الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

معطيات السلام

إن السلام يصل بصاحبه إلى النتيجة الأحسن، والمسالمون يبقون سالمين مهما كان لهم من الأعداء، وحتى إذا عثر بهم الزمان وسقطوا فإن السقوط يكون وقتياً فالقائمون بالحركة إذا أحاطوا أنفسهم بجو من السلام أمنوا أعدائهم أولاً فلا يتمكنون من القضاء عليهم، وثانياً إذا تمكن الأعداء منهم فسيكون تمكنهم وقتياً وينتهي الأمر بتقدم المسالمين.

ولذا نرى أن الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام كانوا يجنحون دائماً إلى السلام. وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسالم أعداءه حتى عندما كان في أعلى درجات قدرته، وحروب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت دفاعية كما ثبت في التاريخ، ولم يبتدئ الرسول بالحرب أبداً، وكان إذا حارب اتصفت حربه بالسلام في أغلب شؤونها إلا القدر المضطر إليه، ولذا تقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك التقدم الهائل، وإلى اليوم لا زال (صلى الله عليه وآله) في تقدم مطرد، وما من يوم إلا ويزداد فيه عدد المسلمين بالرغم مما واجهته الدولة الإسلامية من اليوم الأول الذي أقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله) والى هذا اليوم، من الكيد والمكر وما أشبه.

وكذلك علي (عليه السلام)، فإنه قد جنح إلى أبعد حد في إحلال السلام، وهو لم يحارب أهل الجمل وإنما هم الذين حاربوه، وبمجرد أن انتهت الحرب عامل الإمام (عليه السلام) البقية معاملة الأصدقاء والأخوة وكأن شيئاً لم يكن، وهكذا حرب النهروان، فالخوارج هم الذين حاربوا الإمام، وأشاعوا الدعايات، وواجهوه بالسب، حـــتى أن الإمام قال كلمة جميلة بالمناسبة (وردت في نهج البلاغة)، وكان حول الإمام أصحابه وهنالك خارجي يسمع كلام الإمام، فعلق على كلام الإمام بقوله: (قاتله الله من كافر ما أفقهه) يعني: علي كافر لكنه كثير الفقه! فأراد أصحاب الإمام تأديب ذلك الخارجي، فقال الإمام: (دعوه، فإنما هو سبّ بسبّ أو عفو من ذنب وأنا أولى بالعفو)(1)، يعني أنه سبني فجاز أن أسبه أو أعفو عنه لكني أولى بالثاني، وعفا عنه.

وقد تمكن الإمام (عليه السلام) أن يسيطر على حركة الخوارج ـ التي كانت حركة منحرفة ـ بلينه ومرونته.

وقد ورد في التاريخ أن الإمام (عليه السلام) حين انتهت حرب الخوارج عفا عن بقيتهم فلم يسجنهم ولم يجازهم بأي جزاء آخر، إنما كانوا في الكوفة وغيرها ينتقصون من الإمام والإمام ساكت عنهم، فقد كان يعلم أن المسالم هو الذي يتقدم، وفي قضايا متعددة كانوا يضغطون على الإمام بمختلف أنواع الضغوط، مثلاً يحضرون المسجد ولا يصلون معه الجماعة، وقد قرأ خارجي هذه الآية أمام الإمام معرّضاً به والإمام في صلاته: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك) يريد بذلك أن الإمام مشرك وقد حبط عمله، ورغم ذلك عفا الإمام عنه.

وهكذا كان الإمام يصبر على النقد، حتى النقد الظالم وكان يصبر على الضغط، حتى إذا كان الضغط من أناس منحرفين، لأنه كان يعرف أن السلام أحمد عاقبة، وأن المسالم هو الذي يبقى، كما نرى ذلك بالفعل، حيث بقي الإمام (عليه السلام) منذ ألف وأربعمائة سنة، وسيبقى على طول التاريخ علماً هادياً مهما تغيرت الظروف.

وفي حرب صفين وهي أشد الحروب ضد الإمام (عليه السلام) ورد في التاريخ أنه (عليه السلام) كان إذا ظفر بجندي من جنود معاوية استحلفه ألا يساعد معاوية، فإذا به (عليه السلام) يتركه وشأنه!

فهل يوجد مثل هذا الشيء في التاريخ ـ إلا في تاريخ الأئمة والأنبياء والمصلحين العظام الذين اتبعوا آثارهم ـ ؟

ولكل ذلك نرى أن الإمام ظل كالطود الشامخ، رغم أن بني أمية ضغطوا عليه ولعنوه على سبعين ألف منبر ما يقارب مائة سنة، ورغم أن بني العباس وجهوا إليه ضغوطاً ظالمة، من جملتها قصة المتوكل الذي كــان يحارب الإمام ويسبه ويقتل أولاده ويسجنهم، وقد حرث المتوكل قبر الحسين (عليه السلام)، وهدم كربلاء مرتين كما في التاريخ، وكان يأتي برجل يسمى (عبادة المخنث) فكان يدخل الوسادة بين ثوبه وبطنه ثم كان يمشي في المجلس ويشبّه نفسه بعلي (عليه السلام) ويقول: (أنا الأنزع البطين، أنا أمير المؤمنين) ساخراً من الإمام (عليه السلام) والحاضرون في المجلس يضحكون.

ولكن ماذا كانت العاقبة؟ إن هؤلاء أساءوا إلى أنفسهم ولم يسيئوا إلى الإمام ـ إلا في الظاهر ـ وقد قال الإمام (عليه السلام) ذات مرة: (ما أحسنت إلى أحد ولم يسئ إلي أحد)(2)!

قيل يا أمير المؤمنين: قد أحسنت كثيراً وأساءوا إليك كثيراً.

قال (عليه السلام): ألم تسمع قول الله تعالى: (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها)(3). فإني أحسنت إلى نفسي بإحساني إلى غيري، والناس أساءوا إلى أنفسهم بإساءتهم إلي.

وعلى أي حال فإن هؤلاء الذين ضغطوا على الإمام (عليه السلام) من بني أمية ومن بني العباس وأضرابهم إنما أساؤوا إلى أنفسهم، فقد قتل وقطّع المتوكل ووزيره (الفتح ابن خاقان) إرباً إرباً من جراء أمثال هذه الأعمال، وكذلك بالنسبة إلى من سبقه ومن لحقه، والإمام باق كالجبل الراسخ، وكالشمس المضيئة، يستنير بنوره أكثر من ألف مليون إنسان في العالم.

إن كل ذلك كان بسبب طبيعة حركة الإمام وسلمه الذي اتخذه شعاراً في حياته الشخصية وحياته العائلية وحياته الاجتماعية.

وفي الحديث أن ابن ملجم لما ضرب الإمام (عليه السلام) قال له الإمام (عليه السلام): ألم أحسن إليك، ألم أزد في عطائك؟ فهو (عليه السلام) مع علمه بأن ابن ملجم يقتله ـ لإخبار رسول الله إياه بذلك ـ كان قد زاد في عطائه وأحسن إليه.

وبعد أن ضربه ابن ملجم كان الإمام يأمر بمداراته، وكان إذا شرب اللبن أبقى شيئاً منه وقال: (أطعموا أسيركم) وقد قال الإمام (عليه السلام) لأولاده: (إن شفيت من ضربته هذه فأنا أعفو عنه، وإن لم أشف فلكم حق القصاص، ولا تمثلوا بالرجل، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تمثلوا ولو بالكلب العقور)(4) لكنه (عليه السلام) حبذ إليهم العفو عنه.

وهكذا ذهب معاوية.. واندثر الخوارج.. وانتهى أصحاب الجمل.. وسقط هارون والمتوكل والمأمون وأمثالهم الذين كانوا يعادون الإمام (عليه السلام) . ذهبوا كلهم وبقي الإمام (عليه السلام) منارة مشعة للسائرين.

