الفهرس

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

المعاهدات في الدولة الإسلامية

وكتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا بين المهاجرين والأنصار ودعا فيه اليهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم، واشترط عليهم.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

1: هذا كتاب من محمد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.

2: إنهم أمة واحدة من دون الناس.

3: المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاملون بينهم ، وهم يفدون عاينهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

4: وبنو عوف على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

5: وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

6: وبنو الحارث على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

7: وبنو جشم على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

8: وبنو نجار على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

9: وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

10: وبنو البنيّت على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

11: وبنو الأوس على ربعتهم يتعاملون معاملتهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عاينها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

12: وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

13: وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.

14: وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم.

15: ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن.

16:  وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.

17: وأنه من تبعنا من يهود فان له النصر والأسوة غير مظلومين ولامتناصرين عليهم.

18: وأن سلم المؤمنين واحدة، ولا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم.

19: وأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا.

20: وأن المؤمنين بين بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.

21: وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.

22: وأنه لا يجير مشرك ولا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن.

23: وأنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.

24: وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.

25: وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

26: وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.

27: وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وإثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.

28: وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.

29: وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.

30: وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.

31: وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.

32: وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.

33: وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف إلا من ظلم وإثم، فانه لا يوتغ إلا نفسه, وأهل بيته.

34: وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.

35: وأن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف وأن البر دون الإثم.

36: وأن موالي ثعلبة كأنفسهم.

37: وأن بطانة يهود كأنفسهم.

38: وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

39: وأنه لا ينحجز على ثار جرح، وأنه من فتك فنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم، وأن الله على أبر هذا.

40: وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.

41: وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم.

42: وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.

43: وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.

44: وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.

45: وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.

46: وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فان مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه.

47: وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.

48: وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.

49: وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فانهم يصالحونه ويلبسونه، وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.

50: وعلى كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.

51: وأن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحضر من أهل هذه الصحيفة، وقيل: مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة.

52: وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرّه.

53: وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو إثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتب هذا الكتاب قبل أن تفرض الجزية، وحين كان الإسلام غير قوي، وكان لليهود إذ ذاك نصيب في المغنم إذا قاتلوا مع المسلمين، كما شرط عليهم في هذا الكتاب النفقة معهم في الحروب.

وهذا العهد يشتمل على شروط كثيرة بين المسلمين أنفسهم من المهاجرين والأنصار، وعلى معاهدة بين المسلمين ومشركي المدينة، وهم لقلة عددهم بل إشرافهم على الفناء لم يذكر لهم شروطا كثيرة، ويتضمن أيضاً معاهدة بين المسلمين واليهود، ولا يخفى على من تدبر الكتاب عظم هذا العمل، وان هذا من أكبر الأعمال المهمة التي فعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أكبر من بعض الأعمال الأخرى وأعم نفعا وأكثر ثمرا منها، لأن به أمن غوائل اليهود ومكرهم في الأمور التالية: 

1: في تفريقهم بين المسلمين.

2: واتحادهم مع قريش وغيرهم من أعداء الإسلام.

3: وبه أمن المسلمون على أموالهم وذراريهم ودورهم وزروعهم وكل جانب يخافونه.

4: وبه انفسح المجال لنشر الدين وقتال المشركين في الحروب التي كانت تقام من قبل المشركين ضد المسلمين.

ولولا هذه المعاهدة الحكيمة من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تتمكن الملة الإسلامية وعلى رأسها النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) من نشر الدين الإسلامي بالشكل المطلوب، ولم تقدر على المقاومة في الحروب المتتالية في بدر وأحد ونظائرهما في قبال المشركين، ولولا هذه المعاهدة لكان المشركون شديدي القتال..

ولو تدبرنا الكتاب وشروطه لخرجنا بالنتيجة التالية: 

مجمل شروط المعاهدة بين المسلمين أنفسهم

1: المسلمون أمة واحدة من دون الناس فلا علقة إسلامية بين مسلم وكافر ولو كان أبا وولدا، وإن كان الإسلام يأمر باحترامهم واكرامهم، ولا مجانبة بين مسلم ومسلم، فالمسلم لا يكون بالنسبة إلى المسلم أجنبيا.

2: كل طائفة من المسلمين يتفادون بينهم كما كانوا يتفادون قبل الإسلام.

3: المسلمون المتقون على من بغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المسلمين.

4: لا يقتل مؤمن في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن.

5: ذمة الله واحدة فلا اعتداد بأشخاص المسلمين فيجير عليه أدناهم.

6: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، فلا يكون السلم في الحرب إلا برأي من مولاه.

