الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

السلام أساس قيام الحركة

شعار الإسلام هو السلام، ولذا إذا التقى المسلم بآخر قال له: (السلام عليكم) ويجيب (عليكم السلام) وكما يبتدئ بالسلام على أخيه، كذلك حين يختم زيارته.. ويسمى بسلام الوداع، فإذا أراد الزائر أن ينصرف يقول: (السلام عليكم) أيضاً أو (عليكم السلام) فالإسلام دين السلام، ولذا يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: (ادخلوا في السلم كافةً)(1).

وليست الحرب والمقاطعة وأساليب العنف إلا وسائل اضطرارية شاذة، على خلاف الأصول الأولية الإسلامية، حالها حال الاضطرار لأكل الميتة وما أشبه، فالأصل هو السلام، ولذا تقدر الحرب بقدرها في الإسلام، ومع ذلك يقول تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(2). ثم في مكان آخر يقول: (وأن تعفوا أقرب للتقوى)(3).

وكذلك كانت السيرة النبوية وسيرة فاطمة البتول والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، فكان السلام شعاراً لهم في كل شؤونهم، وحتى في حروبهم، وهذا النجاح المنقطع النظير لنبي الإسلام والأئمة إنما هو لأسباب من جملتها السلام الذي يتحلون به في كل شؤونهم.

ولذا نجد العباسيين والأمويين والعثمانيين ذهبوا حيث لا يذكرهم أحد مطلقاً إلا بسوء، بينما قادة الإسلام الحقيقيون يذكرون بكل خير ويعرفهم الناس بالسلام والعفو أو الصفح، يقول الشاعر عن لسانهم:

ملكنا فكان العفو منا سجية          ولما ملكتم سال بالدم أبطح

فحسبكم هذا التفـاوت بيــننا           وكل إناء بالذي فيـه ينضح

انطواء الإسلام على السلام هو الذي سبب تقدمه أولاً، وكان السبب في تقدمه في المرة الثانية، بعد غزو الصليبيين لبلاد الإسلام من الغرب، والمغول من الشرق، وبالسلام نرجوا أن نقدم الإسلام في هذا القرن المليء بغزو الشرق والغرب لبلاد الإسلام.

الرسول (صلى الله عليه وآله) إنما تقدم ـ كما سبق ـ بالسلام الذي اتخذه شعاراً، وعليكم ـ مثلاً ـ بمكة حينما كانت عاصمة الكفر وعاصمة الأصنام وعاصمة محاربة رسول الله، فإنهم واجهوا رسول الله بكل وسيلة من التشريد والقتل ـ قتلوا بنته زينب ـ ومصادرة الأموال، وقتل الأصحاب، ثم حاولوا اغتياله فهاجر سراً إلى المدينة، واستمرت مؤامرتهم ضد حركته المقدسة.

ومع ذلك وبعد أكثر من عشرين سنة، لما أراد الرسول (صلى الله عليه وآله) فتح مكة مهد لذلك بمقدمات ثم تقدم وفتحها بسلامٍ دون أن تراق قطرة دم، وكان من جملة المقدمات أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما استولى على خيبر غنم مقداراً كبيراً من الأواني الذهبية، قدرت بعشرين ألف آنية ذهبية من مختلف الأحجام، فبعث الرسول جملة من هذه الأواني لتقسم على فقراء مكة ورجالاتها وهم كفار ومشركون ومحاربون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) .

ولما جيء بتلك الأواني الذهبية إلى أهل مكة تحيروا وتعجبوا من ذلك، وقالوا: إنا نقاتل هذا الرجل، وبالأمس صادرنا أمواله، وقتلنا أصحابه، وأقرباءه، ومع ذلك يعاملنا بهذا اللطف.

كان هذا تمهيداً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لنشر الإسلام في مكة وتحطيم الأصنام والإصلاح بين الناس، ولما فتح الرسول مكة، جاء أبو سفيان وهو أول عدو لرسول الله، فعفا عنه الرسول، نعم عفا عنه، وليس هذا فحسب بل وجعل داره مأمناً، وقال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)(4).

ثم بعث إلى زوجة أبي سفيان (هند) تلك المرأة المشهورة بأعمالها اللاأخلاقية، المحاربة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلاً ونهاراً، التي بقرت بطن سيد الشهداء حمزة وقطعت أذنيه وجدعت أنفه ومثلت به أشنع تمثيل، وأخرجت كبده ولاكته في فمها..

هذه المرأة التي كانت (مجرمة حرب)، بعث إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من يحمل إليها وثيقة عفوه عنها، وسجل الرسول (صلى الله عليه وآله) بهذا الموقف أروع مثل عظيم في الخلق الكريم، والصفح الجميل حتى مع ألد أعدائه.

وقبل رسول الله إسلام هند، والعجيب أنه اشترط عليها عدم البغاء(5)، مما يدل على أنها كانت بغية مشهورة قبل الإسلام، وهذه الآية المباركة التي تلاها الرسول (صلى الله عليه وآله) على هند تشير لهذا الموضوع، يقول الله تعالى: (إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين...)(6).

وكذلك عفا الرسول (صلى الله عليه وآله) عن أهل مكة، وقال لهم كلمته التاريخية: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(7)، والرسول لم يسترجع دوره ودور أصحابه التي صادرها المشركون، وكذلك لما أخذ (صلى الله عليه وآله) مفتاح الكعبة من سدنتها نزلت الآية الكريمة: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)(8) كما في بعض التفاسير، فبعد أن حطم الرسول الأصنام أرجع المفتاح إلى صاحبه(9).