إذن، الحركة الإسلامية التي تريد النهوض لأجل إقامة حكومة ألف مليون مسلم عليها أن تتخذ السلام شعاراً عملياً حتى تتمكن من استقطاب الناس ومن دفع الأعداء، ولو فرض أن الحركة سقطت أو تعثرت فلا بد أن تقوم بعد عثرتها، ولأن من طبيعة الناس الانتصار للمسالمين، والانتقام من المحاربين، فإذا جعلت الحركة الإسلامية السلام شعاراً واقعياً ـ لا دعائياً فقط ـ في القول والعمل والفكر والتأليف والخطابة والاجتماع، فإنها تتمكن من التوسع حتى تشمل كافة بلاد الإسلام وتكون مقدمة لإقامة حكومة ألف مليون مسلم.

الاتزان يقود إلى السلام

لا يكون السلام، ولا يتحقق في الواقع الخارجي، إلا إذا كان تفكير الإنسان تفكيراً متزناً وعمله عملاً متزناً بعيداً عن المراهنات وعن الاعتباطات وعن الإفراطات والتفريطات.

أما أن يرى الإنسان كل خير وفضيلة في نفسه ومجموعته، ويرى الآخرين مجردين عن الفضيلة، بل ويراهم منغمسين في الرذيلة. فهذا الفكر لا بد أن ينتهي إلى غير السلام.. إلى العداوة، البغضاء، الشنآن، الهمز، اللمز... ومن المعروف أن ثلاثة أشياء قليلها كثير وحقيرها كبير: النار والعداوة والمرض، فعود ثقاب صغير يحرق مخزناً من الخشب فيه عشرات الأطنان، وربما ينتهي مرض صغير بصاحبه إلى الموت، وربما أدت عداوة صغيرة ناشئة من كلمة نابية أو شبهها إلى سفك الدماء.

وقد ذكر المؤرخون أن حرباً كان ابتداؤها أن رجلاً من قبيلة رمى سهماً إلى ضرع ناقة من قبيلة أخرى، فقتل صاحب الناقة ذلك الرامي، ثم قتلت عشيرة الرامي صاحب الناقة ثأراً لصاحبهم، وهكذا دواليك.. والشاعر يقول: (ومعظم النار من مستصغر الشرر) .

ولذا فعلى الإنسان أن يفكر تفكيراً موزوناً حتى ينتهي إلى العمل الموزون، أما أن يفكر تفكيراً إفراطياً أو تفريطياً، فإن ذلك لا ينتهي إلا إلى العمل المنحرف، ثم العداوة والبغضاء.

وهكذا يجب على الإنسان إذا أراد أن يقوم بحركة إسلامية عالمية تنتهي إلى حكومة ألف مليون مسلم أن يتخذ من السلام شعاراً ودثاراً في القول والعمل والتأليف والحركة وغير ذلك، وقد ألمع النبي عيسى (عليه السلام) إلى هذا الموضوع حيث قال ما معناه: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.

إن عيسى (عليه السلام) لا يريد أن يقول للمظلومين: اخنعوا للظالمين، وإنما يريد معنى آخر ألمع إليه القرآن الحكيم أيضاً حيث قال: (وأن تعفوا أقرب للتقوى)(5)، فعيسى (عليه السلام) أراد لأتباعه النجاح، واستقطاب الجماهير، ولذا علمهم السلام إلى هذا الحد، وقد نجح عيسى (عليه السلام)، فنرى اليوم أكثر من ألفي مليون إنسان يحترمون عيسى (عليه السلام)، ألف مليون هم المسيحيون وألف مليون هم المسلمون، وكذلك جماعات أخرى من عقلاء البشرية.

وفي حكمة أخرى مروية عن المسيح (عليه السلام) أنه مر مع جماعة من تلاميذه على بعض اليهود. فقالوا فيه شراً، فقال عيسى (عليه السلام) فيهم خيراً، وبطبيعة الحال قال فيهم الخير الصادق، فإن أغلب الأفراد لهم خير من جهة ما.

فقيل له: يا روح الله! يقولون فيك شراً وتقول فيهم خيراً؟

فقال: كل ينفق مما عنده.

يعني: من ينطوي على السوء، يتلفظ بالسوء ومن ينطوي على الخير ينفق منه، فكما أن الإنسان الفاقد للدينار لا يتمكن أن يعطي ديناراً، والواجد للدينار يتمكن أن يعطي ديناراً، والذي لا يملك غير عقرب مسموم لا يتمكن أن يعطي إلا عقرباً..

كذلك المنطوي على الخير أو الشر، فالنظر، السماع، اللفظ، الكتابة وما أشبه، إذا كانت منبعثة من قلب مليء بالخير والرحمة كان فيها الخير والرحمة، وبالعكس إذا كان القلب مليئاً بالشر والكذب وما أشبه، فإن اللسان وسائر الجوارح لا تعطي إلا من ذلك القلب. وهكذا علمنا عيسى (عليه السلام) إنه إن لم يكن الطرف الآخر من أهل الخير، فكن أنت من أهل الخير.

وقد جاء في دعاء شهر رجب: (يا من أرجوه لكل خير، وآمن سخطه عند كل شر، يا من يعطي الكثير بالقليل، يا من يعطي من سأله، يا من يعطي من لم يسأله ومن لم يعرفه، تحنناً منه ورحمة)(6).

إن الله يعطي المؤمنين، ويعطي الذين لا يعرفونه ولا يعاودونه، ويعطي حتى للذين يعادونه.

وفي القرآن الكريم إشارة إلى ذلك حيث يقول الله تعالى: (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك)(7)، الله يعطي المؤمن ويعطي المستضعف الذي لا يعرفه ولا يعاديه، ويعطي الكافر المناوئ له.

فإذا أردنا أن نتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى يجب أن نكون متزنين في التفكير ومتزنين في العمل، لا أن نرفع أصدقاءنا إلى أعلى عليين، ونسكت ونغمض العين عن الحياديين، فكيف بالأعــداء؟ كل شيء يجب أن يكون موزوناً، ومن فوائد الإنسان المتزن في تفكيره وفي عمله أن الناس يرضون به حكماً ويلتفون حوله.

إن هذا الأمر يحتاج إلى ضغط على الأعصاب وتحمل للنقد وكلاهما صعب، لكن الأمر الصعب يأتي بالنتيجة الطيبة.

وقد جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ حيث رأى فاطمة (عليها السلام) تكدح وتتعب ـ أنه قال لها: (يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة)(8). إن الصعوبات لا تعطي إلا النتيجة الطيبة.

إن أي مهندس أو طبيب أو محام أو رياضي أو فقيه أو خطيب بارع أو مؤلف قدير لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بالتعب والنصب، وكذلك إذا أردنا أن نصل إلى حكومة ألف مليون مسلم بإذن الله تعالى.

فإن ذلك يحتاج إلى ضبط الأعصاب والاتزان في الفكر وتحمل النقد وحسن الإقناع للناس بعيداً عن كل أنواع الاستبداد والديكتاتورية وما أشبه.

فإن الاستبداد والديكتاتورية والإفراط في التفكير وفي العمل وفي القول وفي الأجهزة الإدارية لا تنتهي إلا إلى نتائج سيئة، إذ السيئ لا ينتهي إلا إلى السيئ.

وفي الحديث أن عيسى (عليه السلام) مر على قتيل، فقال: من قتلك؟ ويأتي يوم يقتلون قاتلك. وطبعاً هذا الأمر على نحو القضية الطبيعية، فإن الإنسان الذي يقتل شخصاً بغير ذنب يأتي يوم يقتل فيه هو.

وفي حديث: بشر القاتل بالقتل والزاني بالفقر.

فمن شروط الحركة الإسلامية العامة اتخاذ السلام من هذه الجهة أيضاً، أي من جهة الاتزان في الفكر والعمل وإعطاء كل شيء حقه، وفي القرآن الحكيم: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)(9)، يعني إنك إن ألفت كتاباً واحداً فمدحت نفسك، وألف غيرك عشرة كتب جيدة، ولم تمدحه بقدر كتابك، فإن جزاءك الطبيعي أن تتأخر في الحياة، بالإضافة إلى أن الناس ينفضون من حولك ويعرفونك بالإفراط والتفريط.

ولذا اشتهر عند علمائنا أن مرجع التقليد وإمام الجماعة والقاضي يجب أن يكونوا بعيدين عن (الحب) و(البغض): يريدون بذلك الحب والبغض الاعتباطيين.

وقد ذكرنا سابقاً: أن رجلاً قال للشيخ المرتضى الأنصاري معرّضاً به: (إن من السهل أن يصبح الإنسان عالماً، ولكن من المحال أن يصبح إنساناً) ! يريد أن يقول: أنت أيها الشيخ عالم وهذا سهل، ولست بإنسان وأن تكون إنسانا محال، فقال الشيخ: (بل أن يصبح الإنسان عالماً صعب، وأن يصبح إنساناً أصعب) .

وهذه حقيقة، لأن الفرد يحب أن يجاهد خمسين سنة أو ستين سنة ليله ونهاره، ليصبح عالماً. أما إذا أراد أن يصبح إنساناً فيحتاج إلى جهاد أعمق، لكي يحقق هدفه.

مقومات السلام داخل الحركة

السلام في داخل الحركة يتطلب وجود أمرين إذا لم يوجدا لا تنتهي الحركة إلى مفعول جيد، وإنما تبقى الحركة ضحلة ضعيفة، ككثير من الحركات التي سادت ثم بادت، لأنها لم تكن لها مقومات الحركة الواقعية، سواء في عالمنا الإسلامي أو في غيره، ولذا فالواجب على الحركة أن تراعي هذين الأمرين من بدء تكوينها لكي تنتهي إلى الهدف المنشود، وهذان الأمران هما:

أولاً: الانتخابات الحرة في داخل الحركة .

ثانياً: تكافؤ القوى في داخل الحركة.

إن الحركة تنقسم بشكل طبيعي إلى خطوط ـ وهذا أمر طبيعي ـ وهذه الخطوط يجب أن يكون بينها التكافؤ والتوازي والتساوي، حتى لا تتمكن فئة من الفئات أن تسيطر على الحركة وتحرفها من الواقعية إلى الديكتاتورية، فإن الحركة بمجرد أن تتسلط عليها فئة تنتقل من الواقعية إلى الديكتاتورية، وذلك يعني موت الحركة، وحتى لو بقت سيكون بقاؤها صورياً.

لقد كانت في العراق قبل الانقلابات العسكرية الغربية، وفي أيام الملكيين أحزاب، سواء منها ما يسمى بالأحزاب الوطنية والتقدمية وما يسمى بالأحزاب الإسلامية كلها سقطت، إنها من أول أمرها كانت تتسلط عليها فئة استعمارية أو مستبدة تأخذ زمام الحركة، فلا انتخابات حرة ولا كفاءات ولا توزيع قدرة، وإن كان الاستعمار البريطاني مسيطراً في ذلك اليوم أيضاً، لكن الاستعمار لم يكن بهذه الشدة وبهذه الحدة التي جاء بها من أسموا أنفسهم بالجمهوريين، ولم يكونوا جمهوريين، لا عبد الكريم ولا عبد السلام، ولا أخوه، ولا البكر، ولا من بعده، وإنما هم عملاء لبريطانيا وإسرائيل وأمريكا.

وهذا الأمر فيه عبرة لنا، فالحركة الإسلامية يجب أن يكون فيها قدرات وقوى متكافئة ومتقابلة ومتنافسة، لكن تتنافس على الخير لا على الشر، على الهمة في العمل، على استقطاب الجماهير، على رفع المستويات، وكما قال الله سبحانه وتعالى في ثلاث آيات من القرآن الحكيم حيث يذكر التنافس بين المؤمنين، آية تقول: ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)(10)، وفي آية أخرى: (سارعوا إلى مغفرة من ربكم)(11)، وفي آية ثالثة: (استبقوا الخيرات)(12).

