إضاءة: لا يتغير سوء الحال بالدعاء وحده




 

 

موقع الإمام الشيرازي

1 / ذو القعدة / 1447

 

 

كثيراً ما يختلط الأمر على الناس، فيتصورون أن التوكل معناه عدم تسبيب الأسباب، وعدم الأخذ بالطرق التي جعلها الله سبحانه للأشياء، فيقعدون عن الأسباب ويرجون النتائج. ولكن هذا خلاف العقل والشرع. فإنهم إنْ اعتمدوا على الآية المباركة: (ومَنْ يتوكل على الله فهو حسبه)(الطلاق: 3)، وزعموا أن معناها التوكل من دون العمل! فاللازم أن ينظروا أيضاً إلى قوله سبحانه: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة)(الأنفال: 60)، وقوله تعالى: (ثم أتبع سبباً)(الكهف: 89). فالتوكل من لوازمه العمل بالأسباب الكونية التي جعلها الله (عز وجل)، كما جاء في الحديث الشريف: "أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها" (الكافي:ج1 - ص183)، إلى غير ذلك من الآيات والروايات.

وإن من شأن التوكل هو أن يكل الإنسان ما ليس بيده إلى الله (سبحانه وتعالى)، كما هو من شأن الدعاء أيضاً. وقد ورد عدم استجابة دعاء جماعة لأنهم لا يفعلون ما قرره الله تعالى من المقدمات، كمن لا يعمل ثم يقول: اللهم ارزقني من واسع فضلك.

رُوِي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "إن قوما من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزلت الآية (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) أغلقوا الأبواب، وأقبلوا على العبادة وقالوا: "قد كفينا." فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فأرسل إليهم فقال: "ما حَمَلَكم على ما صنعتم؟" قالوا: "يا رسول الله! تكفل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة"، فقال (صلى الله عليه وآله): "مَنْ فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب". ثم قال: "إني لأبغض الرجل فاغراً فاه إلى ربه يقول: ارزقني ويترك الطلب" (من لا يحضره الفقيه: ج3 – ص192).

فتَوَّهُم أن الأحوال تتحسن بالدعاء وحده، ليس على موازين الإسلام، فإن "الدعاء سلاح المؤمن" (أصول الكافي، ج2، ص 467)، كما ورد. وقال (عز وجل): (ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)(الفرقان: 77). لكن مع ذلك كله، فإنه لإصلاح أنفسنا وإصلاح المجتمع وإصلاح حالنا، وبناء حاضر زاهر ومستقبل باهر لابد من العمل .. العمل الجاد، بعد التوكل على الله سبحانه الذي يقول: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)(الطلاق: 3)، وقال (عز وجل): (يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(آل عمران: 159). وبذلك قد أدينا التكليف المُلقى على عاتقنا من قبل الله سبحانه، وهو (عزّ وجل) ينصر العاملين المخلصين، كما وعد بقوله تعالى: (إنْ تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)(محمد: 7).

المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده)