الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

عدم حب الشهرة

الزهد قسمان:

زهد عن الاُمور المادية وزهد عن الأمور غير المادية.

الزهد عن الأمور المادية بمعنى أن يكون الإنسان غير مهتم بأكله وشربه ولباسه ومسكنه وما أشبه الدنيا ملعونة ملعون من فيها ملعون من طلبها وأحبها ونصب لها)(1). وفي الآية الكريمة (ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ)(2). وقد أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد أبي ذر الغفاري ذات مرة وانتهى به المطاف إلى خربة، وكان في تلك الخربة شيء من الأثواب البالية، وشيء من مدفوع الإنسان، وشيء من عظام الإنسان ـ وإنما كانت العظام؛ لأن الجاهليين لم يكونوا يدفنون موتاهم كما ندفن نحن الآن موتانا حسب الموازين الإسلامية، وإنما كانوا أحياناً يدفنونهم، وأحياناً يحرقونهم، وأحياناً يضعونهم في مكان من الأرض ثم يرمون عليهم الحجارة وما أشبه، حتى يغطى جسمهم، وأحياناً يلقون الجنازة في خربة أو في بئر أو ما أشبه، لأن الإنسان لم يكن له احترام في الجاهلية وإنما الإسلام هو الذي احترمه هذا الاحترام المنقطع النظير حتى قال سبحانه: (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)(3) هذا الاحترام الذي لا تجد مثله في دين أو في قانون هو الشيء الذي جاء به الإسلام لأنه دين الله، الدين الذي جعل الإنسان محور الكون، وعلى أي حال فقد كان في تلك الخربة ـ إلى جانب الخرق والمدفوع ـ عظام لإنسان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر الغفاري: يا أبا ذر هذه ملابسهم التي كانوا يلبسونها، وهذه مآكلهم التي كانوا يأكلونها وهذا هو الإنسان، فانظر إلى مَ صاروا؟

وهكذا الدنيا قد يزهد الإنسان في مادياتها، وقد ذكرنا في حلقة سابقة: أن الحركة الإسلامية العالمية التي تريد الوصول إلى حكومة ألف مليون مسلم يجب أن يتزهد القائمون بها في الدنيا.

هذا قسم من الزهد، وهناك قسم ثانٍ من الزهد أصعب من هذا القسم، وهو الزهد عن الشهرة، الزهد عن السمعة، يعني أن القائمين بالحركة يجب ألا يفكروا في أن الناس سيمدحونهم، وأن الناس سيعظمونهم، وأن الناس سيبجلونهم ويسجلونهم في التاريخ في مصاف العظماء، أو ستنطق بأسمائهم الإذاعات والجرائد، أو سينوه بإسمهم في الاحتفالات والمجالس وعلى المنابر، فإن حب ذلك وحب الله لا يجتمعان في قلب إنسان، وهما هدفان متعاكسان لا يمكن الوصول إليهما معاً، فبينهما بون شاسع.

إن حب الشهرة وحب السمعة وحب أن يقال عن الإنسان الخير.. هذا الحب يوجب غمط حق الآخرين. إنه لا يستشير الناس حتى يقال إن هذا الشيء رأيه وهذا العمل عمله، ولذا نرى الاستبداديين والديكتاتوريين والذين نزع الله الإيمان عن قلوبهم يريدون الأنانية، يريدون الفردية، يريدون أن يقال عنهم الخير بينما يقال عن غيرهم الشر أو السوء، وعلى الأقل ألا يذكر سواهم، وهؤلاء كثيراً ما يتهمون زملاءهم حتى يسقطوهم عن أعين الناس، وإذا امتلك أحدهم القدرة استغل قدرته ـ من السلاح والمال والإعلام ـ لأجل أن يرفع نفسه ولأجل أن يضع غيره، فنرى مثلاً اثنين من الساسة، كلاهما كان إبان الاضطهاد في درجة واحدة، وأحياناً كان أحدهما أقدم درجة من الآخر، ثم يصل أحدهما إلى مرتبة رفيعة من الحكم، وإذا به يسقط صديقه السياسي عن الاستشارة وعن أخذ آرائه، لا هذا فحسب بل كثيراً ما يتهمه وكثيراً ما يشهر به في أجهزة إعلامه، ويوجه أجهزة إعلام الدولة وأموال المسلمين للفتنة والفساد والاتهام والقول بالإفك والإثم حباً للشهرة، رغم أن هذا الإنسان كان زاهداً في حياته الشخصية المادية أي يقتنع بمأكل قليل وملبس عادي ويسكن مسكناً بإيجار أو نحو ذلك.

القائمون بالحركة الإسلامية الذين يريدون الانتهاء بالحركة إلى الدولة الإسلامية الواحدة يجب عليهم أن يتنزهوا عن هذا الشيء وإلا فالديكتاتوريون والمستبدون ـ ولو برروا أعمالهم بألف مبرر ومبرر ـ هؤلاء ليسوا صالحين لتقديم الإسلام، فإن الشيء غير الطاهر لا يكون مقدمة للشيء الطاهر، كما أن الاساس المنحرف لا يمكن أن يكون أساساً لشيء مستقيم.

القائمون بالحركة الإسلامية يجب أن يعرفوا إنهم إن لم يزهدوا في التنويه بعيوب الآخرين فإنهم لا ينالون الهدف أولاً، وثانياً ينفض الناس من حولهم، وثالثاً تبدوا عوراتهم، (من تتبع عورات المؤمنين تتبع الله عورته، من تتبع الله عورته فضحه، ولو في جوف بيته)(4).

وقد ذكرنا سابقاً قول الشاعر:

لسانك لا تذكر به سوءة امرئ          فكلــك ســوءات وللــناس ألســـن

وعينك إن أبدت إليــك معايــباً          من الناس قل يا عين للناس أعين

إذا أسقطت صديقك السياسي فاعلم أن الدهر أيضاً يأتي بيوم يسقطك فيه، وفي الحديث (من حفر بئراً لأخيه وقع فيها) وعلى هذا المنوال. فالقائمون بالحركة يجب أن يراعوا هذا الأصل وهو أصل الزهد عن التنكيل بالشخص والشخصية، وإنا نرى أن الإمام الحسين (عليه السلام) وصل إلى الهدف، فلأنه كما ضحى بنفسه وبعائلته وبأقربائه وبأصحابه وبأمواله ضحى في نفس الوقت بسمعته، حتى كان آل يزيد يسمونهم بالخوارج، ويقولون إنهم كفرة وإنهم مبدعون، وإنهم خرجوا على سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولذا نرى أن الله عوض الإمام الحسين (عليه السلام) هذه المكانة العظيمة في الدنيا، والمكانة التي عند الله سبحانه وتعالى في الآخرة أعظم وأرفع.