وعلى كل حال، فاللازم في الحركة الإسلامية مراعاة السلام بين فئات الحركة، فإذا كانت هناك ديكتاتورية مسيطرة على الحركة لم يكن هناك سلام، فإن السلام من ولائد القدرات المتكافئة، أما إذا كانت فئة ديكتاتورية متسلطة على الحركة لا تتبدل ولا تتغير ولا تتمكن الحركة من تغييرها، فإن هذه الفئة تستبد بالمال، بالسمعة بالإرادة، بالفكر.. وما أسهل أن يأتي الاستعمار ويأخذ بزمام الديكتاتوريين، لأن الجماهير ليست في الساحة، وإنما أربعة أو خمسة أو عشرة فقط هم الموجودون. أما إذا كانت الحركة جماهيرية فالاستعمار لا يتمكن من القبض على زمام الجماهير.

إذن فاللازم في الحركة مراعاة أمرين:

الأمر الأول: الأجنحة الحرة والقوى المتكافئة والجماعات المختلفة ذات الاتجاهات المتعددة، وإن كان الإطار واحداً، وهو الحركة الجماهيرية الإسلامية، لكن الأذواق مختلفة بطبيعة الحال، فكل له الحق في أن يعرض رأيه في كمال الحرية، في الخطابة، في الكتابة، في الاجتماعات، في الأسفار، وفي غير ذلك، هذه قوة، وتلك قوة في قبالها قوة ثالثة ورابعة وهكذا، حتى تكون القوى المتكافئة باعثة لظهور الكفاءات، وأن يعمل كل إنسان حسب اجتهاده، كما نرى ذلك حتى في الفقهاء المجتهدين، فإن الإطار هو الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومع ذلك يختلفون في جزئيات المسائل من كتاب الطهارة إلى كتاب الديات.

وكذلك نرى ذلك في الأطباء والمهندسين، في الفلكيين، وفي مجالس الأمة الحرة أو شبه الحرة.

الأمر الثاني: الانتخابات الحرة في داخل الحركة: كل سنة أو سنتين أو ما أشبه ـ حسب قرار الأكثرية ـ وعلامة حرية الانتخابات التغيير الشامل من القمة إلى القاعدة، لا أن تكون الانتخابات مزيفة كما اعتادته بعض الدول وبعض الأحزاب وبعض المنظمات، حيث لا تغير الرؤوس وإنما تغير بعض الأشياء الصورية.

هذه علامة، وعلامة ثانية هي أن الأصوات تكون بين قليلة وكثيرة، كواحد وخمسين في المائة، وخمس وخمسين في المائة، وستين في المائة أو ما أشبه.

أما الانتخابات المزيفة التي نجدها في أمثال كثيرة ومن إليهم فنرى تسعة وتسعين صوتاً يعطى للرئيس السابق وصوت واحد أو أقل يكون نصيب منافسه، فإن هذا الانتخاب مزيف وكذب ودجل، ومثل هذه الانتخابات ليست إلا تكريساً للديكتاتورية، وقد ذكر أحد علماء السياسة: أنك إذا أردت أن ترى هل أن البلد حر أو ليس بحر فلك ميزانان:

الميزان الأول: أن ترى القيادة تتبدل كل أربعة أعوام ـ مثلاً ـ مرة، والميزان الثاني: إنك ترى الناس يتمكنون من التكلم بما يريدون في الشارع، وتأليف ما يريدون وإصدار المجلات والجرائد كما يريدون...

هاتان علامتان للحرية يجب أن نراعيهما في داخل إطار الحركة حتى تكون الحركة حرة بجميع معنى الكلمة، بشرط أن تكون الحرية ضمن الإطار الإسلامي.

وبذلك تأخذ الحركة في التوسع الدائم والتقدم المستمر وتكون هذه الحركة ملازمة للسلام، والسلام ملازماً لمثل هذه الحركة.