7: كل طائفة غازية غزت يعقب بعضها بعضا، فلا تجبر طائفة على الغزو مرتين متعاقبتين.

8: ومن قتل مؤمنا من دون جريرة ففيه القود إلا أن يرضي ولي المتقول.

9: إذا اختلف المسلمون فمردهم إلى الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم).

10: المسلمون لا يتركون بينهم مديونا قد أثقله الدين إلا أعانوه في فداء أو عقل.

11: المؤمنون بعضهم مولى بعض فلا ولاء للكافر على المؤمن.

12: لا يجير  أحد حرمة كافر إلا بمصلحة سائر الجيش.

مواد المعاهدة مع اليهود

1: إن لليهود المعاهدين النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، إذا دعا المسلمون اليهود إلى المصالحة فعليهم أن يصالحوا، وكذا إذا دعا اليهود المسلمين إليها.

2: إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، على المسلمين نفقتهم، وعلى اليهود نفقتهم.

3: المسلمون واليهود المتعاهدان أمة واحدة، للمسلمين دينهم ولليهود دينهم، إلا من ظلم وإثم .

4: على المسلمين واليهود التعاون بينهم على من حارب أهل هذه الصحيفة.

5: لا يؤخذ امرؤ بإثم حليفه .

6: النصر للمظلوم فيما بينهم.

7: لا تجار حرمة كافر إلا بمصلحة من المسلمين واليهود.

8: الجار كالنفس لا يضار.

9: إن بينهم النصر على من دهم يثرب.

10: إن بينهم النصح والنصيحة.

مواد العهد بين جميع أهل الصحيفة

1: لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم.

2: إن يثرب حرام على أهل هذه الصحيفة بحسب المعاهدة، كما أن مكة حرام بتحريم الله تعالى.

3: لا تجار قريش ولا من نصرها.

مواد العهد مع المشركين

1: لا يجبر مشركو المدينة مالا لقريش ولا نفسا.  

 سند المعاهدة

ذكره العلامة المجلسي (رحمه الله) في (بحار الأنوار)(1) عن طريق رواية علي ابن إبراهيم بن هاشم، نقلاً عن الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدين).

ورواه ابن إسحاق كما ذكرته الكتب التاريخية، إلا أن ابن إسحاق لم يذكر أسماء رواة الحديث، وقد ذكر محدثو أهل السنة هذا المتن، أمثال: أحمد بن حنبل في (مسنده)(2) وتلقاه بالقبول، واستنسخه ابن سيد الناس في (عيون الأثر)(3) عن كتاب ابن خثيمة، ونقله عنه.

ونقله مؤرخو السنة أيضاً في كتبهم التاريخية، أمثال:

أبو عبيد قاسم بن سلام في كتاب (الأموال)(4).

وابن كثير (في البداية والنهاية)(5).

وكذلك البلاذري في (أنساب الأشراف)(6).

وأورد العلامة المجلسي (قدس سره) مضمون الرواية والتي تحتوي على اتفاقية تاريخية بين أهل المدينة والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد وقع هذه الاتفاقية من جانب اليهود كل من: حي بن أخطب من بني النضير، وكعب بن أسد من بني قريظة، ومخيريق العالم اليهودي من بني قينقاع، ومما جاء في هذه الوثيقة:

1: في السطور الأولى من وثيقة المعاهدة لدولة المدينة نرى الإشارة إلى تكوين الأمة الإسلامية (إنهم أمة واحدة من دون الناس) ولم ينحصر عددهم بمسلمي صدر الإسلام، بل يشمل بشكل عام كل من اعتنق الإسلام وآمن به.

2: ضمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمراكز القبائل في ذلك اليوم والتي عرفت رسمياً: حق اللجوء والدية المشتركة وبعض الحقوق المالية.

3: تضمنت الوثيقة وحدة الأمة، وتشترك الأمة كلها في الصلح والحرب، فلا يحق لأحد أن يتصالح عند الحرب، ولا يحارب عند الصلح، بل كلهم في أيام الحرب لهم مصالح مشتركة، (وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضه بعضاً)، فجميع المسلمين لهم مسؤولية تجاه بعضهم، وعليهم التعاضد أثناء الحرب وتقديم المساعدة فيما بينهم، وعلى كل فرد ـ صغيراً كان أم كبيراً ـ أن يؤدي وظيفته المرسومة له، (إن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس).

وتتجلى في هذا المنشور روح الأخوة والمساواة الحاكمة في المجتمع الإسلامي.

ولا ينحصر الدفاع والحماية عن الوطن بالمسلمين، بل يجب على اليهود أيضا الدفاع عن حرمة المدينة وأمنها، فهم شركاء للمسلمين في ذلك ومساهمون معهم (وإن بينهم النصر على من دهم يثرب).

