التي تقاس بكرامة الإنسان لا بهوية الحاكم. ففيه يقول الإمام علي: "الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم" (نهج البلاغة). وهي عبارة تختصر فلسفة الحكم العادل، حيث إن معيار الدولة العَلَوية ليس قوة السلطة، بل حال الضعفاء فيها. لكن بدلاً من تحويل هذه القيم العَلَوية النبيلة إلى سياسات ومؤسسات، جرى في كثير من الأحيان اختزال التشيع في الولاء السياسي والطائفي، بينما غابت العدالة الاجتماعية، وتراجعت هيبة القانون، وتعمقت الانقسامات والكراهية.

إن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى حكومة مختلفة عن الحكومات السابقة منذ 2003، بل إلى مراجعة أخلاقية وفكرية عميقة للتجربة كلها. فإن المشكلة ليست في تغيير الوجوه، بل في تغيير العقلية التي حكمت الدولة باسم الدين ثم أفرغت الدين من قيمه الكبرى. ولهذا، فإن الإنقاذ الحقيقي يبدأ من استعادة المعنى الأخلاقي للتشيع، والعودة إلى قيم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا إلى مجرد شعارات تُرفَع باسمه المبارك والكريم. فالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال في آخر وصاياه لولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام): "كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً" (نهج البلاغة)، لا يمكن أن يكون غطاء لسلطة فاسدة، ولا مبرراً للصمت عن الظلم، ولا جسراً لتبرير الفشل. وهكذا، فإن مستقبل العراق، بل ومستقبل الهوية الشيعية نفسها، يتوقف إلى حد كبير على القدرة على ممارسة النقد الشجاع، ومواجهة الأسئلة المؤجلة، والاعتراف بالأخطاء دون خوف أو تبرير. فالهويات لا تنهار فقط بسبب أعدائها، بل أحياناً بسبب عجزها عن مراجعة نفسها.

----------------------------

مقالات ذات صلة

* امتحان الأمة .. من الـ غديرَيْن إلى اليوم

* اختبار التدين .. الغدير بين قيم الدين ونزعة السلطة

* اختبار التديّن .. تديّن السلطة في الميزان العَلَويّ

* اختبار التديّن .. على محَّك السلطة والقيم

* باسم الدين .. كيف يُشوَّه الدين؟

* من التديّن .. البحث عن الحقيقة

* الإيمان .. بين الورع الأخلاقي والتديّن الشكلي

* التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب

* التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني

* تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير

* تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال

* تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم

* المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن