| المؤلفات |
|
النظام
القضائي في دولة المدينة |
|
قال
سبحانه: (فلا ربك لا يؤمنــــون حتـــى يحكموك
فيمــــا شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً
مما قضيت ويسلموا تسليماً)(1). ومعنى
(يحكموك): أي التحكيم بينهم، ولغة (قضيت) أي
القضاء بينهم. وهذه
الآية الكريمة تشير إلى أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله وسلم) كان قد أخذ بعهدته مقام
التحكيم بين المسلمين، كما استقل بمقام
القضاء وإدارته، فكان القضاء في دولته
المباركة افضل قضاء عرفه البشر، كما كان قضاء
أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كذلك. |
|
الأنبياء (ع) أصحاب
قوانين |
|
نص
القرآن الكريم والتوراة التي لها اعتبار ديني
عند المستشرقين: على أن الله تعالى لم يبعث
الأنبياء وقادة الدين إلا ليكونوا حكاماً في
مجتمعاتهم، ولا يمكن في أي شكل من الأشكال
انفصال الخلافة والإمامة الإلهية عن القضاء
والحكومة، فقد ورد في القرآن الكريم: ) يا داود إنا جعلناك خليفةً في
الأرض فاحكم بين الناس بالحق)(2). وسنشير
إلى آيات من القرآن التي تثبت رسالة النبي
محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الناحية: قال
تعالى: ) فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض
عنهم)(3). وقال
سبحانه: ) وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط
إن الله يحب المقسطين)(4). وقال
عز من قائل: ) فاحكم بينهم بما أنزل الله
ولا تتبع أهواءهم)(5). وأحياناً كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفوض القضاء إلى أصحابه وفي الحديث الشريف عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): (أقضاكم علي (عليه السلام))(6). |
|
حكام النبي(ص)
وقضاته |
|
ذكر
بعض المؤرخين(7) أسماء بعض
علماء المسلمين الذين ألفوا تأليفات مستوعبة
في قضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، نترك
تفصيلها مراعاة للاختصار. روت
أم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
حديثاً، قالت فيه: جاء رجلان إلى النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم) في قضية،
وما أن سمعا كلام النبي(صلى الله عليه وآله
وسلم) حتى استغرقا في البكاء، وكل واحد منهما
يقول: وهبت حقي لأخي، فقال النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم): اتركا هذا الأمر واذهبا
لتطلبا الحق واقرعا بينكما، وبعد ذلك يتنازل
كل منكما عن حقه لصاحبه. فكان
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقضي في
المسائل المختلفة بموجب الحكم الشرعي
وملاحظة الدليل بعد طرح الآراء عليه، فإذا
كان الدليل يساعد على إقامة الدعوى ويثبت به
إدعاء المدعي، فحينئذٍ يحكم بين المتنازعين،
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (أمرت أن
أحكم في القضايا الظاهرية والعلنية، والله
يتولى الأمور المخفية والباطنية). وفي
حديث آخر انه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنما
أقضي بينكم بالبينات والأيمان)(8). وفي
كتاب علي (عليه السلام) إلى رفاعة قاضية في الأهواز: (إنما
عليك الظاهر). وفي
أحد الأيام جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) رجلان يتنازعان في ملكية أرض، وطلبا منه
أن يقضي بينهما، ولم يكن لهما من الأدلة
الكافية التي تثبت مدعى كل منهما، فأمر النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) بإحلافهما حتى يجري
القرعة بينهما. وفي
الشفعة أيضاً أعطى النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) رأيه، وعين سهم الشريك، وقضى في مسألة
الدين وكان أحد المحكومين عليه معاذ الذي
اضطر لبيع حصته إلى المرتبطين به من الشركاء. وفي
الحديث: (سوَّ بين الخصمين لحظك ولفظك، فإذا
جلس بين يديك الخصمان فلا تقضى حتى تسمع كلام
الآخر كما سمعت كلام الأول فإنه أخرى أن يبين
لك وجه القضاء)(9). ومن
جملة القواعد الحقوقية التي أسسها نبي
الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) هي: قاعدة
(التسلط)(10) . وأصل
(لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)(11)
وهي من أسس الحقوق الإسلامية، وتاريخ الحقوق
يؤيد ذلك. |
|
الحكام
في زمان النبي (ص) |
|
لم
يكن منصب القضاء منفصلاً عن بقية المناصب
الاجتماعية في دولة المدينة المنورة.. وإذا
كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث
والياً (محافظاً) إلى مكان فلا حاجة لإرسال
قاض إلى جنبه، لأن الإسلام لا يؤيد كثرة
الموظفين كما ذكرنا تفصيله في محله(12).
إضافة
إلى أن المجتمع في ذلك اليوم كان مجتمعاً
بسيطاً، فالتحقيق في الأمور الاجتماعية لا
يستوجب أكثر من ذلك ، وهكذا كان في حكومة أمير
المؤمنين علي (عليه السلام) .. نعم قيل: إنه قد تم تأسيس بعض
المقامات المختلفة أيام عمر بن الخطاب أوبعده.
وما
ذكرناه لا ينافي إسناد مقام القضاء والحاكمية
إلى الآخرين بدليل تزاحم الأعمال وكثرتها
كما هو واضح. جاء
في التاريخ انه كان لأخوين شركة في دار، وقد
شيداً جداراً يفصل بينهما، ثم مات الأخوان،
فتنازع ورثتهما في ملكية هذا الحائط، وجاءوا
إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليقضي
بينهم.. فما
كان من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن
يوفد حذيفة بن اليمان لمشاهدة
المحل وفحصه والتحقيق في هذا الصدد، فذهب
حذيفة إلى المكان المتنازع عليه وتأمل فيه
وصوب نظره على دقائق الأمور، وانتهى بعد
المشاهدة والفحص إلى أن الحائط المشيد كان
بفعل الورثة، فعاد حذيفة إلى النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم) واطلعه على التحقيق في القضية
والنتيجة التي توصل إليها، فقال النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم): أبديت رأياً صحيحاً،
وعملت عملاً حسناً وفي محله. فالولاية
ومنصب القضاء في زمان النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) لم يكن منفصلاً عن بقية الوظائف
والولايات الأخرى بأي نحو كان، والنبي (صلى
الله عليه وآله وسلم) لم يسند مسؤولية القضاء
لشخص بشكل كلي وعام، نعم في بعض الموارد كان
يأمر بالرجوع إلى علي (عليه السلام) حيث قال (صلى الله عليه وآله
وسلم) (أقضاكم علي) (13) كما
مر سابقاً، وذلك لأن القضاء جزء من الولاية
والمسؤولية الملقاة على الحاكم أو الوالي،
وكانت أكثر القضايا والاختلافات تحل بسهولة
ويفصل بها لمجرد السؤال عن نوع المسألة وطرح
الموضوع أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)،
ومن ثم يرفع الاختلاف الناشئ عنها. وقد
رأيت أنا ما تبقى من سهولة القضاء الإسلامي
قبل نصف قرن في كربلاء المقدسة(14)
فمرجع التقليد كان هو القاضي وأحياناً يفوض
الأمر إلى أحد العلماء وكانت القضايا تحل بكل
بساطة، ومن دون تعقيد. |
|
أول قانون قضائي
للنبي (ص) |
|
بعث
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي
طالب (عليه السلام) إلى اليمن، وأول ما سنه في هذا
المجال هو البحث في المسائل القضائية وإصدار
الحكم فيها، وهو ما اسنده إلى علي (عليه السلام). فقال
علي (عليه السلام) للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
يا رسول الله! تبعثني لقضاء اليمن وأنا شاب لا
خبرة لي في هذا العمل؟ فأجابه
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: إن
الله سيهدي قلبك، ويحكم لسانك، فلو جلس إليك
طرفا الدعوى للتقاضي، فلا تقضي بينهما حتى
تسمع أقوالهما، لأن إسماعك إلى أقوالهما يظهر
لك الحكم دون أن يحجبه شيء. ثم
ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده على
صدر علي (عليه السلام) وأخذ يدعو له، فقال علي
(عليه السلام): ما شككت في قضاء بعد ذلك(15). ومن
جانب آخر: لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) معاذ بن جبل قاضياً إلى اليمن أوصاه أن
يلين للناس ويرأف بهم، ويحذر المحاباة لبعض
والشدة على آخرين، ومما جاء في وصيته (صلى
الله عليه وآله وسلم) له قوله: (يسر
ولا تعسر، وصل عليهم صلاة أضعفهم، وإنك ستقدم
على قومٍ من أهل الكتاب يسألونك: ما مفتاح
الجنة؟ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له). وفي
حديث قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أقضاكم
علي بن أبي طالب)(16)
، وهذه الرواية متواترة قد رواها مختلف صحابة
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واعترفوا بها. والخلاصة:
أن النظام القضائي كان برئاسة (وظهورها إلى
الوجود، توسعت الرقعة الجغرافية للدولة