تلقين السلام

إن للتلقين أثراً كبيراً في داخل النفس، فالإنسان بطبيعته يغضب ويثور ويذكر معايب الآخرين، ويدخل مع الناس في صراع ونزاع وحقد وبغضاء وعداء ومقاطعة وما أشبه. فاللازم اجتثاث جذور هذه الأمور من قلب الإنسان ومن ثم من جوارحه، وذلك بالتلقين الدائم بأنه إنسان مسالم، حازم، عاقل، مفكر، مدبر، مدير، فإذا لقن نفسه بهذا التلقين في ليله ونهاره وشهره وسنته، فإنه يتطبع بطابـــع السلم، ويتمكن من التقديم بالحركة إلى الأمام ولو كان في جو مليء بالمناوآت والحروب والثورات والانقلابات وما أشبه.

وقد ورد في حديث: إن (أحق الأشياء بطول السجن اللسان)(13). فعلى الإنسان أن يتعود على حفظ لسانه وحفظ قلبه.

وفي حديث آخر: (إذا رأيتم المؤمن صموتاً فاقتربوا منه فإنه يُلقّن الحكمة)(14).

وكذلك يجب على الإنسان أن يكون حافظاً ليده، لقلمه، لحركته، لسكونه، ولكل شيء، حتى يتمكن من أن يقدم الأمة إلى الأمام. والذين يقولون: نحن عصبيون! لا نتحمل! أو إن فلاناً استخف برأينا! أو إننا رأيناه على الباطل فكيف نسكت عليه؟ وما أشبه، إن هؤلاء لا يتمكنون من تقديم الحركة إلى الإمام.

ولذا نرى في تاريخ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتاريخ الحركات الناجحة الكثير من هذا القبيل، فقد ورد في الحديث: أن رجلاً كافراً سيئ الخلق والعمل.. جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشتم الرسول (صلى الله عليه وآله)، والرسول في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فسكت عنه الرسول ولم يقل له شيئاً، وقد كان يريد التحرش بالرسول حتى يدخل معه في منازعة، ولكن الرسول تحلّم، ثم شتمه الرجل وشتمه، والرسول ساكت، وأخيراً أساء الأدب أكثر فبصق في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) .. ينقل الرجل نفسه يقول: إن محمداً (صلى الله عليه وآله) لم يزد على أن مسح البصاق عن وجهه الشريف ولم يقل شيئاً.

ما الذي دفع الرسول إلى هذا الفعل مع أنه كان متمكناً من أن يقابله بالمثل (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(15)، إنه رأى أن الدخول مع هذا الكافر في نزاع هو أمر جانبي لا يخدم الهدف، ولذا رجع إلى السلام وأخذ يسير في طريقه الذي رسمه له الله سبحانه وتعالى، وهكذا نجحت الحركة الإسلامية بفضل حلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصبره وسلامه.

يقول الشاعر: (ولن تستطيع الحلم حتى تحلما) .

يعني إنك وإن كان في نفسك ثورة فإنك لا تظهر هذه الثورة وإنما تتحلم وتصبر وتضغط على أعصابك حتى تتمكن من أن تكون مسالماً حتى في أشد حالات الهيجان والخصام.

وفي قصة أخرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر على آل ياسر ـ ياسر وسمية وعمار ـ والمشركون يعذبونهم تعذيباً شديداً، فنظر (صلى الله عليه وآله) إليهم بلطف وقال لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)(16) ولم يزد على هذا، لماذا؟ لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) عرف لو أنه أراد أن يدخل مع أولئك الكفار في قضية جانبية تفوته حركته الأساسية، ولا يصل إلى هدفه الذي كان يرمي إليه من إقامة عمود الإسلام.

وهكذا كان يتصف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه الأبرار وآله الأطهار بأكبر قدر من السلم والسلام، وضبط النفس، ضبط اللسان، ضبط اليد، ضبط الحركة، فتمكنوا بهذا السلام من التقدم.

