| فهرس الفصل الثالث | المؤلفات |
|
عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ولاته |
|
قال علي (عليه السلام) عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهداً كان فيه بعد كلام ذكره: |
|
فيما يجب على الأمير من محاسبة نفسه |
|
أيها الملك المملوك: اذكر ما كنت فيه، وانظر إلى ما صرت إليه، واعتقد لنفسك ما يدوم، واستدل بما كان على ما يكون، وابدأ بالنصيحة لنفسك، وانظر في أمر خاصتك وفي معرفة ما عليك ولك، فليس شيء أدل لامرئٍ على ماله عند الله من أعماله، ولا على ما له عند الناس من آثاره، فاتق الله في خاصة نفسك، وراقب فيما حملك، وتعبد له بالتواضع إذ رفعك، فإن التواضع طبيعة العبودية والتكبر من أخلاق الربوبية، ولا تميلنّ بك عن الصد رتبة تروم بها ما ليس لك ولا تبطرنّ نعم الله عليك عن إعظام حقه، فإن حقه لن يزداد عليك إلا عظماً. ولا تكونن كأنك بما أحدث الله عليك من الكرامة ترى أنه أسقط عنك شيئاً من فرائضه، وإنك استحققت عليه وضع الصعاب عنك، فتنهمك في بحور الشهوات فإنك إن تفعل (همدت وزر) ذلك على قلبك، وتذمم عواقب ما فاتك من أمرك، فاعرف قدرك وما أنت إليه صائر، واذكر ذلك حق ذكره، وشاعر قلبك الاهتمام به فإنه من اهتم بشيء أكثر ذكره وأكثر التفكر فيما تصنع وفي من يشاركك فيما تجمع، فإنك لست مجاوزاً في غاية المنتهى أجل بعض أخدانك(1) والساعة تأتي من ورائك، وليس الذي تبلغ به قضاء ما يحق عليك بقاطع عنك شيئاً من لذاتك التي تحل لك ما لم تجاوز في ذلك قصد ما يكفيك إلى فضول مالا يصل من نفعه إليك، إلا ما أنت عليه في غاية من الغنى، فتحمل بنفسك ما ليس غايتك منه إلا حظ عينك، وما وراء ذلك منفعة لغيرك، فليقصر في ذلك أملك وليعظم من عواقبه وجلك(2). |
|
ذكر ما فيه موعظة الأمير ممن كان قبله |
|
انظر أيها الملك المملوك، أين آباؤك؟ وأين الملوك من أعدائك الذين أكلوا الدنيا منذ كانت؟ فإنما تأكل ما أساروا(3)، وتدير ما أداروا، وأين كنوزهم التي جمعوا؟ وأجسادهم التي نعموا؟ وأبناؤهم الذين كرموا؟ هل ترى أقل منهم عقباً وأخمل منهم ذكراً؟ واذكر ما كنت تأمل من الإحسان أن أحسن الله إليك، ولا يغلبنك هواك على حظك، ولا تحملنك رقتك على الولد على أن تجمع لهم ما لا يحول دون شيء قضاه الله عليهم وأراد بلوغه فيهم، فتهلك نفسك في أمر غيرك وتشقيها في نعيم من لا ينظر لك من الأيام، اذكر الموت وما تنظر من فجأة نقماته، ولا تأمن من عاجل نزوله بك، وأكثر ذكرك زوال أمر الدنيا وانقلاب دهرها وما قد رأيت من تغير حالاتها بك، وبغيرك، انك كنت حديثاً من عرض الناس، وكنت تعيب بذخ الملوك، وتجبّرهم في سلطانهم وتكبّرهم على رعيتهم، وتسرعهم إلى السطوة، وإفراطهم في العقوبة، وتركهم العفو والرحمة، وسوء ملكتهم، ولؤم غلبتهم وجفوتهم لمن تحت أيديهم، وقلة نظرهم في أمر معادهم، وطول غفلتهم عن الموت وطول رغبتهم في الشهوات وقلة ذكرهم للخطيئات، وتفكرهم في نقمات الجبار، وقلة انتفاعهم بالعبر، وطول أملهم للغير، وقلة اتعاظهم بما جرى عليهم من صروف التجارب ورغبتهم في الأخذ وقلة إعطائهم للواجب، وطول قسوتهم على الضعفاء، والإيثار لخواصهم، والإستيثار والإغماض، ولزوم الإصرار، وغفلتهم عما خلقوا له، واستخفافهم بما أمروا، وتضيعهم لما حملوا أفنصيحة كانت عيب ذلك منك عليهم واستقباحه منهم؟ أو نفاسة لما كانوا فيه عليهم، فإن كان ذلك نصيحة فأنت اليوم أولى بالنصيحة لنفسك، وإن كانت نفاسة، فهل معك أمان من سطوات الله؟ أم عندك منعة تمتنع بها من عذاب الله؟ أم استغنيت بنعمة الله عليك عن تحري رضاه؟ أو قويت بكرامته إياك على الاصحار لسخطه، والإصرار على معصيته؟ أم هل لك مهرب يحرزك منه؟ أم رب غيره تلجأ إليه؟ أم لك صبر على احتمال نقماته؟ أم أصبحت ترجو دائرة من دوائر الدهور تخرجك من قدرته إلى قدرة غيره؟ فأحسن النظر في ذلك لنفسك، واعمل فيه بعقلك وهمك، وأكثر عرضه على قلبك. واعلم أن الناس ينظرون من أمرك إلى مثل ما كنت تنظر فيه من أمر من كان في مثل حالك من قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقوله فيهم، انظر أين الملوك؟ وأين ما جمعوا مما دخلت عليهم المعائب؟ وبه قيلت فيهم الأقاويل، ماذا شخصوا به معهم منه؟ وماذا بقي لمن بعدهم؟ فاذكر حالك وحال من تقدمك ممن كان في مثل حالك، وما جمع وكنز، هل بقيت تلك الكنوز حين أراد الله نزعها منه؟ وهل ضرك إذ كنت لا كنز لك حين أراد الله صرف هذا الأمر إليك، فلا ترى أن الكنوز تنفعك، ولا تثق بها ليومك فيما تأمل نفعه في غدك، بل لتكن أخوف الأشياء عندك وأوحشها لديك عاقبة. وليكن أحب الكنوز إليك وأوثقها عندك نفعاً وعائدة الاستكثار من صالح الأعمال واعتقاد صالح الآثار، فإنك إن تعمل هواك في ذلك، وتصرفه من غيره يقلل همك، ويطيب عيشك، وينعم بالك. ولتكن قرة عينك بالزهد، وصالح الآثار أفضل من قرة عيون أهل الجمع بالجمع، عليك بالقصد فيما تجمع، وفيما تنفق، ولا تعدن الاستكثار من جمع الحرام قوة، ولا كثرة الإعطاء من غير حق جوداً، فإن ذلك يجحف بعضه ببعض، لكن القوة والجود أن تملك هواك شحّ(4) النفس بأخذ ما يحل لك، وسخاء النفس بإعطاء ما يحق عليك، انتفع في ذلك بعلمك، واتعظ فيه بما قد رأيت من أمور غيرك، وخاصم نفسك عند كل أمر تورده وتصدره، خصومة عامد للحق جهده ينتصف لله وللناس من نفسه غير موجب لها العذر حيث لا عذر ولا منقاد للهوى في ورطات الردى، فإن عاجل الهوى لذيذ وله غب وخيم(5). |
|
في أمر الأمراء بالعدل في رعاياهم والإنصاف من أنفسهم |
|
أشعر قلبك الرحمة لرعيتك، والمحبة لهم، والتعطف عليهم، والإحسان إليهم، ولا تكونن عليهم سبعاً تغتنم زللهم وعثراتهم، فإنهم إخوانك في النسبة ونظراؤك في الحق، يفرط منهم الزلل وتعتريهم العلل، ويتوى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك من هو فوقك وفوقهم، والله ابتلاك بهم، وولاك أمرهم، واحتج عليك بما عرفك من محبة العدل والعفو والرحمة، ولا تستخفن ترك محبته، ولا تنصبن نفسك لحربه، فانه لا يدان لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته. ولا تعجلن بعقوبته، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مخرجاً، ولا تقولن إني أمير أصنع ما شئت، فإن ذلك يسرع في كسر العمل، وإذا أعجبك ما أنت فيه، وحدثت لك عظمته، ودخلتك أبهة أبطرتك، واستقدرك على من تحتك فاذكر عظم قدرة الله عليك، وفكّر في الموت وما بعده، فإن ذلك ينقص من زهوك، ويكف من مرحك، ويحقر في عينيك ما استعظمته من نفسك. وإياك أن تباهي الله في عظمته، ولا تضاهيه في جبروته وان تختال عليه في ملكه، فإن الله مذل كل جبار، ومهين كل مختال، أنصف الناس من نفسك ومن أهلك ومن خاصتك أن لا تفعل تظلم ومن يظلم عباد الله، فالله خصمه دون عباده، ومن يكن الله خصمه فهو له حرب حتى ينزع، وليس شيء أدعى لتغير نعمة، أو تعجيل نقمة من إقامة على ظلم، فإن الله يسمع دعوة كل مظلوم، وان الله عدو للظالمين، ومن عاداه الله فهو رهين بالهلكة في الدنيا والآخرة. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأجمعها لطاعة الرب، ورضى العامة، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يحتمل رضى العامة، وليس أحد من الرعية أشد على الوالي في الرضا مؤونة وأقل على البلاء معونة وأشد بغضاً للإنصاف، وأكثر سؤالاً بالإلحاف، وأقل مع ذلك عند العطاء شكراً، وعند الإبطاء عذراً، وعند الملمات من الأمور صبراً من الخاصة، وإنما اجتماع أمر الولاة، ويد السلطان، وغيظ العدو العامة. فليكن صفوك لهم ما أطاعوك، واتبعوا أمرك دون غيرهم، وليكن أبغض رعيتك إليك أكثرهم كشفاً لمعايب الناس، فإن في الناس معايب أنت أحق من تغمدها وكره كشف ما غاب منها، وإنما عليك أحكام ما ظهر لك، والله يحكم في ما غاب عنك، اكره للناس ما تكره لنفسك، واستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره، وأطلق على الناس عقد كل حقد، واقطع عنهم سبب كل وتر. ولا تركبن شبهة، ولا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاش وإن قال قول النصيح، ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يقصر عن الفضل غايته، ولا حريصاً يعدك فقراً، ويزين لك شرها، ولا جباناً يضيق عليك الأمور، فإن البخل والجبن والحرص غريزة واحدة يجمعها سوء الظن بالله. ثم اعلم إن شر دخائلك وشر وزارئك من كان للأشرار دخيلاً ووزيراً ممن شركهم في الأثام، وأقام لهم كل مقام، فلا تدخلن أولئك في أمرك، ولا تشركهم في دولتك كما شركوا في دولة غيرك، ولا يعجبك شاهد ما يحضرونك به، فإنهم أخوان الظلمة وأعوان الأثمة، وذئاب كل طمع وأنت تجد في الناس خلفاً منهم، ممن له معرفة أفضل من معرفتهم، ونصح أعلى من نصحهم ممن قد تصفح الأمور فأبصر مساويها، واهتم بما جرى عليه منها ممن هو أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأشد عليك عطفاً، وأقل لغيرك ألفاً ممن لم يعاون ظالماً على ظلم، ولا آثماً على إثم، فاتخذ من أولئك خاصة تجالسهم في خلواتك ويحضرونك في ملئك. ثم ليكن أكرمهم عليك أقولهم للحق وأحوطهم على رعيتك بالإنصاف وأقلهم لك مناظرة بذكر ما كره لك، وألصق بأهل الورع والصدق، وذوي العقول والإحسان، وليكن أبغض أهلك، ووزرائك إليك أكثرهم لك إطراءاً بما فعلت أو تزييناً لك بغير ما فعلت، وأسكتهم عنك صانعاً بما صنعت، فإن كثرة الإطراء يكثر الزهو، ويدني من العزة، وأكثر القول أن يشرك فيه تزكية السلطان، لأنه لا يقصر به على حدود الحق دون التجاوز إلى الإفراط، ولا تجمعن المحسن والمسيء عندك منزلة يكونان فيها سواء، فإن ذلك تزهيد لأهل الإحسان في إحسانهم، وتدريب لأهل الإساءة في إساءتهم. واعلم أنه ليس شيء ادعى بحسن ظن والٍ برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيف المؤن عنهم، وقلة الاستكراه لهم، فليكن لك في ذلك ما يجمع لك حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن بهم يقطع عنك هموماً كثيرة، وإن أحق من حسن ظنك به من حسن عنده بلاؤك من أهل الخير، وأحق من ساء ظنك به من ساء عنده بلاؤك، فاعرف موضع ذلك، ولا تنقص سنة صالحة عمل بها الصالحون قبلك، واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها العامة، ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي سنن العدل التي سنت قبلك فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها، وأكثر مدارسة العلماء ومناظرة الحكماء في تثبيت سنن العدل على مواضعها، وإقامتها على ما صلح به الناس، فإن ذلك يحيي الحق ويميت الباطل، ويكتفي به دليلاً على ما يصلح به الناس، لأن السنة الصالحة من أسباب الحق التي يعرف بها، ودليل أهلك إلى السبل إلى طاعة الله فيها(6). |
|
في ذكر معرفة طبقات الناس |
|
اعلم أن الناس خمس طبقات، لا يصلح بعضها إلا ببعض، فمنهم الجنود ومنهم أعوان الوالي من القضاة والعمال والكتاب ونحوهم، ومنهم أهل الخراج من أهل الأرض وغيرهم، ومنهم التجار وذوو الصناعات، ومنهم الطبقة السفلى وهم أهل الحاجة والمسكنة، فالجنود تحصين الرعية بإذن الله تعالى عز وجل، وزين الملك، وعز الإسلام، وسبب الأمن والخفض، ولا قوام للجند إلا بما يخرج الله لهم من الخراج، والفيء الذي يقوون به على جهاد عدوهم، وعليه يعتمدون لما يصلحهم، ومن يلزمهم مؤونته من أهليهم، ولا قوام للجند وأهل الخراج إلا بالقضاة والعمال والكتاب لما يقومون به من