كما مهد الرسول (صلى الله عليه وآله) الجو لجلب خالد إلى فلك المسلمين، حيث قال لأخيه (وليد بن الوليد): إني أتعجب من أخيك خالد، إنه رجل ذكي، كيف لم يدخل في الإسلام؟ وكيف لم يتشهد الشهادتين؟ ولما جاء وليد إلى أخيه خالد ونقل له كلمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حوله تعجب خالد، حيث إنه كان قد حارب الرسول حرباً شعواء، والرسول مع ذلك يستميله بهذا اللطف، فصار ذلك سبباً لإسلام خالد، وانخراطه في جيش المسلمين كما هو معروف في التاريخ.

بهذا الأسلوب السليم استولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قلوب أهل مكة قبل أن يستولي على أجسامهم، ولما استولى على أجسامهم انقادوا له وأطاعوه وقالوا فيه: (أخ كريم وابن أخ كريم) .

وذكر المؤرخون أن مكة هذه عاصمة الكفر والشرك والنفاق وسفك الدماء والأنانيات والكبرياء، لما استسلمت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يظهر أكثرهم الإسلام وبقوا على الشرك، والرسول لم يجبرهم على الإسلام أبداً، وإنما تركهم وشأنهم حتى يعايشوا الحكم الإسلامي فيسلموا في المستقبل.

وقد جعل الرسول (عتاباً) حاكماً على مكة وهو شاب من المسلمين عميق الإيمان وكان يناهز عمره العشرين سنة، وقرر له ما يقارب المثقالين من الفضة معاشاً يومياً له.

وقد ذكر المؤرخون أن مكة لم تحارب بعد ذلك، وإنما رضخت لحكم عتاب بدون جيش، بدون شرطة، بدون سلاح، بدون قوة، لأن الرسول أخذ ألبابهم واستولى على قلوبهم، والقلب إذا صار موالياً لإنسان فإنه لا يتمكن أن يثور عليه أو يناهضه.

وبهذه الكيفية، فقد شعر أهل مكة بصحة الدين الإسلامي، لا سيما وأنهم سيبقون على سيادتهم ورئاستهم وعزتهم وتظل بيدهم أموالهم وتحفظ حرماتهم.

سعد بن عبادة أخذ اللواء في لحظات الفتح الأولى، وأخذ يجول في مكة ويهتف (اليوم يوم الملحمة (يعني القتل) اليوم تسبى الحرمة ـ يعني سنسبي نساءكم)، وحينما سمع الرسول (صلى الله عليه وآله) بذلك قال لعلي ابن أبي طالب (عليه السلام): يا علي خذ اللواء من سعد، واهتف بعكسه.

فأخذ علي اللواء من يد سعد وأخذ يهتف في شوارع مكة وأزقتها (اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحرمة)(10).

يعني: إننا جئناكم للرحمة، لنوحد صفوفكم، ولنجعل الأخوة بينكم، واليوم جئنا لتبقى حريمكم في عزها وصيانتها.

هذه الأعمال من رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت سبباً أساسياً لخضوع مكة المكرمة للرسول خضوعاً منقطع النظير.

إذن، الحرب والتهمة والسب والهمز واللمز والعداء والبغضاء والأنانية والكبرياء والغرور وما أشبه، تسبب سقوط الدول وسقوط الأفراد، وبالعكس، فالإنسان عبد الإحسان، والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (عجبت ممن يشتري العبيد بماله، كيف لا يشتري الأحرار بأخلاقه)(11).

وعلى كل حال، فمن الضروري على الحركة الإسلامية أن تتخذ من السلم شعاراً وبرنامجاً وأسلوباً لجذب أوسع الجماهير.

السلام أحمد عاقبة

يجب أن يتصف القائمون بالحركة بالسلام تفكيراً وقولاً وعملاً مع الأعداء والأصدقاء. فإن السلام أحمد عاقبة وأسرع للوصول إلى الهدف، السلم والسلام والمسالمة أصول توجب تقدم المسالم، بينما غير المسالم والعنيف يظل متأخراً دائماً.

النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): (يا علي مكارم خصال الدنيا والآخرة: لين الكلام، والسخاء، وأن تعفو عمن ظلمك)(12).

لا يراد العفو عن الظالم المعتدي الذي لا يرعوي، وإنما المراد العفو عند المقدرة.

وقد نظم الشاعر هذا الكلام الذي ورد عن رسول الإسلام فقال:

مكارم الأخلاق في ثلاثة منحصرة          لين الكلام والسخا والعفو عند المقدرة

يعني: أن الإنسان إذا قدر يغفر ويعفو، ويكون لين الكلام، أي لا يكون عنيفاً، وإلا فسيكون بعيداً عن الناس.

ولذا ورد في حديث آخر بمدح المؤمن فيقول في المؤمنين: (الموطؤون أكنافاً) أي أنهم ليسوا من الصعوبة حتى يخاف الناس من أن يحوموا حولهم ويكونوا في أطرافهم، فإن الإنسان العنيف الصعب يتحاشاه الناس.

والحركة التي تريد جمع الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، مثل هذه الحركة جدير بها أن تلتزم باللين، فالناس إنما يلتفون حول من كان هيناً، ليناً، هشاً، بشاً، كما ورد في حديث في صفات المؤمن: (المؤمن هين، لين، هش، بش، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه)(13) وهكذا يكون الإنسان الذي يريد استقطاب الناس.

أما إذا كان شعار الحركة العنف فإن الحركة تفقد الشرعية عند الناس، ويأخذ الإنسان بالتفكير: أنه كما أن هذه الحركة عنيفة ضد أعدائها لا بد وأن تكون عنيفة ضده أيضاً يوماً ما.

والشاعر يقول:

فاصبر على حسد الحسود فإن صبرك قاتله          كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

هذه حقيقة: العنيف عنيف مع الأصدقاء ومع الغرباء ومع البعداء والأعداء، واللين لين مع الأصدقاء ومع البعداء، ولذا ورد في أحاديث كثيرة التوصية باللين والرقة والشفقة والحب. وقد ورد عن عيسى (عليه السلام) في كلمة جميلة تنسب إليه: قيل لكم أحبوا أصدقاءكم ولكن ليس ذلك بمهم فإن العشارين أيضاً يحبون أصدقاءهم، وإنما أقول لكم أحبوا أعداءكم.

