| فهرس الفصل الأول | المؤلفات |
|
قضاء حوائج الناس |
|
الكثير من القائمين بالحركة الإسلامية يتوهمون أنه ليس من المهم قضاء حوائج الناس، وإنما المهم الاشتغال بالحركة فقط، وهذا زعم خاطئ، فإن الحركة لا تتقدم إلا بالجماهير، والجماهير لا يلتفون حول حركة ما إلا إذا قدمت لهم الخدمات الاجتماعية، وقضت حوائجهم، ومهما كانت الحاجة صغيرة فإنها في نظر المحتاج كبيرة وفي المثل: (صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضاءها) . فمن الضروري أن يهتم القائمون بالحركة بقضاء حوائج الناس حسب الميسور، فإن ذلك يوجب التفاف الناس حولهم والاستماع إليهم ودعم خطهم، والسير معهم إلى الهدف المنشود، أي (الحكومة الإسلامية العالمية) بإذن الله تعالى. ومن هنا نجد أن رسول الإسلام والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء والأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) كانوا يسعون في قضاء حوائج الناس حسب القدرة والمكنة، حتى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان إذا لم يتمكن من قضاء الحاجة في وقت الطلب والسؤال كان يجعل قضاءها ديناً على نفسه. هذا جابر بن عبد الله الأنصاري يحدثنا فيقول: كنا في غزوة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي رجوعنا جن الليل، وتأخرت عن الركب وأناخت ناقتي وعصت، فلم أتمكن من إنهاضها، وبقيت متحيراً وحدي في ظلمة الليل بالصحراء، وأنا أخاف العدو، وإذا بي أسمع صوتاً من خلفي (هذا جابر) . فعرفت أنه صوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنت أعلم أن الرسول من عادته التأخر عن الركب في غزواته، حتى إذا تخلف عن السير عاجز أو من لا يتمكن من السير أو الضعيف أو المريض أو المجروح أسعفه. فقلت: (نعم يا رسول الله أنا جابر) . فتقدم إلي الرسول وأنا في ذلك الوقت شاب فقال لي رسول الله: (ما لك يا جابر هنا ولماذا لم تمش مع الركب) ؟ قلت: (يا رسول الله إن ناقتي عصت وأناخت ولم أتمكن من إنهاضها) . فتقدم الرسول (صلى الله عليه وآله) - وهو الماهر في كل شيء - فأقام الناقة. ثم شبك يديه وبسط كفيه وقال لي: (يا جابر ضع رجلاً على كفي ورجلاً على متني واركب الناقة) . قلت: (يا رسول الله لا أفعل ذلك) . قال: (إفعل ما قلت - لأن الناقة لا يمكن ركوبها إلاّ بالصعود على مرتفع ـ ) . ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا جابر ألك زوجة) ؟ قلت: (لا يا رسول الله ) . قال: ولم؟ قلت: لأن أبي قد مات وعلي ديون منه ولا أستطيع الزواج. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا جابر أنا الآن لا أملك قضاء دين أبيك، ولكن ائتني في فصل التمر لأعطيك ما تتمكن به من قضاء دين أبيك، ثم شوقني رسول الله (صلى الله عليه وآله) للزواج. فلما كان فصل التمر ذهبت إليه (صلى الله عليه وآله) فأعطى دين أبي من التمر الذي جاءه من الزكاة(1). وهكذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله) مهما تمكن يعطي حاجات الناس ويتفقد أمورهم الصغيرة منها والكبيرة. ويروي بعض المؤرخين عن بعض الصحابة: أن الناس كانوا يأتون إلى رسول الله بأطفالهم الصغار حتى يؤذن الرسول في أذنهم اليمنى ويقيم في أذنهم اليسرى (لأنها سنة مستحبة وقد ثبتت أهميتها في العلم الحديث، حيث إن مخ الطفل كالشريط يأخذ ما يلقى إليه من سمعه وبصره وسائر جوارحه وحواسه، وستؤثر تلك المعلومات فيه تلقائيا في أيام كبره.. تؤثر في قوله وفعله وفي تفكيره، وهناك حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)(2). وكذلك الإنسان إذا مات، مات جسمه، أما روحه فلا تموت، ولذا يستحب تلقين الميت في اللحد وفي القبر كما هو مذكور في الكتب الفقهية، وقد ثبت علمياً أن روح الإنسان تعي حتى بعد الموت. فهذا الحديث ثابت لا شرعاً فحسب، وإنما علمياً أيضاً بالنسبة إلى الطفل وبالنسبة إلى الميت) . وعلى أي حال: فكان الناس يأتون بأطفالهم الصغار إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) والرسول (صلى الله عليه وآله) كان يؤذّن ويقيم في آذانهم بكل رحابة صدر، وربما بال الصبي في حجر رسول الله ونجس ملابسه، فكانت أمه تزرمه (أي تقطع عليه بوله ) فكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول بكل لطف: لا تزرموا بالصبي، فإني اغسل ثوبي وتذهب آثار البول أما أذى الطفل فستبقى آثاره في جسمه وربما في روحه ويتعقد الطفل بسبب ذلك(3). بهذه الأخلاق الرفيعة علمنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) طريق رضا الله أولاً، وطريق استقطاب الجماهير حول الحركة الإسلامية ثانياً. وهكذا كان علي أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي تخرج من مدرسة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى أنه كان قد جعل في وسط الكوفة بيتاً وسماه (بيت القفص)، حتى إذا كان لإنسان حاجة واستحى من علي أن يواجهه، والكل يعلم أن علياً عليه الصلاة والسلام كان قريباً من كل الناس وبينهم، ولم يكن ديكتاتورياً مستبداً يتجنب الناس ويتجنبوه، وكما يقول أحد تلاميذ الإمام (كان فينا كأحدنا)(4) يدور في أسواق المسلمين، ويقضي في المسجد بينهم، ويعطي حاجاتهم، ويخطب لهم ويصلي بهم، ومع ذلك قد صنع بيتاً يسمى ببيت القفص، حتى إذا عجز إنسان عن الوصول إلى الإمام أو استحى من مواجهته ـ كان يكتب حاجته في ورقة ويقذف بتلك الورقة في بيت القفص، ثم يأتي الإمام إلى ذلك البيت ويفتح بابه المقفل ويأخذ الأوراق ويطلع على الحاجات ثم يقضيها. وينقل التاريخ أن الإمام الرضا (عليه السلام) في خراسان ذهب إلى الحمام ذات مرة ـ وهو إمام معصوم من قبل الله وولي العهد في الظاهر للخليفة، وتحت نفوذه مشارق بلاد الإسلام ومغاربها، ورغم ذلك كان الإمام يذهب إلى الحمام بدون خدم أو حشم، لأن الإمام والرسول والقائد والمصلح الحقيقي يجب أن يكون بين الناس - وبينما كان الإمام في الحمام إذ جاءه رجل لا يعرف الإمام، وقال: يا هذا (إدلك ظهري) (أي امسحه بالكيس لتنظيفه) . فأخذ الإمام الكيس وصار يدلك جسمه، وإذا بشخص يدخل الحمام ويرى الإمام وهو يدلك جسم ذلك الشخص الريفي بالكيس، قال للريفي: (يا هذا ما تفعل) ؟ قال: (لم أفعل شيئاً وإنما التمست من هذا الرجل أن يدلك جسمي) . قال: (ويلك هذا إمامك وولي العهد) . وعندما عرف الرجل الريفي ذلك امتنع، فقال الإمام له: بحقي عليك إلا ما بقيت على حالك حتى أتمّ تنظيفك) . ونظفه الإمام، حسب طلب الرجل منه حين لم يكن يعرفه. وهكذا كان المعصومون (عليهم الصلاة والسلام) يقضون حوائج الناس المادية إلى جانب تعليمهم وتربيتهم على الأخلاق والفضيلة. فكل حركة إذا أرادت أن تحظى بقبول الناس والتفافهم حولها يجب عليها أن تقضي حوائج الناس حسب استطاعتها، فإن هذا أصل مهم يجب مراعاته حتى تتمكن الحركة من التأثير في الجماهير. |