أمرهم، ويجمعون من منافعهم، ويأمنون عليه من خواصهم وعوامهم، ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما ينتفعون به من صناعاتهم، ويقومون به من أسواقهم، ويكفونهم في مباشرة الأعمال بأيديهم في الصناعات التي لا تبلغها رفقهم. والطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة يبتلون بالحاجة إلى جميع الناس وفي الله لكل سعة، ولكل على الأمير حق بقدر ما يحق له، وليس يخرجه من حقه ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله عليه، وأن يوطن نفسه على لزوم الحق فيما وافق هواه أو خالفه(7). |
|
ذكر ما ينبغي للوالي أن ينظر فيه من أمر عماله |
|
ولِّ أمر جنودك أفضلهم في نفسك حلماً، وأجمعهم للعلم، وحسن السياسة، وصالح الأخلاق ممن يبطئ عن الغضب، ويسرع إلى العذر، ويراقب الضعيف ولا يلح على القوي، ممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف وألصق بأهل العفة والدين والسوابق الحسنة، ثم بأهل الشجاعة منهم، فإنهم جماع الكرم وشعبة من العز، ودليل على حسن الظن بالله، والإيمان به ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالد من ولده. ولا يعظمن في نفسك شيء أعطيتهم إياه، ولا تحقرن لهم لطفاً تلطفهم به فإنه يرفق بهم كل ما كان منك إليهم وإن قل، ولا تدعن تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على نظرك في جسيمها، فإن للطيف موضعاً ينتفع به، وللجسيم موضعاً لا يستغنى فيه عنه، وليكونوا آثر رعيتك عندك، وأفضلهم منزلة منك، أسبغ عليهم في التعاون، وأفضل عليهم في البذل ما يسعهم، ويسع من ورائهم من أهاليهم حتى يكون همهم خالصاً في جهاد عدوك، وتنقطع همومهم مما سوى ذلك، وأكثر إعلامهم ذات نفسك من الأثرة والمكرمة، وحسن الإرضاء وحقق ذلك بحسن الآثار فيهم. وأعطف عليك قلوبهم باللطف، فإن أفضل قرة أعين الولاة استفاضة الأمن في البلاد وظهور مودة الأجناد، وإذا كانوا كذلك سلمت صدورهم، وصحت بصائرهم، واشتدت حيطتهم من وراء أمرائهم، ولا تكل جنودك إلى غنائمهم، أحدث لهم عند كل مغنم عطية من عندك، لتستصرفهم بها، وتكون داعية لهم إلى مثلها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأخصص أهل الشجاعة والنجدة بكل عارفة، وأمدد لهم أعينهم إلى صور عميقات ما عندهم بالبذل في حسن الثناء، وكثرة المسألة عنهم رجلاً رجلاً، وما أبلى في كل مشهد وإظهار ذلك منك عنه، فإن ذلك يهز الشجاع، ويحرض غيره، ثم لا تدع مع ذلك أن يكون لك عليهم عيون من أهل الأمانة والصدق يحرضونهم عند اللقاء، فيكتبون بلاء كل امرئ منهم حتى كأنك شاهدته. ثم اعرف لكل امرئ منهم ما كان منه، ولا تجعلن بلاء امرئ منهم لغيره ولا تقصرن به دون بلائه وكافئ كل أمراء منهم بقدر ما كان منه واخصصه بكتاب منك تهزه به وتنبئه بما بلغك عنه، ولا يحملنك شرف امرئ على أن تعظم من بلائه إن كان صغيراً، ولا ضعف امرئ على أن تستخف ببلائه إن كان جسيماً، ولا تفسدن أحداً منهم عندك علة عرضت له، أو نبوة كانت منه قد كان له قبلها حسن بلاء، فإن العز بيد الله يعطيه إذا شاء، ويكفه إذا شاء، ولو كانت الشجاعة تفتعل لافتعلها أكثر الناس، ولكنها طبائع بيد الله ملكها وتقدير ما أحب منها وإن أصيب أحد من فرسانك وأهل النكاية المعروفة في أعدائك فاخلفه في أهله بأحسن ما يخلف به الوصي الموثوق به في اللطف لهم وحسن الولاية لهم حتى لا يرى عليهم أثر فقده، ولا يَجِدوا لمصابه، فإن ذلك يعطف عليك قلوب فرسانك ويزدادون به تعظيماً لطاعتك وطيب النفس بالركوب لمعاريض التلف في تسديد أمرك، ولا قوة إلا بالله(8). |
|
ذكر ما ينبغي أن ينظر فيه من أمور القضاة |
|
