
|
الاستبداد بين نقد مبكر وتحليل معاصر .. رؤية عبر أربعة عقود |
|
|
|
|
|
|
|
|
إطلالة على رؤى الإمام الشيرازي الراحل والمفكر الألماني مارسيل ديرسوس
موقع الإمام الشيرازي 3 / ذو القعدة / 1447
يبدو الحديث عن الاستبداد، في ظاهره، تكراراً لما قيل كثيراً؛ لكنه، في عمقه، يظل سؤالاً مفتوحاً يتجدد مع كل تجربة تاريخية: لماذا يبدو الطغيان قوياً وهو في الحقيقة هشّ؟ ولماذا تسقط أنظمة فجأة رغم ما تملكه من أدوات القمع؟ للإجابة عن هذا السؤال، يلتقي فكر المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، الذي صاغ رؤاه منذ سبعينيات وفصَّلها وطورها في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، مع التحليل السياسي المعاصر لدى الكاتب الألماني مارسيل ديرسوس في كتابه المهم، الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية، المعنون بـ: كيف يسقط الطغاة .. وكيف تنجو الأمم (How Tyrants Fall .. And How Nations Survive)، الصادر بعد نحو أربعة عقود، ليقدّما معاً رؤية مزدوجة أخلاقية / فلسفية سبقت زمنها، واستراتيجية تحليلية تؤكدها لاحقاً. في منظور الإمام الشيرازي(قده)، الاستبداد ليس مجرد خلل سياسي، بل انحراف عن الغاية الأصلية للدولة. فإن الدولة، كما يراها، ليست غاية بذاتها، بل وسيلة لإقامة العدل وصيانة كرامة الإنسان(1). ومن هنا، فإن الحكم الفردي ينقلب بطبيعته إلى أداة قمع، لأنه يفصل السلطة عن المجتمع، ويحوّل "الإدارة" إلى "هيمنة". اللافت أن هذا التشخيص المبكر، الذي كتبه الإمام الشيرازي قبل أربعة عقود، يجد صداه العلمي في تحليل ديرسوس، اليوم، الذي يبيّن أن الأنظمة السلطوية تخلط عمداً بين "الدولة" و"النظام" لتخويف الناس من التغيير، بينما الحقيقة أن ما يسقط هو شبكة الحكم لا كيان المجتمع (2). غير أن المفارقة التي يكشفها ديرسوس، وتكاد تكون امتداداً زمنياً لما قاله الإمام الشيرازي، هي أن الطغيان لا يقوم على القوة بقدر ما يقوم على الخوف. فإن الحاكم المستبد، رغم مظهره الصلب، يعيش في قلق دائم من الانقلاب أو التمرد، ولذلك يلجأ إلى القمع لا بوصفه تعبيراً عن الثقة، بل كأداة بقاء. هنا يصبح الإرهاب السياسي، كما وصفه الإمام الشيرازي قبل عقود، أساساً هشّاً لا يمكن أن يدوم. إن ما يبدو "استقراراً" هو في الحقيقة توازن مؤقت بين الخوف والمصلحة، سرعان ما ينهار عندما يختل أحدهما. ويتعمق هذا الهشاش في ما يسميه ديرسوس "فخ المعلومات"، حيث يحاط الطاغية بدائرة من المصفقين الذين ينقلون له ما يريد سماعه لا ما يحدث فعلاً. هذه العزلة المعرفية ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي أحد أهم أسباب السقوط. وقد سبق الإمام الشيرازي الى توصيف هذه الظاهرة حين أشار(قده) الى أن المستبد يجمع حوله "إمعات"، بينما يقصي أهل الخبرة والعقل(3). وكأن الفارق الزمني بينهما الإمام الشيرازي والمفكر الألماني مارسيل ديرسوس؛ نحو أربعين عاماً، لم يكن إلا انتقالاً من الحدس الأخلاقي إلى البرهان التحليلي. لكن، السؤال الأهم ليس: لماذا يسقط الطغاة؟ بل: كيف يسقطون؟ هنا يقدم ديرسوس تصحيحاً مهماً؛ إذ يرى أن الاحتجاجات الشعبية وحدها نادراً ما تكفي، بل يحدث السقوط عندما تتفكك "النخبة الحاكمة". حين يشعر القادة العسكريون أو رجال الأعمال أن بقاء الحاكم أصبح تهديداً لمصالحهم، يتحول الولاء إلى عبء(4). وبالتالي، فإن هذه الفكرة تضيف بعداً بنيوياً لما قاله الإمام الشيرازي، قبل أربعة عقود، عن أن الاستبداد يهلك نفسه بنفسه؛ فآليات بقائه هي ذاتها بذور فنائه (5). ومع ذلك، فإن لحظة سقوط الطاغية ليست نهاية القصة، بل بدايتها. وهنا يلتقي التحذير الأخلاقي المبكر مع التحليل السياسي المتأخر؛ فإن الإمام الشيرازي قد حذّر من أن الاستبداد يولد التخلف والحرمان، وديرسوس يحذّر من أن سقوطه قد يفتح الباب لفوضى أو لاستبداد جديد. السبب في الحالتين هو غياب "ثقافة المؤسسات". فالمجتمع الذي لم يُدرَّب على المشاركة، ولم تُبنَ فيه قواعد الشفافية والمساءلة، يجد نفسه بعد سقوط الحاكم أمام فراغ خطير. من هنا، تبرز أهمية ما دعا إليه الإمام الشيرازي من الديمقراطية/نظام شورى ولا مركزية، ليس فقط كبديل أخلاقي، بل كضمانة عملية ضد عودة الطغيان. فإن اللامركزية توزّع السلطة وتمنع احتكارها، وهو ما ينسجم مع خلاصة ديرسوس الذي يرى أن النجاة لا تتحقق بإسقاط الطاغية، بل ببناء نظام مؤسسي يمنع ظهور طاغية جديد. في سياق العالم الإسلامي، تكتسب إشكالية الاستبداد بعداً أكثر تعقيداً، إذ لا يقتصر الأمر على أنظمة سلطوية تقليدية، بل يمتد إلى ظاهرة يمكن وصفها بـ "تبادل الأدوار الاستبدادية". فقد أشار الإمام الشيرازي بوضوح إلى أن فشل كثير من الأحزاب - سواء رفعت شعارات دينية أم مدنية -في تحقيق الرفاه، يعود إلى كونها "دكتاتورية مقابل دكتاتوريات"، حيث يتغير الشعار بينما تبقى بنية الحكم على حالها. بهذا المعنى، لا يكون الصراع صراع رؤى بقدر ما هو صراع على احتكار السلطة (6). وهذه الفكرة تجد صداها في تحليل مارسيل ديرسوس، الذي يبيّن أن سقوط الطاغية لا يعني بالضرورة تفكيك منظومة الطغيان، بل قد يفتح المجال لظهور نسخة جديدة منه إذا لم تتغير قواعد اللعبة السياسية. من هنا، تتضح أهمية ما دعا إليه الإمام الشيرازي من ضرورة "فضح الدكتاتوريات" وعدم الانخداع بتبدل الوجوه أو الشعارات؛ لأن معيار الحكم ليس هويته الأيديولوجية، بل طبيعته المؤسسية. إن التحدي الحقيقي في العالم الإسلامي لا يكمن فقط في إسقاط الاستبداد، بل في كسر دائرته المغلقة، عبر بناء نظام سياسي يضمن التداول السلمي للسلطة، ويجعل من الحرية والعدالة قواعد لا شعارات، بحيث لا يعاد إنتاج "الديكتاتور" تحت أي مسمى؛ إسلامي أو علماني أو مدني. إن القاسم المشترك الأعمق بين الرؤيتين - رغم الفاصل الزمني الذي يقارب أربعة عقود - هو إعادة تعريف "القوة". فإن القوة، في منطق الاستبداد، هي القمع؛ أما في منطق الدولة العادلة، فهي الثقة والمؤسسات. الطاغية يبني نظامه على الخوف، لذلك ينهار عندما يتبدد هذا الخوف؛ أما الدولة الحقيقية فهي التي تقوم على قواعد راسخة من القانون والمشاركة. بهذا المعنى، يقدّم الإمام الشيرازي