
|
حاجات الناس مسؤولية .. يجدر التفقد والمبادرة لا الانتظار |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 5 / ذو القعدة / 1447
قد يتجرّع الإنسان مرارة الفاقة بصبر جميل، ويعتبر عسر الحال فصلاً من فصول الابتلاء التي يواجهها بالعزيمة. لكنّ الانكسار الحقيقي لا يقع بسبب فقر الجيب، بل بسبب فقر القلوب؛ حين يخرج المرء بضائقته إلى الناس، فيجد الأبواب التي أَلِفها قد أُوصدت، والوجوه التي استبشر بها قد أشاحت عنه. فإنّ أصعب ما يواجهه الإنسان ليس الجوع، بل شعوره بأنه أصبح غريباً في قومه، لا قريب يواسي، ولا صديق يسند، ولا مجتمع يتراحم. هذا الخذلان الجماعي هو المؤشر الأكبر على انهيار المنظومة الأخلاقية والقيمية، فإذا فقدتْ المجتمعات روح التكافل، تحولت المدن إلى غابات من الإسمنت، تضيق بساكنيها مهما اتسعت. وهكذا، قد يصبر الإنسان على كثير من أنواع البلاء والمشاكل، دون أن يجد لذلك حزازة في نفسه، أما أن يخرج إلى الشارع فيفاجأ بالأبواب كلها مؤصدة في وجهه، والوجوه كلها مشيمة عنه، فذلك أمر مُوجِع لا يحتمله عادة أحد ولا يطيقه إنسان. لذا، فإن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) إذا لا يتمكن من قضاء حاجة محتاج، في وقت الطلب والسؤال، كان (صلى الله عليه وآله) يجعل قضاءَها ديناً على نفسه(1). إن قضاء حوائج المؤمنين، بل الناس جميعاً، من النِعَم الإلهية الكبيرة التي يُوَفَق لها بعض الناس، خصوصاً في هذا الوقت، حيث تعددت حوائج الناس وازدادت مشاكلهم(2). بالتالي، فإن وظيفة المؤمن أن يتفقد حاجات الناس ويسعى الى قضائها، ولا ينتظر أن يستغيثه أحدٌ لقضاء حاجته، وإنما هو عليه أن يبادر في قضاء حاجة المحتاج(3). بالموازاة، تتوهم الأحزاب والحركات الإسلامية أنه ليس مِنَ المهم توفير حوائج الناس، وإنما المهم هو الاشتغال بأمور الحزب فقط، وهذا زعمٌ خاطئ، فإن الحزب لا يتقدم إلا بالناس، والناس لا تلتف حول الحزب إلا إذا احترم حقوقهم وحفظ كراماتهم وقدَّم لهم ما يستحقون من الخدمات، وقضى حوائجهم، مهما كانت الحاجة صغيرة، فإنها في نظر المحتاج كبيرة. لذلك، فإن من أهم ما يلزم على الأحزاب الإسلامية التي تبغي النجاح في عملها، الدفاع عن حقوق الناس، والاهتمام بخدمة الإنسان بما هو إنسان، سواءٌ أمؤمناً كان أم غير مؤمن، مسالماً أم غير مسالم(4). المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده)
------------------------------ هوامش (1) قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "والله لرسول الله أسر بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة" (بحار الأنوار: ج71 - ص328). وقال (عليه السلام): "لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سروراً أنه عليه أدخله فقط، بل والله علينا، بل والله على رسول الله" (الكافي: ج2 – ص198). وقال (عليه السلام): "قال الله سبحانه: الخلق عيالي، فأحَبَهم إليَّ ألطفَهم بهم، وأسعاهم في حوائجهم" (الكافي: ج2 - ص199). (2) يقول الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): "إن خواتيم أعمالكم قضاء حوائج إخوانكم والإحسان إليهم ما قدرتم، وإلا لم يُقبَل منكم عمل" (بحار الأنوار: ج72 – ص379). وقال (عليه السلام): "إن لله عباداً في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة" (الكافي: ج2 - ص197) (3) يقول الإمام محمد الباقر (عليه السلام): "ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته، قُضِيَتْ أو لم تُقض، إلّا اُبتلي بالسعي في حاجة فيما يُأثَم عليه ولا يُؤجَر، وما مِنْ عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يُرضي الله إلّا اُبتلي بأن ينفق أضعافها فيما أسخط الله" (بحار الأنوار: ج75 – ص173). (4) إنّ الخلل القاتل الذي وقعت فيه أحزاب وجماعات "الإسلام السياسي" يكمن في قلب الأولويات؛ إذ توهمت أن بقاء "الهيكل التنظيمي" أقدس من كرامة "الإنسان"، فصارت تنفق جهودها ومواردها على تمكين الحُكْم أو الحزب وتقوية شوكته، بينما تترك الناس يواجهون قدرهم في طوابير الحاجة والفقر، وبلا شك في إن هذا النهج لا يمثل فقط فشلاً إدارياً، بل هو "خيانة للأمانة" بمفهومها الشرعي والوطني. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|