|
الإتقان في العمل |
|
على القائمين بالحركة الإسلامية العالمية الإتقان في كل شؤونهم: العلمية والعملية، الأخلاقية والتربوية، التنظيمية والتوعوية وغيرها. فإن الإتقان ـ أولاً ـ يسبب صحة العمل والفكر والحركة، وثانياً يسبب ثقة الجماهير بالحركة، فإن الناس يلتفون حول المتقن لأموره وحول الأشياء المتقنة، فإن كل تقدم في الحياة إنما هو بفضل الأمور المتقنة. والمتقن من العلماء والخطباء والمؤلفين، ومن الدروس والخطابات والكتب والتنظيمات والنشاطات.. وحتى الماديات كالدور والألبسة والوسائل وغيرها.. هي المفضلة عند الناس. فالإتقان في أي أمر إذا راعته الحركة ربحت، وإن لم تراعه خسرت، فإن الزيف إذا ظهر للناس في قول، أو عمل، أو حركة، أو كلام، أو تأليف، أو نبأ، أو تنظيم، أو غير ذلك، انفضوا من حول هذا الشيء الهش غير المتقن. ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن)(5) قال ذلك في حديث مشهور، حيث كان أحد أصحاب رسول الله يسمى سعداً، وهو شاب نشط ذكي، وكان يخدم الإسلام خدمة كبيرة، فمات هذا الشاب، وقد شيع الرسول (صلى الله عليه وآله) هذا الشاب بلا حذاء ولا رداء في صورة من مات أحد أعز أصدقائه أو أقربائه، وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يمشي أحياناً على رؤوس أصابعه، كما إذا كان الإنسان في زحام شديد، وكان (صلى الله عليه وآله) يأخذ الجنازة من جوانبها الأربعة ويدور حولها، فلما جيء بجنازة سعد ووضعت على القبر، دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) القبر فتناول الجثمان ووضعه في لحده، وصفّ اللبن والأحجار أمامه، وكان يقول لمن يعينه: (ناولني اللبن وناولني الطين ويبني اللحد بيده، ثم أهيل التراب على القبر وأم سعد حاضرة، فقالت هنيئاً لك يا سعد الجنة) . الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لها: يا أم سعد لا تحتمي على الله الجنة. وبعد تفرق المسلمين قال بعض الأصحاب للرسول (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله رأيناك فعلت هذا اليوم عجباً، لقد مشيت في جنازة سعد بلا رداء؟ قال: لأني رأيت الملائكة هكذا، فاقتديت بهم. قالوا: يا رسول الله رأيناك تمشي على رؤوس أصابعك؟ قال: وكذلك كانت تمشي الملائكة من الزحام ـ وقد أراد النبي أن يُري المسلمين هذه الحقيقة، وإلا فإن الملائكة ليست أجساماً كالإنسان ـ . قالوا: يا رسول الله رأيناك تأخذ يمين السرير ويساره الذي كان الجثمان عليه؟ قال: كانت يدي بيد جبرئيل وكلما دار جبرئيل درت، فهو كان يحمل اليمين واليسار وأنا كنت أحمل اليمين واليسار. قالوا: ثم يا رسول الله رأيناك تملأ الثقوب بين اللبن والأحجار؟ قال الرسول (صلى الله عليه وآله): إذا عمل أحدكم عملاً فليتقن(6). يعني: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يريد الإتقان حتى في تصفيف اللبن وشد بعضها إلى بعض حتى إذا كان تحت التراب فلا يسرع إليه البلى. انظروا إلى ضرورة الإتقان في كل شيء حتى في البناء داخل القبر الذي ليس له منظر ولا مستقبل ولا بائع ولا مشتر، لكن المسلم يجب أن يتعلم الإتقان في كل صغيرة وكبيرة. قال المسلمون: يا رسول الله بعد كل ذلك قلت لأم سعد: يا أم سعد لا تحتمي على الله الجنة، كيف؟ ألا يذهب سعد إلى الجنة مع ما قلته حول سعد وعملته؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعم إن القبر ضم سعداً ضمّة. قالوا: ولم يا رسول الله؟ قال: لأنه كان في خُلُقه مع أهله سوء(7). ليس من الغريب أن يؤكد الإسلام على هذه الأمور وإن صغرت، إن من الغريب أن يتوهم الإنسان خلاف ذلك، فالجزاء مرتبط بما عمله الإنسان (وأن سعيه سوف يرى)(8) (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)(9) وإن كان مثقال حبة من الخردل، فكل شيء له موضع وكل شيء له تقدير، وكل شيء له ثمرة وجزاء (إنما تجزون ما كنتم تعملون)(10). لا يقول إنسان إني عامل وإني نشيط وإني أجاهد في سبيل الإسلام، وإني أريد إقامة حكومة الإسلام، وإن لي أعمالاً كثيرة، ثم يترك بعض الواجبات ويظن أن ترك تلك الواجبات أو إتيان بعض المحرمات ليس بمهم. لا.. كل شيء مهم (وكل شيءٍ عنده بمقدارٍ)(11) فالقبر ضم سعداً ضمة لأنه كان في أخلاقه سوء مع أهله، وعلى أي حال هذه دروس بليغة جداً للذين يريدون القيام بالحركة. والجهة التي نريد طرحها هنا هي جهة (الإتقان في العمل) فبالإتقان في العمل يتقدم الإنسان وبعدمه يتأخر، وليس له أن يكون هشاً في تفكيره وفي عمله وفي تأليفه وفي قوله وفي حركته ونضاله وسائر شؤونه، فالحاكم والعالم والخطيب والثوري الذي يريد الحركة والتقدم وانتشال المسلمين، يلزم أن يكون متقناً لأعماله اتقاناً شديداً. هذا حديث لعله غريب في أنظارنا، لأننا لا نجد مثله في زماننا، وفي عالمنا المعاصر. الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يمشي في شوارع الكوفة وإذا به يرى فقيراً، شيخاً، طاعناً في السن يتكفف. وقف الإمام ووقف من كان معه، وتوجه إليهم وقال لهم: ما هذا؟ (لم يقل من هذا [ما] تستعمل في اللغة العربية لغير العاقل، أما [من] فتستعمل للعاقل، فكأن (عليه السلام) رأى شيئاً غريباً) . قالوا: يا أمير المؤمنين إنه نصراني قد كبر وعجز فأخذ يتكفف الناس. قال الإمام (عليه السلام): ما أنصفتموه، استعملتموه حتى إذا كبر منعتموه! أنفقوا عليه من بيت المال(12). والكوفة في زمان الإمام ـ حسب ذكر بعض المؤرخين ـ كان فيها أربعة ملايين نسمة، ففي هذا البلد الواسع، الإمام استغرب حتى من فقير واحد غير مسلم يتكفف، ثم يقول: ما أنصفتموه. يعني أنه لما كان شاباً كان يعمل ويكدح، ويكتسب المال ويعيش، حتى إذا عجز تركوه، فأمر له براتب يكفيه. انظروا إلى الإتقان، إذ في حكومة أمير المؤمنين العظيمة لا يوجد حتى فقير واحد!! وفي كلام آخر للإمام (عليه السلام) يقول: (لعل هناك باليمامة أو الحجاز من لا عهد له بالشبع)(13). الدولة الإسلامية الواسعة، وهي أكبر دولة في ذلك اليوم ويرأسها الإمام (عليه السلام) لم يكن حتى في أفقر مناطقها محتاج واحد، هذا معنى الإتقان. تعالوا إلى عالمنا اليوم، فقد ذكرنا في حديث سابق أن كتاب (التحدي العالمي) وهو كتاب غربي ترجم إلى العربية يذكر: أن في أمريكا وحدها أكثر من (30) مليون فقير، هل هذا إتقان؟ أم أن النظام الإسلامي هو المتقن؟ ولقد ذكرت صحف العالم في مناسبات مختلفة أن في العالم أكثر من ألف مليون فقير. يعني ما يقرب ربع البشرية جمعاء. والإتقان ليس معناه الإتقان في الكتابة، أو الإتقان في الزراعة، أو الإتقان في الصناعة فقط، بل معناه الإتقان في كل شيء، ومنه الإتقان في الحكومة والإدارة والسياسة، وفي الحاكم الأعلى، وشخصيات الثورة والدولة. |