الإسلامية، وازدادت مناطق المسلمين، واشتدت
الحاجة إلى قضاة العدل أكثر من غيرها، فكان
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستعين
بصحابته ويستفيد منهم لمثل هذه الأمور، ولكن
الموقع الحكومي أو ما يصطلح عليه بالولاية
القضائية لمثل هؤلاء الصحابة كان عاديا جدا
حسب بساطة الإسلام. أما
بالنسبة إلى المسائل المهمة من قبيل: الدم
والقصاص فكان يرجع بها إلى شخص النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم) باعتباره المرجع
القانوني لحل الخصومات المتنازع عليها. هذا
إذا كان الأمر وقع في المدينة المنورة وإلا
كان المرجع ولاة المسلمين المنصوبين من قبله (صلى
الله عليه وآله وسلم) في تلك المناطق. وبشكل
عام: فإن مهمة القضاء في الحكومة الإسلامية
كانت بسيطة جدا وبأحسن ما يمكن، ولم يكن فيها
ما نراه اليوم من كثرة التعقيدات والروتين
والرشوة والحكم بغير ما أنزل الله وما أشبه… وأفضل
دليل على ذلك حكومة الرسول (صلى الله عليه
وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)
كما هو مذكور في التاريخ. |
|
ديوان
المظالم في زمن
النبي (ص) |
|
يرى
بعض المؤرخين وبعض المعاصرين: أن ديوان
المظالم كان له وجود في زمن النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم)، وربما يشهد لهذا الرأي قضية
سقي الماء الواقعة بين الزبير بن العوام ورجل
من الأنصار، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) الزبير بقوله: اسق أنت يا زبير ثم
الأنصاري. فقال الأنصاري: إن كان ابن عمتك يا
رسول الله. فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) من قوله. واعتقد
ابن خلدون أن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
كان يدقق في المظالم. وإن
صح هذا الكلام وكان ديوان المظالم في زمان
الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكن
لديوان المظالم في ذلك الوقت مثل ديوان
المظالم بعد ذلك. |
|
ديوان المظالم في
زمن أميرالمومنين علي (عليه السلام) |
|
أما
الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
فقد قام بتأسيس ديوان المظالم ليقف بوجه
تجاوزات وغارات عمال الخليفة الثالث،
وليسترجع منهم ما أخذوه من حقوق الناس. وفي
التعاليم والقوانين الإدارية في حكومة أمير
المؤمنين (عليه السلام)
نصوص يمكن أن نعتبرها الأسس الفقهية
والإدارية للنظام القضائي والمظالم، ومن
جملتها هذا النص الذي كتبه الإمام علي (عليه السلام)
أيام خلافته لعماله: (فإني
قد سيرت جنوداً هي مارة بكم إن شاء الله، وقد
أوصيتهم بما يحب الله عليهم من كف الأذى، وصرف
الشذى، وأنا أبرأ إليكم وإلى ذمتكم من معرة
الجيش، إلا من جوعة المضطر لا يجد عنها مذهباً
إلى شبعه، فنكلوا من تناول منهم شيئاً ظلما عن
ظلمهم… وأنا من بين أظهر الجيش، فارفعوا إلى
مظالمكم وما عراكم مما يغلبكم من أمرهم، ولا
تطيقون دفعه إلا بالله ربي، فأنا أغيره
بمعونة الله، إن شاء الله)(17). وفي
مكان آخر يقول (عليه السلام)
: (واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه
شخصك، ولا تجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع
فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك
من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلميهم غير
متتعتع)(18). وكذلك
جاء في عهده (عليه السلام)
: (ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار
وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة
أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن
لأحدٍ من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك
في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب
أو عمل مشترك)(19). |
|
نظام
الحسبة والمحتسب |
|
إن
وظيفة المحتسب مهمة للغاية فلا يجوز إهمالها
والإخلال بها، ويستحق الأجرة على عمله من بيت
المال، فلو قام النظام القضائي بتأدية وظيفته