وكذلك نرى نحن في الأنبياء العظام وسائر الأئمة الطاهرين والصديقة الطاهرة والبتول مريم عليهم الصلاة والسلام ونرى في العلماء الراشدين الشيء الكثير من التنكر لأشخاصهم والتنكر لشخصياتهم.

فمثلاً: إنا نرى الشيخ المرتضى زاهداً حتى في تأليفه ولذا لم يذكر اسمه في الرسائل والمكاسب وسائر كتبه، وإنما الذين أتوا بعده كتبوا اسمه الشريف على كتبه، فالشيخ بالإضافة إلى زهده في الماديات كان زاهداً أيضاً في الشهرة ونحوها، ولذا جعله الله سبحانه وتعالى علماً منذ قرن ففي كل الحوزات العلمية تدرس كتبه، والتعليقات والحواشي على كتبه من العلماء الذين أتوا من بعد الشيخ كثيرة، وسيبقى الشيخ علماً لأن ما كان لله ينمو (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً)(5) فإن ما يرتبط بالله سبحانه وتعالى يبقى، بينما ينفد ما يرتبط بغير الله (ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ)(6).

فإذا كان القائمون بالحركة الإسلامية العالمية مخلصين إلى هذا الحد، وزاهدين عن الزخارف وعن الماديات وعن حب السمعة والشهرة وما أشبه تمكنوا من الوصول إلى الهدف بإذن الله.

الإخلاص

يجب على القائمين بالحركة أن يربوا أنفسهم وأفرادهم ـ الذين يهدفون إلى النهضة الإسلامية الشاملة المنتهية إلى حكومة إسلامية ذات ألف مليون مسلم ـ على منتهى الإخلاص، فإن للإخلاص فائدتين:

الفائدة الأولى: لطف الله سبحانه، فإنه سبحانه يمنح لطفه ورحمته لعباده المخلصين، لأنهم قصدوه وحده في عملهم، وفكرهم، وجهادهم، وأخذهم، وعطائهم. وقد قال الله سبحانه وتعالى:

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)(7).

ولا يخفى أن الإخلاص أمر في غاية الصعوبة، لأنه يتطلب منك أن تعمل في سبيل الله خمسين عاماً ولا تريد بذلك جاهاً، ولا مالاً، ولا سلطاناً، ولا عزاً، ولا شهرةً، ولا سمعةً، وإنما تريد الآخرة، تريد إنقاذ المستضعفين من براثن المستكبرين، تريد وجه الله سبحانه ورضوانه، تريد عزّ المؤمنين.

إن هذا أمر صعب، ولذا نجد أن كثيراً من العاملين لا يستطيعون الوصول إلى هذه المرحلة من الإخلاص.

وفي الحديث الشريف:

(والناس كلهم هالكون إلا العالمون، والعالمون كلهم هالكون إلا العاملون، والعاملون كلهم هالكون إلا المخلصون، والمخلصون في خطر عظيم)(8).

والسبب في كل ذلك واضح، فالإنسان الجاهل هالك، لأنه لم يطع الله سبحانه وتعالى في التعلم، ثم إذا تعلم ولم يعمل فهو هالك أيضاً، ويقال له يوم القيامة: (هلا عملت؟) ـ كما جاء في حديث شريف عند تفسير قوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون)(9).

أما إذا علم الإنسان وعمل، ولكن لم يكن عمله عن إخلاص، بل أشرك مع الله غيره، فهو أيضاً هالك، لأن الله لا يتقبل إلا ما كان لوجهه.

وهل تنتهي القضية عند هذا الحد؟ كلا، إن المخلصين أيضاً في خطر عظيم! وما هو ذلك الخطر؟ إنه خطر الارتداد، وليس معنى الارتداد الكفر فقط، بل معناه: الارتداد عن منهج الله سبحانه بمختلف ألوانه وأشكاله، ولذا قال الله سبحانه بالنسبة إلى أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) :

(أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين)(10).

وعلى كل حال.. فإن الفائدة الأولى للإخلاص: لطف الله سبحانه.

أما الفائدة الثانية: فهي التفاف الناس حول المخلصين، أما الذين يعملون من أجل المال أو السلطان أو الرئاسة ـ أو غير ذلك ـ فإن الناس ينفضون من حولهم، وبالتالي: لا يمكن الوصول إلى الهدف.

وكم رأينا أناساً كانوا يهتفون بالدين والوطن، ولم يكونوا مخلصين، ثم سقطوا عن الأعين، الوطني منهم عن أعين الوطنيين، والديني منهم عن أعين الدينيين، وعن هؤلاء وأمثالهم قال الشاعر:

لا يخدعنك هتاف الناس بالوطن          فالقوم في السر غير القوم فـي العلـن

أحبولة الدين ركّت من تقادمــها          فاعتاض عنها الورى أحبولة الوطن!

إن أحبولة الوطن، أو المستضعفين أو الفقراء، وأمثالها.. كلها تصبح أحابيل مفضوحة إذا لم يكن الإنسان مخلصاً.

ومهما أراد غير المخلص التستر على نفسه، فإن نواياه تنكشف على الملأ، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما أضمر امرؤ شيئاً، إلا وظهر في صفحات وجهه، وفلتات لسانه)(11).

ويقول الشاعر:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة          وإن خالها تخفى على الناس تعلم

ثم إن الله سبحانه لا يتقبل من العمل إلا ما كان مُخلصاً وقد قال سبحانه:

(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)(12).

وفي الحديث الشريف: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلي بعد انتهاء حروبه على قتلى المسلمين، ثم يأمر بدفنهم بملابسهم من غير غسل ولا تكفين ولا تحنيط ـ كما يدفن كل شهيد -.

وفي إحدى الحروب جيء إليه (صلى الله عليه وآله) بالقتلى فصلى عليهم ثم جيء إليه بقتيل فرفض الصلاة عليه، وعلل ذلك (بأن هذا القتيل لم يحارب لأجل الله ورسوله، وإنما حارب لأنه وجد في جيش الأعداء حماراً أعجبه، فقاتل من أجل الحصول على الحمار) وقد سماه المسلمون بـ(شهيد الحمار) !

يجب على العاملين أن يحذروا أن يكونوا من قبيل (شهيد الحمار)، فلا يحاربوا لأجل الحصول على مال أو جاه أو امتياز معين أو في سبيل أن ينالوا وسام (الجهاد) فيكونون عندئذ شهداء الوظيفة أو الجاه أو السمعة، ويحرمون لطف الله سبحانه وينفض من حولهم الجمهور.

وفي حديث آخر: أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يصل على أحد القتلى بعد انتهاء الحرب، ولما سئل عن السبب أجاب: إنه لم يحارب من أجل الله، بل من أجل الحصول على امرأة في جيش الأعداء تدعى أم جميل فأطلق المسلمون عليه (شهيد أم جميل) .

وفي التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة على هذه الحقيقة.

فعبد الله ابن الزبير، والإمام الحسين (عليه السلام) كلاهما حارب بني أمية حرباً لا هوادة فيها، وكلاهما قتل، الحسين (عليه السلام) قتل في كربلاء وابن الزبير قتل في مكة، وصلبت جثته.. ولكن شتان ما بين القتيلين.. فسيد الشهداء الحسين (عليه السلام) أصبح مشعلاً وضياءً ينير الطريق للأجيال، وارتفع لواؤه في كل مكان من الأرض، وظل ذكره يتردد على كل الشفاه المؤمنة رغم مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام على استشهاده..

أما ابن الزبير فقد طواه النسيان.

والسبب: أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يهدف إلا مرضاة الله، وكان يقول: (وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وشيعة أبي.. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر)(13).

أما عبد الله بن الزبير فكان يريد التربع على كرسي الخلافة.. وأن يقال له (أمير المؤمنين) !

وهكذا ينتصر الإخلاص.. وتندحر المصلحية..

العمل الدائب

في معرض البحث حول المنهج الذي يؤدي بنا إلى الحكومة الإسلامية العالمية، لابد من طرح موضوع مهم هو (العمل الدائب) والدائم الذي لا يعرف الكلل ولا الملل، فإن الحركة الدائبة توجب النمو والتقدم، مما ينتهي إلى الحركة الإسلامية العامة، والحركة الإسلامية تنتهي إلى حكومة ألف مليون مسلم، بإذن الله تعالى.

فاللازم على الذين يريدون التحرك أن يعرفوا أنه قد انتهى وقت الكسل والخمول والنوم الكثير وأشباه ذلك، وقد روت خديجة أم المؤمنين عليها الصلاة والسلام أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نزل عليه الوحي ترك كل راحة وكان يدأب ليل نهار، في العبادة، والعمل، قلت له: يا رسول الله ألا تستريح؟ ألا تنام؟ فقال (صلى الله عليه وآله): لقد مضى عهد النوم يا خديجة.

يعني أن الإنسان يجب عليه أن يستمر في العمل إذا أراد تحقيق الهدف السامي، وإذا أراد رضا الله سبحانه وتعالى، وإذا أراد تقديم المسلمين إلى الأمام.

وأذكر أن والدي (رحمة الله عليه) كان يوصيني بقلة النوم وعدم التفكر بالأمور الدنيوية وينصحني بالمطالعة والمثابرة والعبادة وما أشبه. وكان هو (رحمه الله) قليل النوم، وقد قلت له ذات مرة: لماذا لا تنام يا أبة؟

فقال: إني سوف أنام في القبر طويلاً فأنا أؤخر نومي إلى القبر.

وهكذا العاملون يجب أن يتهيأوا بأنفسهم وأن يهيئوا أصدقائهم للعمل الدائب الذي لا يعرف الكلل.. من التأليف، الخطابة، اللقاءات الفردية، اللقاءات الاجتماعية، التكلم مع الأثرياء لأجل مساندة المشاريع الإسلامية، وهكذا على طول الخط.

وقد وصفت سيدتنا فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) في خطبتها المشهورة، ومن جملة ما قالت: (مكدوداً في ذات الله)(14) يعني أنه يعمل ليل نهار، لأجل الله سبحانه وتعالى.

ويروي لنا أصبغ بن نباتة وهو من تلاميذ الإمام (عليه الصلاة والسلام) يقول: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكوفة كان يصل الليل بالنهار، والنهار بالليل، تعباً وسهراً وعملاً، يصلي ويتعبد بالليل ثم يصلي صلاة الصبح، ثم يجلس معقباً ويقرأ القرآن، ويذكر الله سبحانه وتعالى، ويقرأ الأدعية إلى أن تشرق الشمس، ثم يذهب إلى داره قليلاً ويرجع كي يوزع وقته بين الدوران في الاسواق لأجل الأمر والنهي والموعظة، وبين المجيء إلى المسجد الجامع بالكوفة ليقضي حوائج الناس، ويقضي بينهم في مكان يسمى بـ(دكة القضاء)، وإذا صار الظهر صلّى، وكذلك يفعل في العصر إلى الليل، ويصلي صلاة المغرب والعشاء وبعد مضي هزيع من الليل يأتي إلى داره، فكنت معه ذات يوم، ولما انقضى هزيع من الليل رجعت معه إلى الدار فنمت في ساحة الدار، وذهب الإمام إلى غرفة من غرف الدار، ولم يكن النوم قد غلبني بعد وإذا بي أرى الإمام (عليه السلام) ينزل من الدرج وهو منحنٍ من شدة الإرهاق والنعاس، وكان يستند بيده الكريمة إلى الحائط، فظننت أن الإمام يريد شيئاً، فقلت: يا أمير المؤمنين ماذا تريد؟ قال الإمام: أريد أن أصلي لربي ركعات.

قلت يا أمير المؤمنين: قبل قليل جئت إلى الدار، وما نمت إلا قليلاً فكيف تقوم؟ ألا تريح نفسك، ألا تستريح؟ فقال الإمام كلمة يجب أن نتخذها ـ نحن المسلمون إذا أردنا العمل في سبيل إنقاذ الإسلام وبلاد الإسلام ـ أسوة في كل شؤوننا ويجب أن نربي الأجيال على هذه الحالة.

قال الإمام عليه الصلاة والسلام: يا أصبغ كيف أنام؟ إن نمت النهار ضيعت رعيتي وإن نمت الليل ضيعت نفسي.

وهكذا يجب أن يكون العاملون في سبيل الله دائماً في حالة حركة، وفي حالة هداية، وفي حالة إرشاد، وفي حالة توعية، وفي حالة تنظيم، وفي حالة بناء، وفي حالة دفع المفاسد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، حتى نتمكن من إنقاذ المسلمين والمستضعفين من براثن المستكبرين.

ولقد سيطر الشرقيون والغربيون على العالم وحطموا البشرية. في الهند وحدها أكثر من ثلاثمائة مليون جائع وفي أفريقيا يموت الأطفال جوعاً، وفي أفغانستان قتل المستعمرون الشيوعيون أكثر من مليون إنسان وشردوا زهاء خمسة ملايين، وفي الصين قتل ماوتسي تونغ أكثر من عشرين مليون إنسان.

أما البلاد الغربية فعادتهم القتل والنهب والسلب، وقد قتل الأمريكيون والإسرائيليون والبريطانيون في الحرب بين العراق وإيران أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان غير المشوهين والمسجونين والمفقودين وهكذا، فإذا أردنا إنقاذ المسلمين من براثن المستكبرين والمستغلين وعملائهم وتجار الحروب يجب أن نعمل ليل نهار في سبيل الله وقد قال تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)(15)، فيجب أن نكون كادحين حتى ينقذنا الله سبحانه وتعالى من براثن الشرقيين والغربيين وعملائهم من الصهاينة وأمثالهم.

التواضع

يجب على قادة العمل أن يربوا أنفسهم وأفرادهم على التواضع، التواضع لله والتواضع لعباد الله، فإن التواضع من أسباب التقدم، يقول الشاعر:

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر          على صفحات الماء وهو رفيع

ولا تك كالدخان يعــلو بنفســه          إلى طبقات الجو وهـو وضــيع

الإنسان المتواضع يلتف الناس حوله بينما الإنسان المتكبر يتفرق الناس من حوله، ومثل المتواضع مثل البحر الذي يأخذ الضريبة من ألوف الأنهار؛ لأن البحر تواضع وجعل نفسه دون مستوى الأنهار، والأنهار رفعت نفسها فوق البحر، بينما لو كان البحر أرفع مستوى وكان النهر أخفض، لانصبت مياه البحر في النهر.

من الواجب أن يلتزم الإنسان ـ الذي يريد تحقيق الهدف ـ بالتواضع للكبير، للصغير، للعالم، للجاهل، للغني ـ لا لغناه وإنما لجذبه إلى الهدف ـ للفقير، ولسائر الناس، وقد ورد في الحديث: (تواضعوا لمن تتعلمون منه وتواضعوا لمن تعلمونه)(16).

وقد ضرب الأنبياء العظام والأئمة الكرام والعلماء العاملون أروع الأمثلة في التواضع للحق وللخلق، وبذلك تمكنوا من جذب الناس إلى أهدافهم.

فهذا سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسلم على الصغير والكبير، والأسود والأبيض، والغني والفقير، والشريف والوضيع، وكذا كان الامام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) في الكوفة عاصمة الخلافة.

فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو رسول ورئيس دولة، يسلم حتى على الأطفال الذين يراهم في الشوارع والأزقة، وكان أمير المؤمنين ـ وهو الخليفة والرئيس لأكبر دولة في عالم ذلك اليوم ـ يسلم حتى على أقل الأفراد رتبة، فيجب علينا أن نتأسى بهما، ونسير وراءهما حتى نستطيع جمع الناس حول الإسلام وحول الدولة الإسلامية.

الحركة، يجب أن يتبناها رجال متواضعون سواء كانوا من القيادة أو من القاعدة، وأن يكون تواضعهم شاملاً، فيكون في الأكل، في اللباس، في المسكن، في السلام، في القيام للناس، في قضاء حوائجهم، وفي غير ذلك.

وقد ورد عن عيسى المسيح (عليه السلام) ـ وهو كسائر الأنبياء معلم الأخلاق ومربي الأجيال وأسوة للذين يريدون التقدم ـ أنه طلب ذات يوم من تلاميذه الحواريين أن يغسل أرجلهم؟ فقالوا: معاذ الله، أنت نبي الله ونحن تلاميذك، فكيف تغسل أرجلنا؟!

فقال عيسى المسيح (عليه السلام): بحقي عليكم إلا ما تركتموني أغسل أرجلكم.

فقالوا: يا معلمنا ويا سيدنا ولمَ تريد أن تفعل هذا الفعل؟ فأجاب عيسى (عليه السلام): حتى تتعلموا مني، وتكونوا في الناس هكذا، أي حتى تحترموا الناس وتتواضعوا لهم إلى درجة غسل أرجلهم، فاضطر أولئك التلاميذ للقبول، فغسل عيسى (عليه السلام) أرجلهم.

أيّ تواضع هذا من نبي عظيم بعث إلى شرق الأرض وغربها؟

وقد حفل التاريخ بنماذج كثيرة حول تواضع الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) وقد ورد أنه دخل ذات مرة ـ ضيفان: أب وابن، على علي (عليه السلام) وبعد أن جلسا واستقر بهما المجلس وتناولا الطعام، أخذ الإمام إبريقاً بيده ليغسل يد الضيف، فقال الضيف: أمير المؤمنين الله، الله، كيف تغسل يدي وأنت أمير المؤمنين؟ لكن الإمام أمره بالامتثال، فمد الرجل يده مكرها فغسلها الإمام (عليه السلام) .

ثم أعطى الإبريق بيد ولده محمد بن الحنفية (رحمه الله) فقال له: اغسل يد الولد، وكان ذلك بسبب أن الإمام لم يرد أن يحترم الولد بقدر احترام أبيه وهو بحضرة أبيه.

ثم قال للولد: لو كنت جئتني وحدك لغسلت يدك(17).

لنتصور إلى أي حد وصل التواضع بهذا الإمام العظيم حتى يغسل يد الضيف، إن هذا تعليم ودرس لمعاشر المؤمنين بالله واليوم الآخر ـ وخصوصاً لمن أراد تحقيق الهدف وأراد الحركة الإسلامية العامة المؤدية إلى حكومة ألف مليون مسلم ـ في كيفية السلوك الأفضل لجذب الناس واستقطابهم حول الأهداف الرفيعة.

وفي حديث آخر: أن يهودياً كان في صحراء الكوفة فرأى رجلاً في مسيره، فسأله اليهودي أين تريد يا عبد الله؟

قال الرجل: أريد الكوفة، فسأله الرجل: وأنت أين تريد؟

فأجاب: أريد الحيرة، فترافقا في الطريق وتكلما حتى وصلا إلى مفترق الطريق بين الحيرة والكوفة، فتوجه اليهودي إلى طريق الحيرة فاتبعه الرجل.