انظر في القضاء بين الناس، نظر عارف بمنزلة الحكم عند الله، فإن الحكم ميزان قسط الله الذي وضع في الأرض لإنصاف المظلوم من الظالم، والأخذ للضعيف من القوي، وإقامة حدود الله على سنتها، ومنهاجها التي لا يصلح العباد والبلاد إلا عليها، فاختر للقضاء بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، وأجمعهم للعلم والحلم والورع ممن لا تضيق به الأمور، ولا تحكمه الخصوم، ولا يضجره عي العي، ولا يفرطه جور الظلوم، ولا تشرف نفسه على الطمع، ولا يدخل في إعجاب، يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، أوقفهم عند الشبهة، وآخذهم لنفسه بالحجة، وأقلهم تبرماً من تردد الحجج، وأصبرهم على كشف الأمور، وإيضاح الخصمين، ولا يزدهيه الإطراء، ولا يشليه(9) الإغراء، ولا يأخذ فيه التبليغ بأن يقال: قال فلان، وقال فلان، فول القضاء من كان كذلك. ثم أكثر تعاهد أمره وقضاياه، وأبسط عليه من البذل ما يستغني به عن الطمع، وتقل به حاجته إلى الناس، واجعل له منك منزلة لا يطمع فيها غيره حتى يأمن اغتيال الرجال إياه عندك، ولا يحابي أحداً للرجاء، ولا يصانعه لاستجلاب حسن الثناء، أحسن توقيره في مجلسك وقربه منك وأنفذ قضاياه وامضها، واجعل له أعواناً يختارهم لنفسه من أهل العلم والورع، واختر لأطرافك قضاة تجهد فيهم نفسك على قدر ذلك، ثم تفقد أمورهم وقضاياهم وما يعرض لهم من وجوه الأحكام. فلا يكن في حكمهم اختلاف، فإن ذلك ضياع للعدل وعورة في الدين وسبب للفرقة، وإنما يختلف القضاة لاكتفاء كل امرئ منهم برأيه دون الإمام فإذا اختلف القاضيان فليس لهما أن يقيما على اختلافهما في الحكم دون رفع ما اختلفا فيه من ذلك إلى الإمام، وكل ما اختلف فيه الناس، فمردود إليه ولا قوة إلا بالله(10). |
|
ذكر ما ينبغي أن ينظر فيه من أمور عماله |
|
انظر في أمور عمالك الذين تستعمل، فليكن استعمالك إياهم اختياراً، ولا يكونن محاباةً ولا إيثاراً، فإن الأثرة بالأعمال والمحاباة بها جماع من شعب الجور والخيانة لله، وإدخال الضرر على الناس، وليست تصلح أمور الناس ولا أمور الولاة إلا بإصلاح من يستعينون به على أمورهم، ويختارونه لكفاية ما غاب عنهم فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعفة والعلم بالسياسة، والصق بذوي التجربة، والعقول والحياء من أهل البيوتات الصالحة أهل الدين والورع فإنهم أكرم الناس أخلاقاً وأشد لأنفسهم صوناً وإصلاحاً، وأقل من المطامع إشرافاً، وأحسن في عواقب الأمور نظراً من غيرهم، فليكونن عمالك وأعوانك. ولا تستعمل إلا شيعتك، ثم أسبغ عليهم العمالات، وأوسع عليهم الأرزاق فإن ذلك يزيدهم قوة على استصلاح أنفسهم وغنى من تناول ما تحت أيديهم وهو مع ذلك حجة لك عليهم في شيء إن خالفوا فيه أمرك وتناولوا من أمانتك ثم لا تدع مع ذلك تفقد أعمالهم وبعثة العيون عليهم من أهل الأمانة والصدق فإن ذلك يزيدهم جداً في العمارة، ورفقاً بالرعية وكفّاً عن الظلم وتحفظاً من الأعواز مع ما للرعية في ذلك من القوة. واحذر أن تستعمل أهل التكبر والتجبر والنخوة ومن يحب الإطراء والثناء والذكر، ويطلب شرف الدنيا، ولا شرف إلا بالتقوى، وإن وجدت أحداً من عمالك بسط يده إلى خيانة أو ركب فجوراً اجتمعت لك به عليه أخبار عيونك من سوء ثناء رعيتك اكتفيت بها شاهداً، وبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم بمن نصبته للناس فوسمته بالخيانة وقلّدته عار التهمة، فإن ذلك تنكيل وعظة لغيره إن شاء الله تعالى(11). |
|
ذكر ما ينبغي تعاهده من أهل الخراج |
|
تعاهد أهل الخراج، وانظر كل ما يصلحهم، فإن في مصالحهم صلاح من سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأنهم الثمال دون غيرهم والناس عيال عليهم. وليكن نظرك في عمارة أرضهم، وصلاح معاشهم أشد من نظرك في زجاء خراجهم، فإن الزجاء لا يكون إلا بالعمارة، ومن يطلب الزجاء بغير العمارة يخرب البلاد ويهلك العباد ولا يقيم ذلك إلا قليلاً. ولكن اجمع أهل الخراج من كل بلد، ثم مرهم فليعلموك حال بلادهم والذي فيه صلاحهم، وصلاح أرضهم وزجاء خراجهم، ثم سل عما يدفعون إليك أهل العلم من غيرهم، فإن شكوا إليك ثقل خراجهم أو علة دخلت عليهم من انقطاع ماء أو فساد أرض علت عليها غرق أو عطش أو آفة مجحفة خففت عنهم ما ترجو أن يصلح الله به ما كان من ذلك، وأمرت بالمعونة على استصلاح ما كان من أمورهم مما لا يقوون عليه، لأن الله جاعل لك في عاقبة الاستصلاح غبطةً وثواباً إن شاء الله فاكفهم مؤنة ما كان من ذلك، ولا تثقلن شيء خففته عنهم، وإن احتملته من المؤونات، فإنما هو ذخر لك عندهم يقوون به على عمارة بلادك وتزيين ملكك مع ما يحسن الله به من ذكرك. ويستجمهم(12) به لغدك، ثم تكون مع ذلك بما ترى من عمارة أرضهم، وزجاء خراجهم، وظهور مودتهم وحسن نياتهم واستفاضة الخير فيهم أقر عيناً وأعظم غبطة وأحسن ذخراً منك بما كنت مستخرجاً منهم بالكد والإجحاف، فإن حزنك أمر تحتاج فيه إلى الاعتماد عليهم وجدت معتمداً بفضل قوتهم على ما تريد بما ذخرت فيهم من الجمام وكانت مودتهم لك، وحسن ظنهم وثقتهم بما عودتهم من عدلك ورفقك مع معرفتهم بقدرك فيما حدث من الأمور قوة لهم يحتملون بها ما كلفتهم، ويطيبون بها نفساً بما حملتهم، فإن العمل يحتمل بإذن الله ما حملت عليه، وعمران البلاد أنفع من عمران الخزائن، لأن مادة عمران الخزائن إنما تكون من عمران البلاد. وإذا خربت البلاد انقطعت مادة الخزائن فخربت بخراب الأرض، وإنما يؤتى خراب الأرض وهلاك أهلها من إسراف أنفس الولاة في الجمع، سوء ظنهم بالمدة، وقلة انتفاعهم بالغير ليس بهم إلا أن يكونوا يعرفون (أنّ) التخفيف، واستجمامهم بذلك في العام للعام القابل، والإنفاق على ما ينبغي الإنفاق عليهم منها ما هو أزجى لخراجها، وأحسن لأثرهم فيها، ولكنهم يقولون يقول القائل لهم لا تؤخروا جباية العام إلى قابل كأنكم واثقون بالبقاء إلى قابل، ولكفى عجباً برأيهم في ذلك، وبرأي من يزينه لهم، فما الوالي إلا على إحدى منزلتين، إما أن يبقى إلى قابل فيكون قد أصلح الأرض، واستصلح رعيته فرأى حسناً في عاقبة أثره في ذلك ما تقرّ به عينه، ويكثر به سروره، وتقل به همومه، ويستوجب به حسن الثواب على ربه. وأما أن تنقطع مدته قبل القابل فهو إلى ما عمل به من صلاح وإحسان أحوج والثناء عليه والدعاء له أكثر والثواب له عند الله أفضل، وإن جمع لغيره في الخزائن ما أخرب به البلاد، وأهلك به الرعية صار مرتهناً لغيره، والإثم فيه عليه، وليس تبقى من أمور الولاة إلا ذكرهم، وليس يذكرون إلا بسيرهم وآثارهم حسنة كانت أم قبيحة. فأما الأموال فلا بد من أن يؤتى عليها فيكون نفعها لغيره، أو لنائبة من نوائب الدهر تأتي عليها فتكون حسرة على أهلها، وإن أحببت أن تعرف عواقب الإحسان والإساءة وضياع العقول من ذلك فانظر في أمور من مضى من صالح العمال والولاة وشرارهم، وهل تجد منهم أحداً ممن حسنت في الناس سيرته، وخفت عليهم مؤونته إذا سخط بإعطاء حق نفسه أضر به ذلك في شدة ملكه، أو في لذّات بدنه، أو في حسن ذكره في الناس، وهل تجد أحداً ممن ساءت في الناس سيرته واشتدت عليهم مؤونته كان له بذلك من العز في ملكه، مثل ما دخل عليه من النقــص به في دنياه وآخرته، فلا تنظر إلى ما تجمع من الأموال، ولكن انظر إلــى ما تجمع من الخيرات، وتعمل من الحسنات، فإن المحسن معان، والله ولي التوفيق، والهادي إلى الصواب(13). |
|
ذكر ما ينبغي أن ينظر فيه من أمور كتـّابه |
|