من استيفاء الحقوق الضائعة والمهدورة، وتم
تشكيل ديوان المظالم من قبل أصحاب النفوذ
ورجال الدولة، وتم التحقيق والتدقيق فيه،
فحينئذٍ يسمى مثل هذا النظام (نظام الحسبة
والمحتسب). وقوانين
هذا النظام الصحيح تشبه القوانين القضائية،
إلا أنها تختلف عنها فيما يعود إلى المخالفات
الاجتماعية وعدم رعاية نظام المجتمع. والحسبة
تشبه النظام القضائي من وجهين هما: 1:
ان نظام الحسبة يشبه النظام القضائي في كونه
يقف بوجه التعدي والتجاوز على حقوق الناس،
كالغلاء والغش والتدليس في الأجناس وقيمتها،
وهذه المخالفات هي نوع من المنكر وأمر غير
صحيح، فعلى المجتمع الإسلامي القائم على
العدل والفضائل ومكارم الأخلاق أن يراعي هذه
الظاهرة. 2:
يمكن للقاضي والمحتسب إجبار المدعى عليه
بتأدية الحق المستقر بذمته، لأن التأخير في
تأدية الحق يكون عملاً عائقاً للأمور ونوعاً
منكراً، فيلزم التصدي له والوقوف ضده. ومما
جاء في إحدى الروايات: أن النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) وقف يوماً في سوق المدينة إلى جنب
مكان قد جمع فيه القمح (الحنطة) فأعجبه هذا
المنظر وأدخل يده فيه، وأخرج شيئاً وقال
لمالك القمح: ما هذا؟ فأجابه
المالك: إن هذا قد وقع من السماء ـ أي من تساقط
المطر ـ . فسأله
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): وأنت تعرض
للناس بشيء جيد. ثم قال: أيها الناس! لا يجوز
الغش بين المسلمين، فمن غشنا فليس منا(20). وكان
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث أحداً من
صحابته لمراقبة سوق المدينة، وبعد فتح مكة
المكرمة أمر النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) سعيد بن العاص بن أمية، أن يقوم بمراقبة
السوق. |
|
الشرطة
والحرس |
|
في
المفهوم الإسلامي يقال لكل من يضبط المخالفين
والأوباش: (الشرطي) أو (العس). وكلمة
(عسّ) في لغة العرب من أصل (عسس)، أي الذي يجوب
الليل ليحرس الناس من السراق والمعتدين. جاء
في بعض الروايات: كان النبي (صلى الله عليه
وآله وسلم) يقظاً في الليلة التي سبقت مجيئه
إلى المدينة، لأنه كان يتوقع أن يلحق به الضرر
من قريش، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يا
ليت لنا من حارس يحرسنا في الليل. فسمع
عند ذلك خشخشة السلاح، فقال النبي (صلى الله
عليه وآله وسلم): من أنت؟ فأجابه
سعد بن أبي وقاص: أنا يا رسول الله! فسأله
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما الذي دعاك
إلى المجيء في هذا الوقت من الليل؟ فأجاب
سعد: قد وقع في قلبي أن قريش ستفجع النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم)، لهذا جئت لأحرسك. وكتب
المقريزي في (الخطط): أول من تولى الحراسة في
الليل هو عبد الله بن مسعود، فقد أمره أبوبكر
أن يجوب شوارع المدينة في الليل. وورد
في كتاب "مشكل الصحيحين": أنه في زمان أبي
بكر وعندما ادعى طليحة بن خويلد الأسدي
النبوة الكاذبة، وأصبحت أوضاع المدينة في
هرج ومرج، وكان يتوقع أن يهجم أتباعه على
المسلمين، طلب أبو بكر من علي (عليه السلام)
والزبير وطلحة أن يحرس كل منهم طريقاً جبلياً
ينتهي إلى المدينة، كما أمر أيضاً عبد الله بن
مسعود أن يجوب المدينة ليلاً للحراسة
والمراقبة. وقد
استحدث نظام الحراسة (الشرطة) في عصر الإمام
علي (عليه السلام)،
وفي وصيته (عليه السلام)
لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) تتجلى هذه
الحقيقة حين يأمره بأن يجعل لحراسه وشرطته
مجلساً لتزول عنهم الوحشة والخوف. وروى
الطبري: أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)
قد أناط قيادة شرطة الخميس في إحدى الحروب
بقيس بن سعد، وكان مؤلفاً من أربعين ألف رجل
حربي. |
|
الحبس
والسجن |
|
لم
يكن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
مكان معين يسمى بـ(السجن) أو (المحبس). بل
إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غالباً ما
كان يأخذ المتهمين إلى المسجد أو غرفة معينة