فقال له اليهودي: يا هذا ألم تزعم أنك تريد الكوفة؟

قال الرجل: نعم.

قال: ليس هذا طريق الكوفة وإنما هو طريق الحيرة.

قال الرجل: نعم، إني أعلم أن هذا الطريق طريق الحيرة، لكن نبينا أمرنا أن نتبع من رافقناه في الطريق خطوات، وشيع الرجل اليهودي ورجع إلى طريق الكوفة وانتهت القصة.

وبعد مدة كانت لليهودي حاجة في الكوفة فمر على باب المسجد الأعظم في الكوفة فرأى الجماهير محتشدة في المسجد، وهناك خطيب يتكلم فوق المنبر والناس يصغون إليه، فنظر وإذا الرجل الخطيب صاحبه الذي كان معه في الطريق، سأل اليهودي من أحد الحاضرين: من هذا الخطيب؟

قال الرجل: إنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فتعجب اليهودي تعجباً عظيماً، لأن أمير أكبر دولة إسلامية وأكبر دولة في العالم في ذلك اليوم يمشي وحده في الصحراء، ثم إنه رجل مسلم وهو يهودي يراه في الطريق فيصادقه ثم يشيعه خطوات في طريق الحيرة!

تعجب الرجل، وحق له أن يتعجب، ووقف حتى أنهى الإمام خطبته وخرج من المسجد، فوقف أمام الإمام بإكبار وقال: (أنت أمير المؤمنين) ؟

أجاب الإمام: نعم أنا علي بن أبي طالب.

قال اليهودي: ما هي شروط الإسلام؟

أجاب الإمام: (أن تشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً (صلى الله عليه وآله) رسول الله)، ثم ذكر له بعض شرائط الإسلام.

فقال اليهودي: فامدد يدك حتى أبايعك وحتى أشهد بالشهادتين.

وتشهد اليهودي بالشهادتين وأسلم على يد الإمام، ثم قال له الناس: لماذا أسلمت أيها اليهودي؟

قال: وكيف لا أسلم، وهل هناك دين أفضل من هذا الدين؟ الذي فيه رئيس الدولة الأعلى يرافق يهودياً في الطريق ثم يشيعه خطوات، إنه لا دين أفضل من هذا الدين(18).

إن هذه القصة القصيرة ترينا كيف أن الإمام (عليه السلام) جذب يهودياً إلى الإسلام بسبب أخلاقه الكريمة وتواضعه العظيم، ولهذا يجب علينا نحن ـ الذين نريد الحركة الإسلامية المنتهية إلى حكومة ألف مليون مسلم ـ أن نتواضع لله سبحانه وتعالى، وأن نتواضع لخلق الله سبحانه.

وفي الأحاديث: (ادعوا الناس بأعمالكم قبل أقوالكم)، ومن الواضح أن الناس ينظرون إلى عمل الإنسان قبل أن ينظروا إلى قوله.

فيجب علينا أن نجعل التواضع من الأصول العامة للحركة الإسلامية التي تنتهي إلى حكومة ألف مليون مسلم.

التأهيل الذاتي للحركة

على القادة الذين يريدون الحركة الإسلامية العالمية أن يكونوا بمستوى هذه الحركة، وأن يغرسوا في أنفسهم، وفي أعمالهم، وفي أفكارهم، وفي سلوكهم المؤهلات التي يتقدمون بها إلى الأمام، فإن الحركة الإسلامية إذا أرادت أن تتحول إلى حركة عالمية حقيقية بعيدة عن الدعاية والتهريج والسمعة وحب الظهور يجب أن تكون مؤهلة لقيادة المسلمين في عالم يعلم فيه الكل أن الشرق والغرب قد نشط في التنظيم وفي الدعاية وفي الصناعة وفي التكنولوجيا وتقدم فيها خطوات كبيرة جداً، إنهم وإن خربوا آخرتهم لكنهم عمروا دنياهم.

والحركة الإسلامية لا تعمل في الفراغ، بل إنها تجاهد، وهي في معترك التيارات والمؤهلات والأفكار والأعمال والتنظيمات وما أشبه، لذا يجب على القائمين بالحركة أن يؤهلوا أنفسهم لمثل هذه الحركة ولمستوى قيادة الألف مليون مسلم بدلاً من القيادات الشرقية والغربية والديكتاتورية والعميلة.

إنه ليس الأمر بالدعايات والادعاءات ولا بالرياء ولا بالسمعة ولا بالتهريج، إنها حقيقة صعبة، حقيقة النهضة الشاملة في عالم مزدحم بمختلف الاتجاهات والأفكار والتيارات والأعمال، والمؤهلات النفسية من الشروط الأساسية لمثل هذه الحركة.

ينقل في التاريخ: أن عالماً كان يسمى بالجبائي، وكان محترماً عند العلماء وعند الأمراء، وإذا دخل المجالس قدم على زملائه لعلمه، ولما مات هذا العالم جاء ابنه بعده ودخل دار الأمير، ثم تصدر المجلس على عادة أبيه رغم وجود العلماء وكبار السن في المجلس.

فسأل الأمير عنه: من أنت؟

قال: (أنا ابن الشيخ الجبائي) .

لكن الأمير لم يعجبه عمل هذا الشاب، حيث إنه تقدم على الشيوخ وجلس إلى جانب الأمير، فسأله مسألة لم يتمكن الشاب من الجواب، فسأل الأمير تلك المسألة من الإنسان الجالس عن يمينه فأجاب الجواب الكافي، وتوجه الأمير إلى الجبائي الولد وقال له: (هذا الشيخ مقدم عليك في العلم والفضيلة ولهذا لا يحق لك أن تجلس في مكان هو أولى به منك، فقم واجلس بعده) .

ثم سأل الأمير من ولد الجبائي مسألة ثانية، فلم يتمكن من الجواب، وسأل الأمير نفس المسألة من الذي تقدم الجبائي عليه في المجلس، فأجاب ذلك الشيخ الثاني جواب المسألة الثانية عندها توجه الأمير إلى الجبائي وقال: (قم واجلس بعد هذا الشيخ الثاني لأنه أفضل منك) .