انظر كتّابك، فاعرف حال كل امرئ منهم فيم يحتاج إليه منه، فإن للكتاب منازل، ولكل منزلة فيها حق من الأدب، لا يحتمله غيره، فاجعل لولاية عليا أمورك منهم رؤساء تتخيرهم لها على مبلغ كل امرئ منهم في احتمال ما توليه وول كتابة خواص رسائلك التي تدخل بها في مكيدتك، ومكنون سرك أجمعهم بوجوه صالح الأدب، وأعونهم لك على كل أمر من جلائل الأمور، وأجزلهم فيها رأياً، وأحسنهم فيها ديناً، وأوثقهم فيها نصحاً، وأطولهم عنك لمكنون الأسرار ممن لا تبطره الكرامة، ولا يزدهيه الألطاف، ولا تتجم به دالة يمنّ بها عليك في خلاء، أو يلتمس إظهارها في ملاء، وإصدار ما ورد عليه من كتب غيرك عن استعمال معرفة الصواب فيما يأخذ لك ويعطي منك، ولا يضعف عقدة عقدها لك ولا يعجز عن إطلاق عقدة عقدت عليك، ولا يجهل في ذلك معرفة نفسه، ومبلغ قدره في الأمور، فإنه من جهل قدر نفسه كان بقدر غيره أجهل، وولى ما دون ذلك من كتابة رسائلك وخراجك ودواوين جنودك كتاباً تجهد نفسك في اختيارهم فإنها رؤوس أعمالك وأجمعها (لنفعك ولنفع) رعيتك، فلا يكونن اختيارك ولاتها على فراستك فيهم ولا على حسن الظن منك بهم، فإنه ليس شيء أكثر اختلافاً لفراسة أولي الأمر ولا خلافاً لحسن ظنونهم من كثير من الرجال، ولكن اخترهم على آثارهم فيما ولوا قبلك، فإن ذلك من صالح ما يستدل به الناس بعضهم على أمور بعض. واجعل لرأس كل أمر من تلك الأمور رئيساً من أهل الأمانة والرأي، ممن لا يقهره كبير الأمور، ولا يضيع لديه صغيرها، (ثم لا تدع مع ذلك) أن تتفقد أمورهم وتنظر في أعمالهم، وتتلطف في مسألة من غاب عنك من أحوالهم، حتى تعلم كيف معاملتهم الناس فيما وليتهم؟ فإن في كثير من الكتاب شعبة من العز ونخوة وإعجاباً وتسرعاً كثيراً من التبرم بالناس والضجر عند المنازعة والضيق عند المراجعة، ولا بد للناس من طلب حاجاتهم، فمتى جمعوا عليهم الإبطاء بها والغلظة، ألزموك عيب ذلك، وأدخلوا مؤونته عليك، وفي النظر في ذلك من إصلاح أمورك مع ما لك عند الله من الجزاء حظ عظيم إن شاء الله تعالى(14). |
|
ذكر ما ينبغي للوالي أن ينظر فيه من أمر طبقة التجار والصنايع |
|
أنظر إلى التجار وأهل الصناعات، واستوص بهم خيراً، فإنهم مادة للناس ينتفعون بصناعاتهم، ومما يجلبون إليهم من منافعهم ومرافقهم في البر والبحر ومن رؤوس الجبال وبلدان مملكة العدو، وحيث لا يعرف أكثر الناس مواضع ما يحتاجون إليه من ذلك، ولا يطيقون الإيثار به بأنفسهم، فلهم بذلك حق وحرمة يجب حفظهما لهم، فتفقد أمورهم، واكتب إلى عمالك فيهم، واعلم مع ذلك أن في كثير منهم شحاً قبيحاً وحرصاً شديداً واحتكاراً للتربص والغلاء، والتضييق على الناس والتحكم عليهم، وفي ذلك مضرة عظيمة على الناس، وعيب على الولاة، فامنعهم من ذلك وتقدم إليهم فيه، فمن خالف أمرك فخذ يدك فوق يده بالعقوبة الموجعة، إن شاء أو أبى(15). |
|
ذكر ما ينبغي للوالي أن ينظر فيه من أمور أهل الفقر والمسكنة |
|
ولا تضيعن أمور الطائفة الأخرى من المساكين وذوي الحاجات، وأن تجعل لهم قسماً من مال الله يقسم فيهم مع الحق المفروض الذي جعل الله لهم في كتابه من الصدقات، وفرق ذلك في أعمالك، فليس أهل موضع أحق به من أهل موضع، بل لأقصاهم من الحق ما لأدناهم وكل قد استرعيت أمره. فلا يشغلنك عن تعاهد أمورهم النظر في أمر غيرهم، فإن لكل منك نصيباً لا تعذر بتضييعه، وتفقد حاجات مساكين الناس وفقرائهم ممن لا تصل إليك حاجته، وممن تقتحمه العيون، وتحقره الناس عن رفع حاجاته إليك وانصب لهم أوثق من عندك في نفسك نصيحة، وأعظمهم في الخير حسبه، وأشدهم لله تواضعاً، ممن لا يحقر الضعفاء ولا يستشرف العظماء، ومرهم فليرفعوا إليك أمورهم، ثم انظر فيها نظراً حسناً، فإن هزيل الرعية أحوج إلى الإنصاف والتعاهد من ذوي السمانة، وتعاهد أهل الزمانة والبلاء وأهل اليتم والضعف وذوي الستر من أهل الفقر الذين لا ينصبون أنفسهم لمسألة يعتمدون عليها. فاجعل لهم من مال الله نصيباً تريد بذلك وجه الله والقربة إليه، فإن الأعمال إنما تخلص بصدق النيات(16). |
|