فإن الظاهر من كلام عيسى (عليه السلام) أن السبب لا يرجع إلى نفع العدو بمثل ما يرجع بنفع الإنسان نفسه، فإن الإنسان الذي يحب عدوه يقوم بوصله ومواصلته، وذلك ما يسبب رجوع العدو عن عدواته.

وقد جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (تهادوا تحابوا)(14) يعني ليعطي بعضكم لبعض الهدية، فإنها تسبب محبة بعضكم لبعض.. إلى غيرها من الروايات والأحاديث الواردة عن الأنبياء المعصومين والأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام.

الحركة يجب أن تتصف بالسلام وأن تجعل شعارها السلام حتى يثق الناس بها، فإن أية حركة عملت عملاً عنيفاً أو عملين عنيفين ثم إذا حدثت أعمالاً عنيفة في المجتمع نسب الناس هذه الأعمال إلى الحركة أيضاً، مثل ذلك مثل الإنسان يسرق سرقة واحدة، فإذا حدثت سرقات أخرى نسبها الناس إلى هذا السارق، وفي المثل (الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب) وإذا ظن الناس بالحركة سوءاً أو عنفاً وما أشبه تفرق الناس من حولها ولم تتمكن الحركة من الوصول إلى هدفها.

فالحركة يجب أن تكون ـ إلى جانب الشرائط السابقة من التوعية والتنظيم ومراعاة الأصول العامة ـ قائمة على هذا الأساس الرابع وهو السلام، السلم، المسالمة، اللين، العطف، واللطف. وإن حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقصصه وتاريخه وحروبه وغزواته وسراياه كلها تبين لين النبي وسلمه والنتائج الطيبة التي نالها من وراء ذلك.

مثلاً: إنا نرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن فتح مكة لطف بأهل مكة تلك الألطاف العالية الرفيعة الرقيقة، وبذلك تمكن من أمرين:

الأمر الأول: أن يستقرض من صفوان ابن أمية وهو من كبار المشركين أربع مائة درع وكان صفوان في الجاهلية بمنزلة وزير الدفاع أو وزير الحرب للمشركين، وكانت عنده دروع كثيرة يزود بها المقاتلين في الحروب التي تقع بين القبائل والعشائر وما إليها، فلما طلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من صفوان أن يعيره تلك الدروع لم يتردد صفوان في إعطاء الدروع للنبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه عاش لطف النبي واستذوق السلام في ظله في قصة فتح مكة.

الأمر الثاني: تمكن النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجند منهم ـ وبرغبتهم واختيارهم ـ ألفي إنسان كان مع رسول الله في غزوة حنين والتي وقعت بعد فتح مكة مباشرة حيث إن ثلاثين ألف مقاتل ـ من هوازن وغيرها ـ اجتمعوا في وادي حنين، قرب مكة لكي يهاجموا الرسول ويقتلوه وأصحابه، وكان مع الرسول من المدينة المنورة عشرة آلاف من المجاهدين، واستكمل الرسول عدته بألفي إنسان من مكة المكرمة فبلغ عدد جيش الرسول اثني عشر ألف مقاتل ومحارب وفارس ومتدرع، بهذا السبب تمكن الرسول (صلى الله عليه وآله) من محاربة أهل حنين تلك الحرب المريرة والتي ذكرها القرآن الحكيم.

وتمكن الرسول بأصحابه الذين جاء بهم من المدينة وبالذين التحقوا به من مكة من تبديد جيش العدو ونصر الإسلام، وبذلك انتهت المقاومة الكافرة في كل الجزيرة العربية وكان ذلك بفضل أخلاق رسول الله وسلمه وعطفه ولطفه وعطاياه وصدقه وأمانته.

وبعد أن انتهت الحرب، حرب حنين ردّ الدروع على صفوان، وقد غنم المسلمون في تلك الحرب غنائم كثيرة، وقد ذكر في التاريخ أن صفوان كان ينظر إلى الإبل التي غنمها الرسول (صلى الله عليه وآله) فرآه الرسول وقال له: هل ترغب في هذه الإبل؟

قال: نعم يا رسول الله.

فقال الرسول: أعطوا صفوان عشرة من الإبل، فأعطوه.

ثم قال: وعشرة.. وكرر ذلك العطاء، حتى صارت مئة من الإبل أعطاها رسول الله لصفوان(15).

وفي الحقيقة لم يكن هذا العطاء إلا عطاءاً لأهل مكة لأن صفوان كان ذا عشيرة وأقرباء وفي ذلك اليوم كان حصول الرئيس على شيء معناه أن أتباعه وعشيرته حصلوا على ذلك الشيء.

وهكذا استقطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) المشركين في مكة فأخذوا يسلمون ويقبلون الشهادتين بدون عنف وبدون محاربة وبدون سفك دم، حباً في الإسلام، لأنهم رأوا في الإسلام الملجأ والملاذ، والرئاسة والصداقة والمال والأخوة والتقليل من المشاكل، وهكذا يجب على الحركة أن تتعلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) العمل والسلام.

السلام دائماً

إن المعاملة السلمية تجاه الصديق والعدو، هي من الأسس الحيوية التي يلزم أن يقوم عليها النضال للحركة الإسلامية العالمية، والسلم في أول أمره مر وصعب، ويحتاج إلى ضبط الأعصاب وإلى عفو وإغماض، وإلى مقدرة نفسية توجب أن يعمل الإنسان بحزم وبالتي هي أحسن.

كما قال سبحانه: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيمٍ)(16).

يجب أن ينظر الإنسان إلى الهدف، وأن يعلم أن الانتقام يسبب تأخر الوصول إلى الهدف، ولذا نرى أن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، والمصلحين كانوا يجنحون للسلام لا قبل قدرتهم فقط، بل حتى بعد قدرتهم.

وفي الحديث المشهور: أن رسول الله ) صلى الله عليه وآله وسلم ( غضب على (وحشي) قاتل حمزة غضباً شديداً، فقد كان هذا الرجل قاتل حمزة، وكان حمزة ركناً قوياً من أركان الإسلام، كما كان علي وجعفر (عليهم السلام) .

هؤلاء كانوا أركان رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمساعدين له في حروبه وغزواته وغيرها، وكانوا موضع فخر واعتزاز للمسلمين، ولذا قالت هند زوجة أبي سفيان لوحشي: (إنك إن قتلت محمداً، أو علياً، أو حمزة أعطيتك كذا وكذا، وأعتقت رقبتك) .

فأجاب وحشي: (أما محمد فلا أقدر عليه، لأن أصحابه يحتفون به، وأما علي فلا أتمكن منه، لأنه إذا دخل الميدان يلتفت إلى نفسه، ولا تغيب عنه الجهات: لا أمامه ولا يمينه ولا يساره ولا خلفه، نعم إني أتمكن من قتل حمزة، حيث إن حمزة إذا دخل الميدان ذهل عن نفسه ودخل غمار الحرب، فأنتهز منه فرصة وأحمل عليه بقذف الجراب)(17).

وهكذا قتل حمزة تلك القتلة البشعة، ثم مثلت هند بحمزة تلك المثلة الفضيعة.

وقد غضب رسول الله على وحشي غضباً بالغاً، فجاء أحد الصحابة إلى رسول الله بعد مدة وقال: يا رسول الله هل تعفو عن وحشي إنه يريد الإسلام؟

فقال رسول الله: قد عفوت عنه.

وبالفعل عفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن وحشي فأسلم.

وكان بعد ذلك يقول: إني يجب علي أن أنصر الإسلام، كما كنت أنصر الكفر على الإسلام.

واشترك وحشي في عدة حروب وكان له دور فيها، وفي قصة اليمامة اشترك وحشي، وهكذا خدم الإسلام بعد إسلامه بمثل ما كان يخدم الكفر قبل إسلامه.

فنشاهد هنا أن العاقبة المحمودة كانت في عفو رسول الله وإغماضه وقبول إسلام وحشي.

ومن قبيل ذلك، عفو رسول الله عن (هبار) وهذا الرجل من أجلاف أهل مكة ومثيري الفتن والمشاكل للمسلمين، وقد تسبب في قتل بنت رسول الله: زينب عليها الصلاة والسلام، وكانت امرأة عفيفة زاهدة تشبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خلقها وخلقها، وتشبه أمها خديجة الكبرى عليها الصلاة والسلام، وكانت حاملاً، فسبب هبار سقوطها من المحمل، فأسقطت جنينها بسبب ذلك، ثم لم تزل مريضة حتى ماتت لهذا السبب.

واغتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لذلك وأهدر دم هبار، ولما فتح الرسول مكة فر هبار من مكة المكرمة إلى بعض الجبال، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد قال من قبل: (اقتلوا هباراً ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة) باعتبار كونه رجلاً فظاً غليظاً مثيراً للفتن كما سبق ـ .

ثم جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا رسول الله إنك عفوت عن الجميع فاعف عن هبار أيضاً فإنك عفو كريم.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): قد عفوت عنه(18).

والتاريخ يذكر كيف كان حلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصبره وعقله وحزمه، وهذه المكرمات يجب أن تسجل كمعاجز نفسية، وكم يجب أن تكون عظمة الإنسان حتى يصل إلى هذا الحد، ويعفو عن قاتل عمه حمزة، أو يعفو عن قاتل ابنته وحفيده: زينب وجنينها.

ولذا نرى أن الإسلام أخذ بالانتشار، لأن أخلاقيات الإسلام بهرت الناس... وحبذا أن يؤمن الإنسان بهذا الإسلام الذي يتمكن أن ينضوي تحت لوائه وينعم بكل خير وسلام.

الحركة الإسلامية العالمية يجب أن تصطبغ بصبغة العفو والسلم والسلام والمسالمة لا مع الأصدقاء والأقرباء فحسب، بل مع الغرباء والبعداء والأعداء أيضاً، وهذا ما نشاهده في قصص المصلحين العظام.

وقد سيطر أحد أمراء المسلمين على منطقة بعد أن وقعت فيها حرب أهلية وقبض على جماعة من الضباط الذين كانوا يعدون من مجرمي الحرب، وحكمت المحكمة عليهم بالقتل، ولما كان من الضروري توقيع الرئيس الأعلى للدولة قدمت الورقة إليه لكي يوقع بالإعدام على هؤلاء، ولما أخذ الرئيس الأعلى ـ الصبور، الوفي، الحليم، العاقل ـ الورقة قذف بها إلى الأرض وقال: إن وجود هؤلاء الشباب الضباط فوق الأرض أحياءاً خير من وجودهم تحت الأرض أمواتاً، قد عفوت عنهم، فأطلقوا سراحهم.

فتعجب الذين قدموا الورقة إليه، لكنهم كانوا مضطرين لتطبيق أوامره وهكذا ذهبوا وأطلقوا سراح هؤلاء الضباط، وبالفعل صار أولئك الضباط من أخلص الذين خدموا الإسلام، وخدموا وطنهم في حرب أخرى بعد ذلك تكفيراً لسيئاتهم السابقة.