وكذلك نرى بعض المصلحين الذين تمكنوا من إنقاذ بلادهم من الاستعمار أنهم كانوا قادرين على ضبط النفس، وقد كان أحدهم غير قادر على ذلك، وكان يتهيج لأقل استفزاز، ثم إنه أخذ يلقن نفسه كل يوم: إني رجل مسالم أحب الخير لكل الناس، ويقول: كل يوم حين كنت أستيقظ في أول الصباح كنت ألقن نفسي هذه الكلمة، وحين كنت أريد المنام ألقن نفسي هذه الكلمة أيضاً، وهكذا حتى استطاعت أعصابي أن تتحمل الضغط والإهانة وما أشبه.

ونحن نرى أن المسلم أيضاً يلقن نفسه في كل يوم السلام صباحاً، ظهراً، عصراً، مغرباً، عــشاءاً، وذلك في الصلوات الواجبة، حيث يكرر ذلك في كل صلاة فيقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) .

سلام للقائد وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسلام لنفس المصلي، وسلام للجميع، وهذه رموز عن سلم القائد، سلم الشخص، سلم المجتمع الإسلامي، بل وأكبر من المجتمع الإسلامي لأنه يقول السلام عليكم يعني كلكم كونوا في سلام.

وهكذا يلقن المسلم نفسه السلام كل يوم ما لا يقل عن خمسة عشرة مرة، فإذا تلقن الإنسان السلم فيتمكن من السلام، الذي يتمكن بسببه من القيادة والتقدم ويتمكن من: جمع الكلمة، وتحمل المصائب وعدم استفزاز الآخرين بالكلمة النابية، والهمز، واللمز، والطعن، واللعن، والسباب والمهاترة، وفي حديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى نفرين يتسابان فقال: (شيطانان يتهاتران)(17).

وعلى أي حال فاللازم على الحركة الإسلامية التي تريد أن تنتهي إلى حكومة إسلامية عالمية أن تأخذ الشعار والدثار: السلام. ولا يتسنى للحركة ذلك إلا بالتلقين الدائم، المداوم؛ بأننا أناس نحب السلام ونسعى للسلام، لا سلام الشيوعيين بطبيعة الحال، فإن هذا السلام سلام كفر وقتل، وإنما نحن نريد سلاماً في ظل السلام، ونقصد بكلمة فــي ظل السلام: في ظل الله سبحانه وتعالى، لأن من أسمائه السلام ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)(18).

نحن نريد السلام في ظل السلام، أي في ظل الله وفي ظل الإسلام.

فالواجب علينا أن نلقن أنفسنا السلام الدائم، والعطف حتى نحو الأعداء حتى نسحبهم إلى الصراط المستقيم، وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنه كان إذا اشتد به أذى قومه كان يقول: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون)(19)، ولم يكن يدعو الله عليهم، وإنما كان يدعو الله لهدايتهم، وبالنتيجة نجح رسول الله ذلك النجاح المنقطع النظير في كل العالم.

 

1 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم420.

2 ـ نهج البلاغة: الكتاب47.

3 ـ سورة الإسراء: الآية 7.

4 ـ البحار: ج 14 ص 287 ح 10.

5 ـ سورة البقرة: الآية 237.

6 ـ مفاتيح الجنان، أعمال شهر رجب.

7 ـ سورة الإسراء: الآية 20.

8 ـ بحار الأنوار: ج39، ص86، مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

9 ـ سورة الأعراف: الآية 85.

10 ـ سورة آل عمران: الآية 133.

11 ـ سورة البقرة: الآية 148.

12 ـ سورة المائدة: الآية 48.

13 ـ البحار: ج68 ص277 ح11.

14 ـ البحار:ج75 ص312 ح1.

15 ـ سورة البقرة: الآية 194.

16 ـ كنز العمال: ج11 ص728 ح33568.

17 ـ الغدير: ج11، ص91.

18 ـ سورة الحشر: الآية 23.

19 ـ كنز العمال: ج10 ص379 ح29883.