الراحل(قده) والمفكر الألماني مارسيل ديرسوس نقداً تفصيلياً للاستبداد، كما يقدّمان حواراً عابراً للزمن، وذلك عبر رؤية فكرية سبقت عصرها وصولاً إلى تحليل علمي أكدها بعد أربعة عقود. وبينهما تتضح الحقيقة الأهم، وهي أن الطغيان ليس قدراً، لكن تجنّب عودته يتطلب أكثر من إسقاطه .. عدم عودة الطغيان يتطلب بناء دولة لا تسمح بظهوره من جديد. ---------------------- هوامش: (1) يرى المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928-2001 م) أن الدولة تقوم على العدالة وحماية الحقوق الفردية والجماعية. ويؤكد (قدس سره) ضرورة الدولة التي تحكم مع التركيز على أسس احترام كرامة الإنسان وحريته، وحفظ المصلحة العامة ومصلحة الأفراد، وتوفير الحياة الكريمة للمجتمع، وهي أسس دعا إليها الإسلام. (2) ينطلق مارسيل ديرسوس، في أطروحته من نقد المفهوم السائد الذي يرى في القمع دليلاً على قوة النظام واستقراره، ليثبت العكس تماماً؛ فإن الطغيان في جوهره هو "بناء رملي" يعتمد على توازنات شديدة الحساسية بين الخوف والمنفعة. حول الفرق بين الدولة والنظام، يشدد ديرسوس، في الصفحات الأخيرة (280-285)، على بناء المؤسسات: "نجاة الأمة تعتمد على قدرتها على الانتقال من 'حكم الفرد' إلى 'سيادة القانون'. إن استبدال القائد دون تغيير النظام ليس سوى استراحة بين استبدادين." (3) يقول الإمام الشيرازي(قده): "من طبيعة الدكتاتور أن يجمع حول نفسه "إمعات" بعنوان أنهم الممثلون للناس، بينما عقلاء القوم والسياسيون والمحنكون يعيشون في حالة العزلة أو في السجون أو المنافي، أو كان نصيبهم القبر. هؤلاء الإمعات ‹مادحي الدكتاتوريين› ليسوا إلا كالخشب المسندة، لا قيمة لهم، وإنما كل ما يملكون السلاح والدعاية والمال" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص295). (4) حول ولاء النخبة والانقلابات وفي (112-115) من الفصل الرابع، يتناول ديرسوس فكرة "تكلفة القمع"، ويشير إلى أن ولاء النخبة ليس مسألة عاطفية؛ إنه حساب للبقاء. عندما تتجاوز تكلفة القمع فوائد الولاء، يتحول الحراس إلى جلادين (للنظام). (5) يقول الإمام الشيرازي الراحل: "المستبدون عرضة للمكاره في أنفسهم وذويهم" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص368). ويقول(قده): "الاستبداد لا يولد إلا التأخر والحرمان، والمستبد يهلك نفسه وغيره معاً" (من قصص المستبدين: ص13). (6) يقول الإمام الشيرازي الراحل: "السر في أن الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية الذين أخذوا بزمام الحكم والبلاد، في الشرق الأوسط، لم تتمكن من تهيئة الرفاه للناس، هو لأنهم على الأغلب دكتاتوريون مقابل ديكتاتوريين، ومن شأن الديكتاتور أيما كان لونه التضييق على الناس" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص292). ويقول(قده): "من الضروري الاهتمام لفضح الدكتاتوريات في العالم الإسلامي، حتى لا يكون هناك دكتاتور يحكم حسب هواه" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص294). |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|