ذكر ما ينبغي أن يأخذ الوالي به نفسه في الأدب وحسن السيرة |
|
ولابد وان اجتهدت في إعطاء كل ذي حق حقه، أن تتطلع أنفس طوائف منهم إلى مشافهتك بالحاجات، وذلك على الولاة ثقل ومؤونة، والحق ثقيل إلا على من خففه الله عليه، ولذلك ثقل ثوابه في الميزان. فاجعل لذوي الحاجات (من نفسك قسماً) ووقتاً تأذن لهم فيه، وتتسع لما يرفعونه إليك، وتلين لهم جناحك، وتحتمل خرق ذوي الخرق منهم وعي أهل العي فيهم بلا أنفة منك ولا ضجر، فمن أعطيت منهم فأعطه هنيئاً، ومن حرمت منهم فامنعه بإجمال وحسن رد، وليس من شيء أضيع لأمور الولاة من التواني واغتنام تأخير يوم إلى يوم وساعة إلى ساعة، والتشاغل بما لا يلزم عما يلزم، فاجعل لكل شيء تنظر فيه وقتاً لا يقصر به عنه ثم أفرغ فيه مجهودك(17). |
|
جعل بعض الوقت لله تعالى |
|
وامض لكل يوم عمله، وأعط لكل ساعة قسطها، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت، وان كانت كلها لله إذا صحت نيتك، ولا تقدم شيئاً على فرائض دينك في ليل ولا في نهار حتى تؤدي ذلك كاملاً موفراً، ولا تطل الاحتجاب، فإن ذلك باب من سوء الظن بك وداعية إلى فساد الأمور عليك والناس بشر لا يعرفون ما غاب عنهم، وتخيّر حجابك، واقص منهم كل ذي أثرة على الناس وتطاول وقلة إنصاف، ولا تقطع أحداً من حشمك، ولا من أهلك ضيعة، ولا تأذن لهم في اتخاذها إذا كان يضر فيها بمن يليه من الناس، ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك، فإن في الصلح دعة للجنود، ورخاء للمهموم وأمناً للبلاد، فإن أمكنتك القدرة والفرصة من عدوك فانبذ عهده إليه، واستعن بالله، وكن أشد ما تكون لعدوك حذراً عندما يدعوك إلى الصلح، فإن ذلك ربما كان مكراً وخديعة. وإذا عاهدت فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة والصدق. وإياك والغدر بعهد الله والاخفار لذمته، فإن الله جعل عهده أماناً أمضاه بين العباد برحمته، والصبر على ضيق ترجو انفراجه خير من غدر تخاف أوزاره وتبعته وسوء عاقبته. وإياك والتسرع إلى سفك الدماء لغير حلها، فإنه ليس شيء أعظم من ذلك تباعة ولا تطلبن تقوية ملك زائل لا تدري ما حظك من بقائه وبقائك له بهلاك نفسك، والتعرض لسخط ربك. إياك والإعجاب بنفسك والثقة بها، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه إياك. إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، والتواني فيها قبل أبانها وزمانها وإمكانها، واللجاجة فيها إذا تنكرت، والوهن إذا تبينت، فإن لكل أمر موضعاً ولكل حالة حالاً(18).
|
|
1 ـ الأخدان: جمع خدن وهو الصديق. 2 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص142. 3 ـ السؤر: بقية الشيء. 4 ـ في الطبعة الحجرية: سخاء، وما أثبتناه من المصدر. 5 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص144. 6 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص146. 7 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص149. 8 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص149. 9 ـ أشلى الكلب على الصيد: أغراه به ودعاه إليه وأطمعه به وحثه عليه، (لسان العرب: ج14، ص443). 10 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص151. 11 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص152. 12 ـ الجمام: الراحة، (لسان العرب: ج12، ص154). 13 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص153. 14 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص156. 15 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص157. 16 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص158. 17 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص158. 18 ـ مستدرك الوسائل: ج13، ص159. |