ليكونوا تحت النظر.. وقيل
انه استأجر عمر بن الخطاب داراً للسجن. أما
أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في أيام خلافته فاستفاد من
مكان في الكوفة لهذا الغرض، وسماه (نافع) ثم
سماه (مخيس)، وكان السجن عادياً جداً ولا يسجن
احد الا في الموارد النادرة النادرة. أما
ما نراه اليوم من كثرة السجون فهذا مما يخالف
الشرع الإسلامي، هذا بالاضافة الى ان للسجين
حقوقاً كثيرة في الاسلام، ذكرناها في بعض
كتبنا(21). وأشار
مؤلف كتاب "أقضية رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم)" إلى بعض الإجراءات القضائية في
عصر الرسول (صلى
الله عليه وآله وسلم)، وذكر نماذج منها: فكان
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة
المنورة يحبس المتهم بالقتل لمدة ستة أيام ثم
يخلي سبيله. وروي:
أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حبس رجلاً
لارتكابه ديناً، وحكم أن في مقابل إطلاق
سراحه عليه أن يحرر عبده، فامتنع الرجل من
تحرير عبده، فأمره النبي (صلى الله عليه وآله
وسلم) أن تستوفى منه الخسائر لعبده. فالمديون
المتمكن الذي يمتنع من إيفاء الدين للحاكم أن
يحبسه. قال
الراوي: أخذت مديناً لي وأتيت به إلى النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم) فقال لي: ألزمه ـ فعل أمر
من باب الإلزام ـ ثم قال: يا أهل تميم! أتريدون
أن تفعلوا بأسيركم.. وقيل:
إنه كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل
الهجرة إلى المدينة قد عيّن للأنصار نقيباً
ليتحدث عنهم، كما عين (صلى الله عليه وآله
وسلم) لكل اثني عشر قبيلة رئيساً، كما جعل
العريف ـ وهو الممثل لمجموعة قوامها عشرة
أفراداً ـ تحت إشراف وتصرف النقيب، وكان
النقيب ممثلاً لكل القبيلة وكانت بعهدته
مسؤولية الحرب والصلح ونحوها، فإذا لم يستطع
النقيب على حل اختلاف مجموعته، أو أن طرفي
الدعوى مرتبط بقبيلة أخرى، يكون التصميم
النهائي لهذا الموضوع هو الرجوع إلى شخص
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
|
|
1
ـ سورة النساء: 65. 2
ـ
سورة ص: 26. 3
ـ
سورة المائدة: 42. 4
ـ
سورة المائدة: 42. 5
ـ
سورة المائدة: 48. 6
ـ
كشف الغمة: ج1 ص263. 7
ـ
راجع (كشف الظنون)
للحاجي خليفة وكذلك كتاب (أقضية رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم) تأليف العالم الأندلسي
محمد بن فرخ بن طلاع المتوفي سنة (497 هـ) وهو من
أوائل الكتب المؤلفة في أقضية الرسول (صلى
الله عليه وآله وسلم)، وهو كتاب خطي موجود في
مكتبات تونس، والمكتبة الرضوية، وأضاف
العالم المغربي كتاني كتباً اخرى في كتابه (نظام
الحكومة النبوية)[ ج1 ص
253-256 ]، وقد أشار إليها بالتفصيل، فقد فهرس
أبواب الحقوق التي أصدر بها نبي الإسلام (صلى
الله عليه وآله وسلم) فتاواه، وقام بنشرها. 8
ـ
دعائم الاسلام: ج2 ص518. 9
ـ
راجع مستدرك الوسائل: ج17 ص350 باب3 ح21546، وفيه: (اعلم
أنه يجب عليك أن تساوي بين الخصمين حتى النظر
إليهما حتى لا يكون نظرك إلى أحدهما أكثر من
نظرك إلى الثاني). 10
ـ
وهي قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم
وأنفسهم) راجع للتفصيل كتاب (القواعد الفقهية)
للإمام الشيرازي (دام ظله). 11
ـ
مستدرك الوسائل: ج13 ص308 باب13 ح15443. 12
ـ
راجع كتاب (اذا قام الاسلام في العراق) ص 99
للإمام المؤلف، تحت عنوان (الموظفون والاصلاح
الاداري). 13
ـ
كشف الغمة ج1 ص263. 14
ـ
راجع كتاب (حياتنا قبل نصف قرن) و(بقايا حضارة
الاسلام كما رأيت) للإمام المؤلف (دام ظله). 15
ـ
راجع العمدة: ص257 ح400، وكشف اليقين ص48. 16
ـ
كشف الغمة: ج1 ص263. 17
ـ
نهج البلاغة: الكتاب60 المقطع 1-5. 18
ـ
نهج البلاغة: الكتاب53 المقطع 109و110. 19
ـ
نهج البلاغة: الكتاب 53 المقطع 127و128. 20
ـ
وهج الفصاحة: باب ما أوله "ميم". 21
ـ
راجع موسوعة الفقه ج100 كتاب الحقوق، وكتاب (كيف
ينظر الإسلام الى السجين) للإمام المؤلف (دام
ظله). |