فقال الرئيس: أرأيتم كيف كان الحلم والصبر والعفو والسلام؟ لو كنا أمرنا بقتل هؤلاء، فمن كان يقود هذا الجيش؟ ومن كان يهزم أعداءنا حين اصطدموا بنا؟

فالواجب أن يكون شعار الحركة السلام: السلام قولاً، السلام فعلاً، السلام كتابة، والسلام في كل موقع ومع كل الناس…

السلام سنة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)

لما كان مبدأ (السلام) استراتيجياً وحساساً كان لا بد لنا من أن نتحدث حوله بشكل مفصّل، وفي هذه الحلقة من الحديث نواصل البحث عن السلام الذي هو من أهم أسس النضال، لإقامة حكومة الألف مليون مسلم في الأرض.

فمن الضروري مراعاة السلم بالنسبة إلى القائمين بالحركة الإسلامية العالمية، لأن السلام يوجب أولاً التفاف الناس وثانياً يوجب كبح جماح الأعداء، ولذا قال أمير المؤمنين لأصحابه: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين)(19).

وقبل ذلك قال القرآن الحكيم: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم)(20).

فالسباب والاعتداء يوجب تقزز الأصدقاء وقوة الأعداء، ولا داعي إلى ذلك، فإن السب لا ينتهي إلى شيء، وإنما الذي يجب أن يراعيه الإنسان أمام عدوه هو أن يدفع بالتي هي أحسن، كما في القرآن الحكيم: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيمٍ)(21).

فالقائمون بالحركة يجب أن يتحلوا بالسلام في فكرهم وفي قولهم وفي كتابتهم وفي مواجهاتهم، وحتى إذا نظموا مظاهرات أو اضرابات أو ما أشبه، يجب أن تكون الاضرابات والمظاهرات متصفة باللين، فالمهم أن يصلوا إلى الهدف وليس المهم إفراغ الحقد والبغضاء وما أشبه.

فإن الحقد لا يولد إلا الحقد، والبغضاء لا تولد إلا البغضاء، وفي المثل المشهور (لا يجتني الجاني من الشوك العنب)، فإن كل شيء يثمر مثله. الأخلاق الحسنة من الإنسان تثمر حسن الأخلاق في الجانب الآخر. أما الأخلاق السيئة فإنها تولد رد فعل سيئ، وهكذا بالنسبة إلى السلام، وما يقابل السلام، فكل واحد منهما يولد مثله.

وهذا الأمر يحتاج إلى ضبط الأعصاب وإلى سعة الصدر، وكما قال علي (عليه السلام): (آلة الرئاسة سعة الصدر)(22) يعني أن يسع صدرك، لا في بعدٍ واحد فقط، وإنما لكل الأبعاد: أخلاقياً، اجتماعياً، فكراً، نضالاً... فآلة الرئاسة سعة الصدر، وكلما كانت سعة الصدر شاملة لكل الأبعاد أكثر كانت أقدر على استقطاب الناس وعلى الوصول بهم إلى الهدف المنشود.

ولذا نشاهد في أنبياء الله تعالى والأئمة الطاهرين والمصلحين العظام هذه الظاهرة: ظاهرة حسن الخلق، العفو، الإسلام، سعة الصدر، الحلم، التواضع، الصبر، عدم رد الاعتداء بالمثل، وإنما رد الاعتداء بالتي هي أحسن.

وهكذا نشاهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب البصرة، وهي أول حرب أقيمت ضده، فلما انتهت الحرب عزّز جانب الإسلام: فأرسل إلى عائشة من قال لها أن ترجع إلى بيتها بالمدينة بسلام.

وبالفعل فقد ألبس الإمام أربعين من النساء لباس الرجال، وجعلهن مع عائشة لإرجاعها إلى المدينة، وأكرمها واحترمها، وإنما ألبسهن لباس الرجال حتى يظن الظان من القوافل وغيرهم أنهم رجال، فلا يعتدوا عليهن، ومن جانب آخر حيث إن عائشة زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله) فقد كره الإمام أن يرسلها مع الرجال، وإنما أرسلها مع النساء. وبالفعل ذهبت عائشة من البصرة إلى المدينة المنورة بصحبتهن(23).

فأية أخلاق سامية هذه؟

وكذلك نشاهد أنه عفا (عليه السلام) عن الذين أثاروا الحرب، وفيهم الذين يصطلح عليهم في العصر الحديث بمجرمي الحرب، أمثال مروان وابن الزبير ومن أشبه فعفا عنهم، وكذلك عفا عن الجيش المناوئ فقال (عليه السلام): (مننت على أهل البصرة كما منّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أهل مكة)(24). فأطلق سراحهم ولم ينتقم منهم ولم يقابل سيئهم بالسوء، بل قابله بالصفح والإحسان، وأمر كل من كان قد نهب من أموال الجيش المهزوم برد ما نهبه. فرد إليهم كل ما أخذ منهم حتى أن أحدهم كان قد أخذ قدراً من جيش الأعداء المنهزمين، وجعل فيه طعامه، وجعله على النار، فلما أمر الإمام برد الغنائم وعرف صاحب القدر ذلك أفرغ قدره من الطعام وأعطاه لصاحبه.

ومرة ذهب الإمام (عليه السلام) في جولة تفتيشية إلى بيت واسع كبير قيل للإمام إن النساء قد اجتمعن فيه يبكين على قتلاهن من الجيش المهزوم وهن يشتمن الإمام وأصحابه، فدخل عليهن الإمام والبيت كبير جداً وممتلئ بنساء الجيش المهزوم، فقال الإمام لأصحابه: لا تتعرضوا لهن وإن شتمن أمراءكم وأعراضكم، وهكذا كف عنهن وقابل سبابهن بإحسان، فصحن لما رأين الإمام: وقلن هذا قاتل الأحبة ـ يردن الإمام (عليه السلام) ـ فأشار الإمام وقال: (لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذه الغرف) وإذا بالنساء يسكتن فجأة وكأن على رؤوسهن الطير، ولم يتكلمن بكلمة! فتعجب الناس من ذلك: ماذا قال الإمام؟ وما الذي دعا هذه النسوة إلى الهدوء؟

وبعد ذلك انكشف الأمر لأصحاب علي (عليه السلام)، حيث عرفوا أن رؤساء الجيش المنهزم كانوا قد اختفوا هناك في تلك الغرف، وإن النساء قد اجتمعن هناك للتعمية والتجهيل والتضليل، ولما أشار الإمام بقوله: (لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في الغرف) خفن وسكتن(25).

على أي حال، إن سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيرة الإمام أمير المؤمنين وسيرة الأئمة الطاهرين وسيرة الأنبياء العظام وسيرة المصلحين وسيرة العقلاء هي السلام.

فالواجب أن تراعي الحركة الإسلامية العالمية العامة الإسلام مراعاة دقيقة في كل شؤونها: قبل الحركة، ومع الحركة، وبعد الحركة، وحين النصر وإقامة الدولة الإسلامية العامة بإذن الله تعالى.

وهكذا يجب أن يربي القادة كوادر وأفراد الحركة على السلام لساناً، فكراً، تأليفاً، عملاً، مهما كلف ذلك.

السلام ضمانة بقاء المبدأ

يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة)(26) فالسلام هو القاعدة العامة، وإنما يكون العنف ضرورة، والضرورات تقدر بقدرها.

وقد ذكرنا في حلقات سابقة سِلْم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع الأعداء ومع الأصدقاء ومع الأقرباء والغرباء، كما ذكرنا سلم علي (عليه السلام) . والرسول وعلي أسوة لنا كسائر الأنبياء والمعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، فاللازم أن نقتدي بهم في ذلك، سواء كنا في مقدمات الحكم أو وصلنا إلى الحكم بإذن الله تعالى.

وهنا سؤال يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن كان معصوماً ولا يُسأل عما يفعل، لكن تكليفنا غير تكليفه، لأننا نرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبقى على جملة من المنافقين مما سبب لرسول الله مشاكل كثيرة، فلو كان الرسول (صلى الله عليه وآله) قتل أبا سفيان ومعاوية يوم الفتح لم تقم الدولة الأموية التي أطاحت بالإسلام جملةً وتفصيلاً، ولم تسبب مشاكل للمسلمين بما لا يعد ولا يحصى. وهكذا لو كان علي (عليه السلام) قد قتل يوم البصرة مروان لما بقي حتى يصل إليه الحكم، ويسبب هو وبنوه المشاكل للأمة، فلا بد أن يكون لنا تكليف آخر، وأما هم فأعلم بتكاليفهم.

هذا الكلام يردّ أولاً: بأن النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام (عليه السلام) أسوة، والأسوة يجب أن يتبع، سواء عرفنا المصلحة في عمله أم لم نعرف المصلحة في عمله (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)(27)، (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(28)، (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)(29).

هذا من الناحية الاعتقادية الشرعية، أما إذا جئنا إلى الناحية العقلية فنرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو قتل أبا سفيان أو أضر به لم يقم للإسلام عمود، ولا يخضر له عود، لأن المشركين كانوا يقبرون الإسلام في مهده، لأن أبا سفيان لم يكن وحده، وإنما كان في الجزيرة العربية ألف أبي سفيان، وكل واحد منهم له أقرباء وأصدقاء وعشيرة وقبيلة، وما إلى ذلك.

هؤلاء كانوا سيعملون ضد الإسلام ويقبرون الإسلام في مهده، ولم يكن لنا أن نسمع اليوم حتى باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما لم نسمع باسم كثير من الأنبياء الذين قتلوا (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين)(30) ـ كما في القرآن الحكيم، مما يدل على أن جملة من الأنبياء قد قتلوا -.

فالرسول رأى الأمر دائراً بين الأهم والمهم: فهل الأفضل أن يدع المنافقين ـ فإنهم وإن سببوا بعض المشاكل، لكن الزمان كفيل بتصفية المشاكل كما رأينا ذلك، حيث إن الزمان قد أنهى حكم بني أمية وجعلهم في خبايا التاريخ ـ هل هذا أفضل؟ أو أن الأفضل أن يشهر الرسول (صلى الله عليه وآله) سيفه، ويقتل ويقتل، حتى تقوم العشائر ضده يقتلوه وأصحابه المخلصين ولا يبقى من الإسلام اسم؟

وكذلك الأمر بالنسبة لعلي (عليه السلام)، فأيهما أفضل: أن يجرد الإمام سيفه ويقتلهم، مما كان يترتب عليه أن يحركون عشائرهم وأقرباءهم وأصدقاءهم ضد الإمام، تساعدهم الروم على ذلك، وبذلك تجتث جذور علي (عليه السلام) وباجتثاث جذوره تستأصل جذور الإسلام الحقيقي، ويتحول إلى دين منحرف كالمسيحية واليهودية: (يحرفون الكلم عن مواضعه)(31) كما في القرآن الحكيم ـ أو الأفضل الإبقاء على هؤلاء وإن أساءوا إلى الإسلام.

وهكذا كانت خطة الرسول وخطة علي (عليهما وآلهما الصلاة والسلام) خطة حكيمة إلى أبعد حد، ولهذا نجد أن أحد أصحاب علي (عليه السلام) يصف علياً في كلام له يقول: (كان والله بعيد المدى، شديد القوى)(32) يعني أنه ينظر بعيداً أي إلى عاقبة هذا الأمر أو ذاك وما يترتب عليه إن فعله أو تركه فنرى علياً (عليه السلام) الآن وبعد مرور ألف وأربعمائة سنة تقريباً على استشهاده حيث يعتقد به أكثر من ألف مليون إنسان، منهم المسلم ومنهم غير المسلم، بينما هلك الأمويون والعباسيون ورمي بهم في خبايا التاريخ حيث لا يذكرون إلا بذم.