|
الوفاء |
|
لا بد للمجاهدين في سبيل إقامة حكومة ألف مليون مسلم العالمية أن يتميزوا عن غيرهم بالتزامهم بالخلق الإسلامي الكريم لكي يجذبوا الناس إليهم.. ومن الأخلاق الإسلامية الكريمة (الوفاء) . الإنسان الوفي يثق به الناس ويحسنون الظن به، وكل من يصادقه يلمس منه الصدق لأنه يظل صديقاً له باستمرار، ولا يقطع خيط الصداقة معه. بينما غير الوفي لا يثق به حتى أصدقاؤه ولا ينسجمون معه كل الانسجام، ويكونون منه على حذر لأنه ربما يتركهم. ولو تعامل الناس مع المجاهدين بحذر ولم يضعوا فيهم ثقتهم، فسوف يعود ذلك بالضرر الكبير على الحركة الإسلامية كنتيجة لذلك. فلا تستطيع الحركة من تجميع الجماهير والسير بها قدماً إلى الأمام. فاللازم أن يكون أعضاء الحركة متحلين بصفة (الوفاء) ليس مع أصدقائهم فحسب، بل حتى مع الأعداء أيضاً في المعاهدات وأمثالها. ومن أسباب نجاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظاهرية هو التزامه بالوفاء. وكان (صلى الله عليه وآله) وفياً إلى أبعد الحدود، ولذا نشاهد أن بعض أصحابه الذين صادقهم لم ينقلب عليهم وإن انقلبوا عليه، بل كان يعتني بهم ويظهر الوفاء لهم.. ذات مرة تجسس أحد أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) واسمه (حاطب ابن أبي بلتعة) على المسلمين في قضية فتح مكة، ولو كان تجسس حاطب حقق مرماه ونجح في إيصال الأخبار إلى أعداء الرسول في مكة لكانت تراق دماء كثيرة، ولا يعلم بعدها من يكون الرابح في المعركة، الرسول أم المشركون؟ وكان (صلى الله عليه وآله) قد قرر فتح مكة بصورة سرية وسلمية حتى لا تراق الدماء، أي أخذهم على حين غرة لكي تسقط مكة في أيديهم ويستسلم أهلها للإسلام ولحكومة الله سبحانه وتعالى ـ وذلك على أثر نقض الكفار المكيين العهد الذي كان الرسول قد أبرمه معهم مما أعطى الرسول المبرر العرفي فضلاً عن المبرر الشرعي في فتح مكة في قصة طويلة مشهورة ـ، فلما قرر الرسول (صلى الله عليه وآله) فتح مكة والتحرك نحوها سراً كتب (حاطب بن أبي بلتعة) إلى الكفار يخبرهم بعزم الرسول. وقد علم الرسول (صلى الله عليه وآله) بالكتاب وأرسل علياً (عليه السلام) والزبير ليأخذوا الكتاب من المرأة التي كانت مرسلة من قبل حاطب إلى أهل مكة، فأخذ علي (عليه السلام) الكتاب منها، ورجع به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) . وعند ذلك أراد بعض الصحابة أن يقتل حاطباً على هذه الخيانة الكبيرة ـ والحق الشرعي والعرفي كلاهما يعطيان للرسول حق الانتقام من حاطب بقتله، فإن الجاسوس حكمه الجزائي القتل ـ لكن وفاء الرسول (صلى الله عليه وآله) حال دون ذلك وعفا عن حاطب، في قصة تحير التاريخ إلى هذا اليوم من عظمة الوفاء فيها، فكان (صلى الله عليه وآله) وفياً لا مع أصدقاءه فحسب، بل حتى مع الذين يرتكبون خيانة كبرى، أمثال حاطب. وفي قصة أخرى، تآمرت مجموعة على حياة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولكن المؤامرة انكشفت فعفا الرسول (صلى الله عليه وآله) عنهم(14). هذا الشيء يمكن أن يذكر في حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله)، ويمكن أن يذكر في وفاء الرسول (صلى الله عليه وآله)، ويمكن أن يذكر في تدبير الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث كان أقدر الناس على جمع الكلمة والسير بالأمة إلى الأمام. عفا عن حاطب وعفا عن المتآمرين الذين أرادوا قتله بالذات، ذلك لأن الوفاء يوجب التفاف الناس حول الوفي، سواء أكان فرداً عادياً أو عالماً، خطيباً، تاجراً، رجلاً، امرأةً، حزباً، منظمةً، هيئةً، حركةً، جمعيةً... وغيرها. القائمون بالحركة الإسلامية، الذين يريدون الوصول إلى الهدف، يجب عليهم أن يجعلوا الوفاء من أصولهم الأخلاقية الرئيسية التي يراعونها في حال الحركة، وعند تكون التيار العام، أي الحركة العامة، وبعد الحركة حين الوصول إلى الحكم في الأرض على ألف مليون مسلم، وبدون هذا الأصل لا يلتف الناس حول الإنسان، وإذا صادق الإنسان مجموعة لغرض العمل معهم، ثم انفصلت تلك المجموعة، يجب على الإنسان استقطابها إلى أبعد حد وأقصى قدر، وحتى إذا لم يتمكن من استقطابها يجب أن يبقوا متصادقين لا متحاربين، فإن الانشقاقات في الحركات والتجمعات مصيرها النهائي هو الفشل (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)(15). وهكذا نرى في قصص الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) وقصص العلماء أمثلة جميلة من الوفاء العجيب مع الصديق والعدو ومع الفئات الاجتماعية المختلفة. وقد جاء في أحوال إسماعيل صادق الوعد (وهو غير إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام) حيث يقول الله تعالى فيه: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد)(16): إن تسميته (عليه السلام) بصادق الوعد لأجل أنه حدّد مع رجل موعداً وكان خارج المدينة، فقال ذلك الرجل: (إن لي موعداً في المدينة) فسأذهب إليها وابق أنت هنا حتى أرجع إليك. فذهب الرجل إلى المدينة ونسي موعده مع إسماعيل نسياناً مطلقاً، واشتغل بأعماله من الصباح إلى الليل، وهكذا في اليوم الثاني والثالث، والرابع، وفي الأسبوع الأول والثاني والثالث... وهكذا.. إلى ثلاث سنوات وإسماعيل (عليه السلام) وفاءاً بوعده لم يبتعد عن مكانه، وإنما كان يشتغل بالتبليغ وأعمال أخرى في القرى التي كانت مجاورة لذلك المكان، فكان كلما ذهب إلى مكان عاد إلى موعده ويسأل من كان هناك حول صاحبه الذي ضرب معه موعداً فيقولون له: (ذهب إلى القرية الكذائية وسيرجع في الليل أو العصر مثلاً) فإذا جاء فأخبره إني آت وقت كذا. فبقي إسماعيل هناك ثلاث سنوات ينتظر الرجل، وذات مرة وعن طريق الصدفة مر ذلك الرجل من ذلك المكان ورأى إسماعيل هناك وتذكر الوعد، وقال: يا إسماعيل كيف بقيت في هذا المكان؟ قال: إنما بقيت وفاءاً بوعدي، يعني أنك وعدتني أن ترجع ولم تحدد الوقت، فبقيت أنتظر رجوعك، فكنت أشتغل بمهنتي وهي تبليغ رسالة الله سبحانه وتعالى في هذه الأطراف ـ فإن مهمة التبليغ لا تخص بلداً معيناً وإنما يجب التبليغ في كل مكان - . إن بقاء إسماعيل في مكان الوعد وانتظاره لصديقه ثلاث سنوات إنما كان لسبب مهم، هو: أن أنبياء الله والأئمة (عليهم السلام) إنما هم أسوة للأمة، ولذلك خلّد الله موقف إسماعيل بآية كريمة في القرآن لكي يتعلم الناس منه الوفاء ويقتدوا به، وقال: ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً)(17). فيجب على كل حركة إسلامية ـ تجاهد في سبيل إنقاذ جماهير الأمة الإسلامية من الاستعمار والتخلف والجهل ـ أن تراعي هذا الأصل الأخلاقي الهام (الوفاء) مراعاةً دقيقةً جداً. أما إذا تنازع هذا وذاك لاختلاف بينهما في الفكر أو في السياسة أو في طريقة العمل، وتناسوا ما بينهما من علاقات متينة، فهذا هو الذي يسبب تقلص الحركة وانفضاض الناس من حولها، وعدم الثقة بها، بالإضافة إلى انفصالهم عنها وعملهم ضدها. ويذكر في أحوال آية الله العظمى الإمام السيد أبو الحسن الأصفهاني (رحمة الله عليه) أنه كان من صفاته الحميدة الوفاء. نعم، الوفاء بكل دقة، حتى أنه سافر مرة إلى الكاظمية ـ إبان قيادته العامة ـ ليزور الإمامين الكاظمين (عليهما السلام)، ثم سأل بعض أصدقائه قائلاً: كان هناك كاسب بسيط في باب الصحن قبل ثلاثين سنة وكنت أشتري منه بعض الأشياء حين كنت طالباً في الحوزة، فهل هو موجود؟ فبادرت جماعة والتقت بذلك البائع البسيط، وقد شاخ وكبر وصار طاعناً في السن، فقالوا له: إن السيد أبا الحسن الأصفهاني يريدك، فجاء الرجل مسرعاً، فقال السيد للرجل: هل تذكرني؟ أجاب: لا يا سيدنا. قال: قبل ثلاثين سنة حين كنت طالباً في الحوزة كنت أتردد على محلك وأشتري منك بعض الأشياء. أجاب الرجل: لا أتذكر. قال السيد: أما أنا فأتذكر.. وأيضاً أتذكر أنك كنت تقول لي: بأنك لا تملك داراً، وكنت في ضيق من الإيجار، وعائلتك كبيرة فهل الحال كذلك الآن؟ قال الرجل: لا يا سيدنا إن عدة من بناتي قد تزوجن، وقد خفّت مسؤوليتي أما داري فلا زالت مستأجرة. قال له السيد: (اذهب واشتر داراً، وأنا ساُساعدك) . وبالفعل ذهب الرجل واشترى داراً وساعده السيد من بيت المال، وهذه صارت قصة نموذجية تذكر في أحوال السيد المرحوم، فكان من صفاته الوفاء حتى بعد ثلاثين سنة، وحتى مع الكاسب البسيط الذي كان يشتري منه بعض الأشياء في وقتٍ ما. الحركة الإسلامية العالمية، إذا أرادت بحق وإخلاص جمع مختلف التيارات العاملة على الساحة الإسلامية لإنقاذ الأمة من براثن الكفار والمستعمرين الشرقيين والغربيين ووليدتهم الصهيونية وعملائهم في المنطقة، يجب عليها أن تراعي الوفاء بكل دقة وأمانة، ولذا نرى نحن ذم بني العباس وبني أمية في التاريخ، لأنهم كانوا ينقضون العهد ولا يضعون للوعود قيمة، ونرى ذلك في قصص مشهورة بين معاوية والإمام الحسن (عليه السلام)، وبين يزيد وغيره، وبين خلفاء بني العباس وأبي مسلم الخراساني، والإمام الرضا (عليه السلام) والفضل بن سهل وغيرهم مما هو كثير. فهذه عبر يجب علينا أن نعتبر بها، وأن نكون في الحركة أوفياء مع كل من يستحق الوفاء.
|
|
1 ـ البحار: ج16 ص233 ح34. 2 ـ تفسير القمي: ج2، ص401. 3 ـ بحار الأنوار: ج16، 240. 4 ـ سفينة البحار: ج2 ص170. 5 ـ الوسائل: ج2 ص883 باب 60 من أبواب الدفن ح1. 6 ـ الوسائل: ج2 ص883 باب 60 من أبواب الدفن ح2. 7 ـ علل الشرائع: ص310 ح4. 8 ـ سورة النجم: الآية 40. 9 ـ سورة النجم: الآية 39. 10 ـ سورة الطور: الآية 16. 11 ـ سورة الرعد: الآية 8. 12 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص49. 13 ـ نهج البلاغة: الكتاب45. 14 ـ بحار الأنوار: ج28، ص97. 15 ـ سورة الأنفال: الآية 46. 16 ـ سورة مريم: الآية 54. 17 ـ سورة مريم: الآية 54. |