4: الالتزامات المالية الناشئة عن وقوع الحروب تقسم بشكل مشترك بين الموقعين على الوثيقة: (إن اليهود، ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين).

5: تنص معاهدة المدينة لأصحاب الصحيفة أنها حرم: (وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة).

وعلى هذا فالأمن الداخلي للمدينة مضمون، ويحكم على أي نوع من التنازع الداخلي.

6: وفي الوثيقة بنود، منها: تشخيص العدالة الاجتماعية، وتنظيم الأمور القضائية والادارية.

ولا يخفى أن تنظيم العدالة الاجتماعية والقضائية من الأهداف المهمة للوثيقة، وتصرح الوثيقة: بأن السلطة القضائية هي بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنه المرجع القضائي الوحيد الذي تحال إليه القضايا المتنازع عليها وبدوره يقوم بحلها، سواء كانت هذه الاختلافات قد نشأت بين المسلمين أو بين اليهود: (وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله).

وفي هذه المادة استحدثت قوة قضائية يرجع إليه عموم الناس.

7: وفي هذه المعاهدة تجري الأحكام على أمور الحرب والصلح والشؤون القضائية، ويستثنى من هذه الموارد الاستقلال في الدين، ولليهود إجراء أحكام الشرعية وفق دينهم، ولهم الحرية العقيدية في ذلك: (وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم).

8: يؤكد المنشور على المسؤولية المشتركة بني المسلمين ـ المهاجرين والأنصار ـ بصدد القتال والالتزامات المالية، دون استثناء أحد منهم، كما نصت عليه البنود (2 ،3، 4، 5، 6، 7، 8،10وخصوصاً البند  11).

9: تؤكد الوثيقة على ارتباط المسلمين مع بعضهم، خصوصاً الانتصار للمظلوم، وإحياء الحق، ولا يجوز الدفاع عن المجرم سواء كان أباه أو أقاربه، كما نص عليه (البند: 13).

10: ونصت المعاهدة على حق الجوار ـ اللجوء ـ بحق جميع القبائل العربية واليهودية وأنه حق محترم: (وأن الجار كالنفس غير مضار ولا إثم) كما ورد في (البند 25، 40، 46).

معاهدة صلح الحديبية  

كما يمكن استفادة ذلك من معاهدة صلح الحديبية، وهذه المعاهدة عقدها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكان يدعى "الحديبية" مع مشركي مكة، وسنشير إلى بعض ما ورد فيها:

1: يتعهد المسلمون وقريش لمدة أربع سنوات أو عشر سنوات أن يتركوا النزاع والخصومات فيما بينهم ولا يتعرض كل منهم إلى الآخر.

2: أن لا يرتكبوا الخيانة والسرقة، وتكون أموالهم محترمة.

3: يكون المسلم في أمان عندما يدخل مكة المكرمة بقصد الحج أو العمرة أو السفر إلى اليمن أو الطائف، وكذلك يكون المشركون في أمان عندما يقصدون الشام أو المشرق ويدخلون المدينة المنورة.

4: يحق للمسلمين وقريش أن يتحالفوا مع أي قبيلة، ويكون الحليف محترماً.

5: يتعهد المسلمون وقريش أن لا يخونوا أحدهم الآخر، وأن لا يتعادوا أو يخدعوا، وأن يزيلوا الحقد من قلوبهم.

6: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه يدخلون مكة المكرمة العام القادم بقصد أداء مراسم الحج، وأن يتخلوا عن حمل السلاح، ولم يتوقفوا في مكة أكثر من ثلاثة أيام.

المعاهدة مع يوض

ما يمكن استفادة ذلك أيضا من معاهدة يوض وهذه معاهدة أمان كتبها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوض حاكم ايله، وهذا نصها:

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمان من الله ورسوله إلى يوض بن روزبه وأهالي ايله على أنفسهم وبواخرهم ووسائل بحرهم وبرهم، وكذلك أهل الشام واليمن والبحرين الذين يمرون من تلك الأرض في ذمة الله وذمة رسوله، كما يتعهد أهل أيله أنهم إذا ارتكبوا قتلاً فتدفع دية المقتول لأوليائه، كما يتعهدون أنهم عندما يردون بحراً أن لا يحرموا غيرهم من الاستفادة منه، وأن لا يسدوا الطرق البحرية والبرية بوجه الآخرين).