وكذلك بقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) واندثر الذين عادوه كأبي جهل وأبي سفيان وأبي لهب. إن من فوائد السلم خلود المسالم وبقاء ذكره وموازينه وقوانينه وضوابطه ومناهجه، بينما غير المسالم لا يبقى حتى إذا فرض أن الحق معه تماماً. ولذا قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (كلما نزل جبرئيل أمرني بمداراة الرجال)(33).

وفي التاريخ القريب نشاهد أن ستالين وهتلر وموسيليني ومن أشبه هؤلاء جنحوا إلى العنف، وكذلك ياسين الهاشمي في العراق، والحكم البهلوي في إيران، وأتاتورك في تركيا.. وأضرابهم كثيرون، وكلهم قد ذهبوا.

أما ستالين فقد أخرج من قبره وأحرق، ودمرت بعده المبادئ الستالينية.

وأما هتلر فقسمت بلاده إلى اليوم، قسم بيد الأمريكيين وقسم بيد الروسيين.

أما موسيليني فقد عمت بلاده الفوضى والاضطرابات وانتشرت فيها منظمة الألوية الحمراء، والقتل والاغتيال والسرقة وما أشبه ذلك مستمر منذ ما يقارب من أربعين سنة إلى هذا اليوم.

وبهلوي الأول أُبعد، وقتل في جزيرة موريس. وياسين الهاشمي أُبعد عن العراق وقتل. وأتاتورك قتل...

بالإضافة إلى أن هؤلاء صاروا لعنة التاريخ.. لقد ذهبوا وذهبت مبادئهم، ولم يحفظهم التاريخ إلا للعبرة كما حفظ فرعون وشداد ونمرود للعبرة، وكما حفظ معاوية ويزيد والحجاج وابن زياد وهارون للعبرة، ولكي يتبصر من يأتي بعدهم فلا يجنح إلى الديكتاتورية والعنف، بل يجنح إلى العقل والحزم والسلام وإعطاء الحريات والنظر إلى الناس بعين المودة والأخوة حتى لو كانوا كافرين، حيث يقول الإمام علي (عليه السلام): (الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)(34).

وهكذا الله سبحانــه وتعالى يعبر في الـقــــرآن الحكيم عن المؤمنين والــــكافرين بأنهم أخوة حيث يقول: (وإلى عاد أخاهم هوداً)(35) فهود نبي مرسل، وعاد قبيلة كافرة، ومع ذلك يسميه الله سبحانه وتعالى أخاً.

المهم أن يعي القائمون بالحركة الإسلامية هذه الحقيقة، وأن يبصروا وأن يلاحظوا الأمم (قل سيروا في الأرض)(36) (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)(37) فاللازم على الإنسان أن ينظر ويفكر في أحوال الأمم الغابرة وأحوال الأمم المعاصرة.

إن الجانحين إلى السلام بقوا أعلاماً في بلادهم، وفي غير بلادهم بينما الجانحون إلى العنف والخشونة والشدة والغلظة ذهبوا ولم يبق لهم أثر إلا آثار النفرة والابتعاد عنهم.

ومن هنا يقول الله سبحانه وتعالى بالنسبة لنبيه (صلى الله عليه وآله): (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك)(38).

فإذا اعتمدنا السلم قاعدة عملية دائمة نتمكن بإذن الله تعالى من إيجاد تيار عام لحركة إسلامية صحيحة تكون مقدمة لإنقاذ البلاد الإسلامية من المستعمرين والديكتاتوريين ولإقامة حكم الله تعالى.

السلام بين أعضاء الحركة

تحدثنا عن مبدأ (السلام) على أصعدة مختلفة.. منها السلام في التعامل الاجتماعي ومنها في التعامل الإنساني مع الأعداء.

وهنا سنتحدث عن نفس المبدء ولكن على صعيد آخر.. وهو: التعامل السلمي مع أعضاء الحركة الإسلامية.. وذلك يعني أن الأعضاء يجب أن يكونوا على وفاق تام لا أن تكون بينهم خلافات أو منازعات أو ما أشبه، لأنه كثيراً ما يقع بين الأعضاء التنافس غير السليم والتناحر والاختلاف وازدراء الكبار بالصغار واشمئزاز الصغار من الكبار.

والمشكلة لها سببان:

السبب الأول: إن بعضهم يريد استغلال بعض.

السبب الثاني: هو أن الكبار ينظرون إلى الصغار بازدراء، والصغار ينظرون إلى الكبار على أنهم مستغلون ووصوليون وانتهازيون.

والإسلام حل المشكلتين كلتيهما:

أما المشكلة الأولى: فالواجب أن يكون الأمر شورى، فلكل فرد رأي يؤخذ به، وبهذا لا يكون هناك استغلال ينتهي إلى تفتت الحركة وتبددها، أما أن يقول الإنسان: إني أكثر فهماً فلي حق القرار، أو إني أعمق في الرؤية المستقبلية فلي حق أخذ القرار في الموضوع، فهذا هو الاستغلال بعينه. هذا بالنسبة إلى حل المشكلة الأولى.

أما المشكلة الثانية: فاللازم ألا يزدري إنسان إنساناً، وألا ينظر إنسان إلى آخر بعين الاحتقار: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم)(39).

فالإنسان يجب ألا يظن بأخيه سوءاً والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (ضع أمر أخيك على أحسنه)(40)، وفي رواية أخرى، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (فإن شهد عندك خمسون قسامة أنه قال قولاً وقال لم أقله فصدقه وكذبهم)(41). يعني لا ترتب الأثر على كلام أولئك الوشاة. إذا لم يكن هناك ميزان الشهادة الشرعية فاقبل قوله، وذلك لكي تصفوا النفوس بعضها مع بعض، ولا تكون النفوس بعضها ضد بعض، وبهذا يتمكنون من القيام بالحركة خير قيام.