وهكذا أخذ الأمير يسأل من الجبائي الولد مسألة تلو أخرى، وهو لا يتمكن من الجواب، ثم يسأل المسألة المذكورة من الذين هم أخفض منه مكاناً في المجلس، فإذا أجابوه أمر الأمير ولد الجبائي أن يجلس مجلسا دون ذلك المجيب، حتى انتهى الولد إلى صف الأحذية، فقام من المجلس، وقد ابتل بالعرق خجلاً من فشله، وتوجه إليه الأمير وقال له: يا بني إن أباك استحق هذا المكان الرفيع على كل هؤلاء بعلمه لا لنسبه ولا لاسمه ولا لغير ذلك، فخرج الولد من المجلس، وأخذ يكدح في تحصيل العلم وسهر لياليه وأتعب نفسه حتى صار عالماً كبيراً بعد عشرات من السنين، وبذلك استحق أن يتقدم على أهل العلم، وكان إذا دخل المجالس قدموه على أنفسهم، حتى اشتهرت العلوم الدينية عنه وعن والده ولُقّبا (بالجبائيين)، وقد ذكرهما شرح التجريد للعلامة الحلي (قدس سره) وبعض الكتب الأخرى.

وهكذا الحياة، إنها ليست اعتباطاً، ولا يمكن أن تنال بالكسل والأماني، يقول الله سبحانه وتعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به)(19).

ويقول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني          ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

والمراد الغلاب في العلم، الغلاب في العمل، الغلاب في الإتقان، الغلاب في الدقة، وهكذا فالدنيا تنافس، والآخرة تنافس، كما يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون)(20).

الواجب أن يعمل الإنسان ـ وأن تعمل الحركة الإسلامية، وأن يعمل كل فرد من الحركة في البعدين الديني والدنيوي. وفي البعدين العملي والعلمي ـ إذا أراد التقدم.

أما السباب، أما الأماني، أما ما يسمى بـ(الشطارة)، أما الاعتباطيات، فإنها لا تصل إلى شيء، فيجب على القائمين بالحركة أن يوفروا المؤهلات في أنفسهم، وفي أعمالهم حتى يلتف الناس حولهم، فإن الناس لا يلتفون حول أي إنسان، بل إنهم يلتفون حول الشيء الحسن، الجيد، الجميل، وهكذا.

وهناك قصة أخرى عن أحد تلاميذ صاحب الجواهر (قدس سره) وهو علم من أعلامنا البارزين، فإنه ينقل أن أحد مشايخ منطقة العمارة في العراق غضب على شاب من عشيرته، لأنه لم يعمل ما أراده شيخ العشيرة، فأمر بالولد أن تقطع يده عقاباً على مخالفته لأوامر الشيخ.

ففر الولد وفكر في الالتجاء إلى مكان لا تصل إليه يد الشيخ، فالتجأ إلى النجف الأشرف وإلى مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاستهوته مناظر الدروس في الصحن الشريف وفي المدارس، وأخذ يدرس ويدرس حتى وصل إلى أعلى مراحل الدراسة الحوزوية، وبدأ يشترك في حلقات درس الخارج التي يلقيها الفقهاء العظام على تلامذتهم، فحضر درس آية الله العظمى الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر وأصبح عالماً، كاملاً، عادلاً، شريفاً، عفيفاً، نزيهاً.

وذات مرة جاءت عشيرة هذا الرجل إلى النجف وعلموا بأن ولدهم من كبار تلاميذ صاحب الجواهر، فأطلعوا الشيخ صاحب الجواهر على ذلك، وطلبوا أن يجعل هذا الشيخ وكيلاً عن نفسه في العشيرة ـ في منطقة العمارة -.

وقبل صاحب الجواهر، وكتب له كتاباً في الوكالة عنه، فعاد الشاب ـ الذي كان قد بقي في النجف ما يقارب عشرين سنة ـ إلى عشيرته، فاستقبلته العشيرة وتهافتوا يقبّلون يده ووجهه، وجاء رئيس العشيرة وقبّل يده، وكان هناك رجل حكيم مشترك في مراسم الاستقبال، فقال لصديق له: (انظر إلى الفرق بين النفس الرفيعة المؤهلة بالعلم والعمل، وبين النفس العادية، العاطلة عن العلم والعمل، إن هذا العالم لما كان شاباً أراد (شيخ العشيرة) أن يقطع يده، ولما ارتفعت مكانته بالعلم والعدالة جاء نفس الشيخ يستقبله ويعانقه ويقع على يديه يقبلهما) .

إن الإنسان لا يتقدم في مضمار الحياة بالتأفف والأماني والديكتاتورية والاستبداد والتهريج والدعاية الباطلة الزائفة، وإنما التقدم يكون بالإتقان والصحة في العمل والفضيلة والتواضع وبتوفير المؤهلات في النفس.

فالواجب على أفراد الحركة أن يهتموا لملء أنفسهم بالمؤهلات التي تعطيهم زمام الحركة الإسلامية.

التحلّي بالآداب الرفيعة

طلائع الحركة الإسلامية رجال شعبيون منصهرون في بحر الجماهير، ولو لم يكونوا كذلك فإنهم لا يحققون تقدماً ولا يستطيعون أن يخطوا شبراً واحداً على صعيد العمل في سبيل إقامة حكومة الإسلام العالمية.

من هنا.. لا بد لطلائع الحركة الإسلامية أن يلتزموا بالآداب الإسلامية الرفيعة التي تحببهم إلى قلوب الناس، وأن يربوا أفرادهم على الآداب، لأن الأدب يوجب التفاف الناس حول الإنسان وحول الحركة.

إننا نشاهد في المجتمع أن أي مهندس أو طبيب أو خطيب أو عالم.. وأي جمعية أو حزب أو منظمة.. وأي فرد كان.. إذا التزم بالآداب الإسلامية يكون في راحة، ويلتف الناس حوله بشغف، بينما نشاهد من لا أدب له ينفض الناس من حوله، وكذا نرى أن الحكومة إذا كانت غير مؤدبة، سبابة، همازة، لمازة، ولعانة وطعانة.. تركها الناس، وربما عملوا على إسقاطها.

وهكذا الحركة إذا أرادت أن تكون جماهيرية تضرب بجذورها في أوساط الناس من ناحية، ومن ناحية ثانية تصل إلى الهدف وتتمكن من استقطاب أكبر قوة شعبية في الساحة معها، فإنه يجب أن يكون القائمون بها مؤدبين لساناً، يداً، عملاً، حركةً، فكراً، كتابةً... إلخ.

إن أحد أكابر علمائنا، وهو الشيخ المرتضى الأنصاري (قدس سره) كان في كمال الأدب في كتبه (الطهارة والصلاة والمكاسب والرسائل) وغيرها مع الذين لا يرون رأيه، فهو يناقشهم بكل احترام وأدب، في الوقت الذي نرى بعض الكتاب الذين يسيئون الأدب مع الناس حيث ينفض الناس من حول كتاباتهم ولا يلتفتون إليهم.

فيلزم أن يكون الإنسان متصفاً بالآداب الرفيعة، ويكون ذا تحمل كبير، بحيث يتمكن من السيطرة على أعصابه في حركته وسكونه، في نومه ويقظته، في سفره وفي حضره، في لسانه وفي قلمه، في معاشرته مع أصدقائه، ومعاملته مع أعدائه.

وهكذا نجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) اتخذ من حسن الأدب وسيلة إلى جلب أولئك الكفار الغلاظ الشداد، الذين كانوا أبعد موجود عن الأدب، ولما جاءه عدوه الأول أبو سفيان قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ألم يأن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله) .

ثم قال بكل لطف: (ألم يأن لك أن تشهد أني رسول الله)(21)؟ ثم قابل إساءته بالإحسان في قصة معروفة، مما ضرب أروع مثل للإنسان المؤدب بالآداب الرفيعة.

وفي حديث أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)(22).

وفي أحاديث متعددة: (إن الله أدب نبيه بآدابه ففوض إليه دينه)(23).

فيجب على الحركة أن تراعي هذا الأصل الإنساني الأساسي الذي يقرب الحركة إلى الهدف بإذن الله سبحانه وتعالى وهو: الآداب الإسلامية السامية.

وفي التاريخ نقل: أنه كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) ألف وال، وألف قاض، وكان القضاة الذين يعينهم الإمام (عليه السلام) في أرفع درجات العدالة والنزاهة والآداب الإسلامية، وكان منهم أبو الأسود الدؤلي (رضوان الله عليه) .

وفي الحديث الشريف: إن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) طلب أبا الأسود وعزله عن القضاء في المنطقة التي كان الإمام قد نصبه فيها.

جاء أبو الأسود إلى الإمام متأثراً وقال: (يا أمير المؤمنين لم عزلتني وما خنت ـ في أموال المسلمين ـ وما جنيت ـ في أعراضهم ودمائهم ـ ).

قال الإمام عليه الصلاة والسلام: (نعم) - يعني لم تخن ولم تجن -  ولكن(إني رأيت كلامك يعلو كلام الخصمين)(24).

الإمام (عليه السلام) يعزل القاضي النزيه الذي يعترف بعدالته، لأنه حين التحقيق القضائي يعلو صوته صوت الطرفين، لماذا هذا الأمر؟ الحكم بيدك ويجب أن تقول هذه الدار لفلان، هذه الزوجة لأحد المتخاصمين، أما أن تصرخ وأن يكون الصوت أعلى من صوت الطرفين المتنازعين فلا.

الإسلام يراعي الآداب إلى هذا الحد، لأن الإسلام دين الإنسان، دين الرحمة والشفقة، دين الفضيلة والكمال.

ولذا يجب على الحركة أن تتعلم من الأنبياء والأولياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) الآداب.

وفي التاريخ: أن رجلاً سب الإمام السجاد (عليه السلام)، فأغضى (عليه السلام) عنه حتى يشعره بأنه لم يسمع، فسبه مرة ثانية، والإمام ساكت مغض عنه، ثم سبّه مرة ثالثة والإمام ساكت، فلم يتحمل الشاب سكوت الإمام (عليه السلام)، فقال للإمام إياك أعني.

فأجابه الإمام (عليه السلام): (وعنك أغضي) .

يعني: أني شعرت أنك تريدني بالسب، لكن أغضيت عن كلامك لأنه لا يليق بالإنسان الرفيع أن يرد السب بمثله.

وفي حديث، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: معاشرة الناس ثلاثة أثلاث، ثلثان التغافل، وثلث المداراة.

فعلى الإنسان ـ خصوصاً إذا كان ذا هدفٍ رفيعٍ ـ أن يتظاهر بأنه لم يشعر بالسب، بالهمز، باللعن، بالطعن..

والشاعر يقول:

ولقد أمرّ على اللئيم يسبني            فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني

هذا ثلثان.. والثلث الآخر: مداراة الناس، والإحسان إليهم..

يقول الشاعر:

ودارهم ما دمت في دارهم          وارضِهم ما دمت في أرضِهم

ولقد ورد في الحـــديث الشريف، عـــن رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنـــه قـــال: (كلما نزل جبرئيل أمرني بمداراة الرجال)(25).

وفائدة المداراة ترجع إلى الإنسان، ترجع إلى الحركة، ترجع إلى المنظمة، ترجع إلى الجمعية، ترجع إلى الحزب، ترجع إلى الإنسان الذي يريد تحقيق هدف كبير في الحياة.

الحركة يجب أن تكون في مستوى رفيع من الآداب في كل شؤونها.

ذات مرة وصف شخص في كتاب له نصير الدين الطوسي (رحمه الله) بالكلب، فأجاب عنه نصير الدين الطوسي بجواب رقيق لطيف يذكره الشيخ عباس القمي (رضوان الله تعالى عليه) في كتابه القيم (الكنى والألقاب)، وهكذا كان الأنبياء والأئمة والصالحون من العلماء الراشدين والذين تمكنوا من التقدم إلى الأمام، وأن يصلوا الأمة إلى الأهداف السامية، الرفيعة.

وهناك قصة تنقل عن أحد كبار العلماء العاملين، وقد كان هذا العالم جالساً في محضر جماعة من أصدقائه العلماء، فدخل عليه ريفي وهو يحمل معه مقداراً من الخيار في غير موسمه هدية للعالم، فأخذ العالم واحدة وتذوقها، ثم تناول الخيار كله، لم يقدم لأحد الجالسين شيئاً منه ـ وسط دهشتهم ـ ثم شكر الريفي وأهدى له هدية، فقام ذلك الريفي وانصرف.

وبعد ذلك توجه إلى جلسائه وقال لهم ربما تعجبتم من أكلي الخيار وحدي بدون تقديمه لكم، إني كنت قد نويت تقشير الخيار وتقديمه إليكم، ولكني ذقت الخيار فوجدته في غاية المرارة، فقلت لنفسي لو قدمته إليكم وذاقه بعضكم لأمكن أن يقول: إنه مر، وذلك يسبب خجل الريفي الذي أهدى الخيار، فرجحت أكل الخيار وتحمل المرارة الجسدية على مرارة الريفي النفسية.