المعاهدة مع نصارى نجران  

كما يمكن استفادة ذلك أيضا من المعاهدة التي عقدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع نصارى نجران وكان فيها:

1: يتعهد أهل نجران أن يدفعوا ألفي حلة كل عام بصورة جزية.

2: أن يضيفوا مبعوثي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لمدة شهر، وأن لايتوقف المبعوثون أكثر من شهر واحد في هذا المكان.

3: لو حدثت الحرب من جهة اليمن، فعلى أهل نجران أن يتعاونوا مع الحكومة الإسلامية، وأن يجعلوا تحت تصرف الجنود ثلاثين سلاحاً وثلاثين حصاناً بصورة عارية مضمونة في الذمة.

4: يكون أهالي نجران وأطرافها في ذمة الله وذمة رسوله على أنفسهم وأموالهم ومعابدهم، ويبقى الأساقفة والرهبان وخدمة المعابد على أعمالهم دون ممانعة.

5: لا يحق لأحد أن يقوم بإبعادهم من أرضهم، أو يأخذ منهم العشر أو يهجم عليهم.

6: كل من يطالب بحقه يجب أن يعامل بإنصاف وعدالة.

7: لا يؤخذ أحد بجرم غيره.

8: يتعهد أهل نجران بعدم تعاطي الربا.

وفي غير هذه الحالة يكون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) غير ملزم تجاههم.

احترام المعاهدات والمواثيق

من قبل الدولة الإسلامية

والأصل الآخر من أصول السياسة الخارجية للدولة الإسلامية التي سنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول حكومة اسلامية أسسها في المدينة المنورة: هو احترام المعاهدات والمواثيق مطلقاً.

فالمعاهدات العالمية والدولية التي التزمت بها الحكومة الإسلامية محترمة ولا يجوز نقضها.

فلو أن الدولة الإسلامية رأت أن من صلاحها وبدون إجبار وإكراه أن تعقد اتفاقاً مع دولة أخرى أو مع أشخاص أو مع شركات مرتبطة بدول خارجية، فعليها أن تلتزم بعهدها وميثاقها، وتبقى وفية على العهد، وقد أشار القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إلى هذا الأصل السياسي والأخلاقي، يقول القرآن الكريم:  (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود )(7).

وقال عز وجل: ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) (8).

وقال سبحانه:  (و أوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون )(9).

وقال تعالى: ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين) (10).

وكان أئمة المسلمين أيضاً يحترمون العهود والمواثيق ويوفون بعهدهم، وكثيراً ما كانوا يؤكدون ويوصون بذلك، ففي عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) تتجلى هذه الحقيقة وهو عهد كتبه لمالك الأشتر :

(وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس  من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود)(11).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليف إذا وعد)(12). وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (يجب على المؤمن الوفاء بالمواعيد والصدق فيها)(13).

وهذه الأحاديث تشمل بعمومها أو اطلاقها جميع العهود: الفردية والدولية، مع المسلمين أو غيرهم، كما هو واضح.

الوفاء بالمعاهدات

عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معاهدة مع المشركين في صلح الحديبية تنص على أنه لو فر أحد من قريش من مكة إلى المدينة فليسلّم إليهم..

وبعد انتهاء العقد فر (أبو بصير بن أسيد بن حارثة) من مكة ودخل المدينة، وكان قد أسلم حديثاً.

فأرسلت قريش أحد أفرادها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطلبت منه العمل بموجب المعاهدة وأن يسلمهم أبا بصير.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بصير: إني قد عقدت مع أهل قريش معاهدة أقوم بموجبها في تسليم الفارين منهم، وليس في ديننا غدر، ولايجوز أن نخلف الوعد، فاذهب أنت معهم، وكن مطمئناً بأن الله سيجعل لك سبيل النجاة بأسرع ما يكون.

فقال أبو بصير: يا رسول الله! أتسلمني إلى المشركين ليأخذوا ديني؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا بصير! ينبغي عليّ الوفاء بالعهد، فاذهب أنت معهم، وكن على يقين بأن الله سيجعل لك فرجاً ومخرجاً(14).

وهكذا أكد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على لزوم احترام العهود والمواثيق، حتى مع الكفار.

وكذلك فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحد القوانين السياسية والحكومية لعمرو بن حزم الذي أرسله إلى اليمن ليطلع الناس على تعاليم الإسلام، كتب له:

طبق على كل أهالي اليمن حتى اليهود والنصارى منهم قوانين الإسلام، ـ أي ما في الإسلام من الرأفة والرحمة وما يجب على الدولة الإسلامية من الحفاظ على أموال وأمن وأعراض رعيته ـ .

وجاء في الفقرة (21) من هذا العهد:

(وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاماً خالصاً من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل مالهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانية أو يهودية فإنه لا يرد عنها).