وقد أدخل أحد الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) على أحد الخلفاء في حالة اضطرارية فقال له الخليفة: يا بن رسول الله عظني، فقال الإمام (عليه السلام): المسلمون إما أكبر منك سناً فاجعلهم بمنزلة أبيك، وإما أصغر منك فاجعلهم بمنزلة ابنك، وإما مساوون لك في العمر فاجعلهم بمنزلة أخيك، فبر أباك وآس أخاك وارحم ابنك.

هكذا يجب أن ينظر الإنسان إلى الجميع بنظرة رأفة ورحمة وبنظرة العطف والإشفاق وبنظرة جمع الكلمة وتوحيدها، وإلا فإنه لا يتمكن من أن يتقدم مهما كان قوياً، وهذه هي الأسس التي بنى عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) الدولة الإسلامية وبنى الأئمة الطاهرون (عليهم السلام) على مثل ذلك نفوس المؤمنين.

وفي مضمون الحديث: أن الإمام الصادق (عليه السلام) جاء إلى كربلاء لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فقال لبعض أصحابه: اذهب إلى الأطراف وادع من رأيت إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فذهب الرجل ثم رجع بدون أن يستصحب أحداً.

قال له الإمام: لماذا رجعت وحدك.

قال: يا بن رسول الله لأني رأيتهم دون هذا المستوى.

قال له الإمام: إنا نراكم بمثل ما ترى أنت هؤلاء.

أي: إذا كان فرق في المراتب بينك وبينهم فكذلك يوجد فرق بيني وبينك. فكما أنه لا يحق للأكبر أن يطرد الأوسط، كذلك لا يحق للأوسط أن يطرد الأصغر.

وهكذا القائمون بالحركة يجب أن يكون بينهم وئام وسلام، لا استغلال وازدراء واحتقار.

إن الحركة لا تتمكن أن تهدي الناس إلى صراط مستقيم ما لم تسر هي في الصراط المستقيم، وفي الحكمة قاعدة معروفة تقول: (فاقد الشيء لا يعطيه)، أي إنك إذا لم تملك علماً فلا يمكنك أن تعطي العلم، وإذا لم تملك ديناراً فلا تتمكن أن تعطي الدينار، وكذلك إذا لم تملك مقومات الحركة ـ من الإنصاف والعدالة وحب الناس والتواضع والنظر إلى الناس بالعطف والشفقة والإنسانية وما أشبه ذلك ـ فلا تتمكن من غرسها في الآخرين، إنه أمر غير ممكن.

ولذا فمن الضروري على القائمين بالحركة أن ينظروا إلى أنفسهم بنظر المساواة والأخوة والعدالة مع الآخرين، حتى يتمكنوا من التقدم بإذن الله سبحانه وتعالى، وإلا فإن الناس يقولون: لو كانوا على حق، لكانوا قد التزموا ـ هم ـ بما يدعون إليه!

ولقد فشلت قبل هذا اليوم كثير من الحركات الإسلامية في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي بسبب عدم التزامها بأخلاقيات العمل والسلام. إن هذه الحركات يجب أن تكون عبرة لنا حتى نعمل بما يقوّم الحركة ونتمكن بذلك من تحقيق أهدافنا.

 

1 ـ سورة البقرة: الآية 208.

2 ـ سورة البقرة: الآية 194.

3 ـ سورة البقرة: الآية 237.

4 ـ البحار: ح21 ص104.

5 ـ بحار الأنوار: ج14، ص279.

6 ـ سورة الممتحنة: الآية 12.

7 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص120.

8 ـ سورة النساء: الآية 58.

9 ـ مجمع البيان: ح2 ص136 من تفسير سورة النساء.

10 ـ بحار الأنوار: ج21، ص105.

11 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص262 ح30.

12 ـ مكارم الأخلاق: ص435.

13 ـ أنظر الوسائل: ج2 ص511 باب106 من أبواب أحكام العشرة.

14 ـ الكافي: ج5 ص144 ح14.

15 ـ بحار الأنوار: ج21، ص164.

16 ـ سورة فصلت: الآية 34 ـ 35.

17 ـ البحار: ج2 ص55 ح3.

18 ـ سفينة البحار: ج1 ص412 عفوه عن جماعة.

19 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج2، ص185.

20 ـ سورة الأنعام: الآية 108.

21 ـ سورة فصلت: الآية 34 ـ 35.

22 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم 176.

23 ـ بحار الأنوار: ج37، ص145.

24 ـ الوسائل: ج11 ص58 باب25 من أبواب جهاد العدو ح6.

25 ـ مستدرك الوسائل: ج11، ص52.

26 ـ سورة البقرة: الآية 208.

27 ـ سورة النساء: الآية 64.

28 ـ سورة الحشر: الآية 7.

29 ـ سورة النساء: الآية 65.

30 ـ سورة البقرة: الآية 91.

31 ـ سورة المائدة: الآية 13.

32 ـ سفينة البحار: ج2 ص657.

33 ـ أنظر الوسائل: ج8 ص540 باب121 من أبواب أحكام العشرة.

34 ـ نهج البلاغة: الكتاب 53.

35 ـ سورة الأعراف: الآية 65.

36 ـ سورة النحل: الآية 69، سورة العنكبوت: الآية 20، سورة الروم: الآية 42.

37 ـ سورة الملك: الآية 15.

38 ـ سورة آل عمران: الآية 159.

39 ـ سورة الحجرات: الآية 12.

40 ـ أمالي الصدوق: ص250 ح8.

41 ـ الكافي: ج8، ص147، مؤسسة دار الكتب الإسلامية ـ طهران.