وفي معركة صفين اضطر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أن يعقد صلحاً مع معاوية لوقف الحرب فاقترح عليه الخوارج أن ينقض العهد، فقال لهم: ويحكم أبعد الرضا والعهد نرجع؟ أو ليس الله يقول:  (أوفوا بالعقود )(15)، وقال:  (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون) (16).

نعم، إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى (عليهم السلام) كانوا يوفون بالمعاهدات الشخصية والاجتماعية وهذا من علامات الإيمان والإسلام.

ولم ينقض العهد إلا في حالة نقض الطرف الآخر للمعاهدة، كما جاء في الآيات القرآنية:  (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنه لا أيمان لهم لعلهم ينتهون)(17).

وهذا القانون قد جاء بيانه في نصوص الروايات وألسنة الفقهاء، كما فصلناه في الفقه.

قانون الإلزام في التعامل مع غير المسلمين

وهناك قانون آخر يدل على عظمة الإسلام ورحمته الواسعة يسمى بقانون الإلزام، حيث انه يكون التعامل مع غير المسلمين والأجانب من أتباع الأديان الأخرى على طبق قوانينهم وإلزامهم بمقرراتهم.. وهذا القانون بنفسه يجري في أتباع المذاهب الأخرى فقد أشارت رواياتنا إلى هذه الناحية قائلاً: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم)(18).

وفي رواية أخرى عن محمد بن مسلم، عن الإمام الصادق u قال: (يجوز على أهل كل دينٍ ما يستحلون)(19).

فالأقليات وغيرهم من سائر الأديان والمذاهب احرار في نطاقهم ان يعملوا بما هو جائز عندهم وما الزموا به أنفسهم، فمثلا: لا يمنع أهل الكتاب ـ حتى من يعيش منهم في الدولة الإسلامية ـ من شرب الخمر في بيوتهم وهكذا..

وقد أفتى الفقهاء بالضمان اذا غصب المسلم خمر الكافر الذمي أو خنزيره أو ما أشبه، قال المحقق (قدس سره) في الشرائع: (ولا تضمن الخمر اذا غُصبت من مسلم ولو غصبها الكافر، وتضمن اذا غُصبت من ذمي مستتراً ولو غصبها المسلم، وكذا الخنزير)(20).

وعلى أساس هذه القاعدة الفقهية التي هي من الأصول المسلمة في العهود والمواثيق الدولية، يكون التعامل والعمل مطابقاً مع الأعراف الدولية، حسب ما قرره  المسلمون معهم وقد ذكرنا تفصيلاً (حول قاعدة الإلزام) في كتاب الفقه (القواعد الفقهية)(21).

 

1 ـ بحار الأنوار: ج1 ص 110و 111.

2 ـ  مسند أحمد بن حنبل: ج21 ص 10 ط دار المعارف ـ القاهرة 1968م.

3 ـ  عيون الأثر: ج1 ص 198 ط بيروت  1970م.

4 ـ  الأموال: ط مصر، فصل 517.

5 ـ  البداية والنهاية: ج3 ص 224 ـ 226.

6 ـ  أنساب الأشراف: ج1 ص 286ـ 308 (ط مصر).

7 ـ  سورة المائدة: 1.

8 ـ  سورة المؤمنون: 8.

9 ـ  سورة النحل: 91.

10 ـ  سورة التوبة: 4.

11 ـ  نهج البلاغة: الكتاب53 المقطع 133-135.

12 ـ  الكافي : ج2 ص64 ح2.

13 ـ  راجع بحار الأنوار: ج72 ص96 باب 47 ح18.

14 ـ  راجع كتاب (ولأول مرة في تاريخ العالم): ج2 ص19 تحت عنوان (من بركات صلح الحديبية).

15 ـ  سورة المائدة: 1.

16 ـ  سورة النحل: 91.

17 ـ سورة التوبة: 12.

18 ـ  راجع التهذيب: ج9 ص322 باب4 ح12 وفيه: (ألزموهم بما ألزموا أنفسهم).

19 ـ راجع الاستبصار ج4 ص148 باب91 ح10 وفيه: (يجوز على كل ذي دين ما يستحلون).

20 ـ  شرائع الاسلام، القسم الرابع، كتاب الغصب. وراجع أيضاً (موسوعة الفقه) للإمام الشيرازي (دام ظله) ج78 كتاب الغصب ص 78 – 89 المسألة 7 و8 تحت عنوان (ضمان الخمر المحترمة) و(اتلاف الخمر المحترمة).

21 ـ  القواعد الفقهية: ص69-80.