وبهذا الأدب الرفيع تمكن الأنبياء والأئمة والعلماء والمخلصون من التقدم بأممهم إلى الأمام.

فالحركة يجب أن تتخذ الآداب الرفيعة مصدراً ومورداً ومنهجاً وأصلاً تسير الحركة عليه، فإذا فعلنا ذلك اقتربنا من الهدف المنشود.

الابتعاد عن الدكتاتورية

القائمون بالحركات يجب عليهم الابتعاد عن السلطات الدكتاتورية التي ملأت البلاد الإسلامية لا لدفع الاتهام فحسب، وإنما لأجل أن المقترب من السلطان وأعوان السلطان لا بد وأن ينزلق، وفي الحديث: (المرء على دين خليله)(26).

لا يمكن أن يقول الإنسان إني أقترب من القذارة ولا يلوثني منها شيء، كما إنه إن اقترب الإنسان من العطر اكتسب رائحة العطر.

ولعل هذا هو سر قوله تعالى: (ولا تقربوا الزنى)(27) يعني أن مجرد التقرب من الزنا فيه خوف الوقوع، فيلزم أن تكون الحركة نظيفة إلى أبعد الحدود ولا ترتبط بالسلاطين والأمراء والرؤساء من قريب أو بعيد مطلقاً.

ويجب على الإنسان ألا ينخدع بذريعة أن فلان ( رئيس الجمهورية) مثلاً، لأن رئيس الجمهورية إنما لا يكون ديكتاتوراً إذا بُدّل هو وأعوانه كل أربعة سنوات أو ما أشبه.

فمن الضروري على الحركة النزيهة التي تريد أن تنتهي إلى إقامة حكم الله على ألف مليون مسلم، الاجتناب القطعي عن السلطات مهما كانت السلطات وراثية أو انقلابية عسكرية أو رئاسة الجمهورية مستبدة ديكتاتورية أو ما أشبه، فإن ذلك يسبب أولاً تراخي الحركة في ذاتها، وثانياً يسبب اتهام الناس للحركة والمرتبطين بها و(من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن)(28) كما في الحديث، وفي حديث آخر: (من دخل مداخل السوء اتهم)(29) فمن الواضح أنك إذا رأيت إنساناً خرج من بيت باغية ـ والإنسان العادي غير معصوم بطبيعة الحال ـ فإنك تظن به سوءاً...

فمن الضروري أن يتجنب الإنسان مواقع الاتهام.

ومواقع الاتهام هي: الثروة، القرب من السلطات، الترف... كل هذه الأمور هي مواقع اتهام، مهما كان الإنسان مخلصاً.

وعلى أي حال فهذا أيضاً أصل يجب اتباعه من قبل القائمين بالحركة إتباعاً صارماً وإلا سقطوا.

ولذا نرى في التاريخ أن كل عالم وكل حركة اقتربت من السلطات انزلقت على الأغلب ثم سقطت، وبالعكس نرى أن كل حركة وكل فرد ابتعد عن السلطات كان في محل الاطمئنان.

ولا يخفى أن الكلام في الأصل العام وفي القاعدة الأولية، وإلا فلكل قاعدة مستثنيات كموسى (عليه السلام) اقترب من قصر فرعون لنصحه، وإبراهيم (عليه السلام) اقترب من نمرود لإرشاده، ونبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) اقترب من أبي جهل وأبي لهب لإرشادهما، وهما من كبار رجال السلطة في مكة أيام الجاهلية.

فمن الضروري إذن الابتعاد عن السلطات فرداً وحركةً.

ونحن نرى في التاريخ أمثلة كثيرة من الطرفين، مثلاً من الذين اقتربوا من السلطات وفسدوا وأفسدوا الشيخ أبو يوسف القاضي، حيث اقترب من هارون العباسي على فسقه وفجوره وسفكه للدماء ومعاقرته للخمر (وكان عصر الرشيد ـ وليس برشيد ـ عصراً مظلماً مرعباً يلاحظه الإنسان إذا راجع التاريخ المحايد الذي لم يكن فيه كاتب التاريخ من كتاب البلاط، أما إذا كان من كتّاب البلاط فيقول كل شيء ويزيف كل حقيقة وليس ذلك بمهم عنده) .

أبو يوسف اقترب من السلطات ومن هارون العباسي بالذات، ولهذا كان يفتي بغير ما أنزل الله حتى في الدماء والأعراض، ومن القصص المشهورة عن أبي يوسف والمذكورة في التواريخ: أن هارون العباسي قرر الزواج بزوجة لأبيه، وهي محرمةٌ عليه كتاباً وسنةً وإجماعاً وعقلاً، لكن زوجة أبيه كانت أشرف منه وملتزمة دينياً بصورة نسبية، فعارضت هارون في القضية قائلة: (كيف ذلك أيها الخليفة وأنا زوجة لأبيك) .

لكن شهوات هارون حالت دون الاستماع إلى صوت العقل وصوت الشرع، قال: سأستفتي المرجع الديني! فذهب إلى أبي يوسف وقال له: إن هذه المرأة تدعي أن أبي اقترب منها فماذا تقول بزواجي منها؟

قال أبو يوسف: - لما رأى ميل الخليفة إلى الاقتراب منها - (إنها تكذب يا أمير المؤمنين فلا يهولنّك ما تقول)، فاقترب منها ضارباً عرض الحائط القاعدة المشهورة: (هن مصدقات على فروجهن) واقترب منها هارون وأعطى لأبي يوسف مائة ألف درهم ـ أي خمسين ألف مثقال من الفضة ـ جزاءً لفتياه هذه.

هكذا يكون حال المقترب من السلطات الديكتاتورية والرؤساء المستبدين، وفي قبال هذه القصة قصة أخرى لعالم شريف وهو آية الله الحاج ملا هادي السبزواري صاحب شرح المنظومة: إن هذا الرجل كان عابداً زاهداً وسمع السلطان القاجاري ناصر الدين شاه باسم هذا الرجل وعلمه وزهده، وسأل من أصدقائه هلموا نطلب من هذا العالم أن يأتي من سبزوار إلى طهران لأراه.

قالوا له: إنه لا يأتي إليك ولو طلبته، لأنه مرتبط بالله وليس مرتبطاً بالسلاطين. بعد ذلك سأل ناصر الدين شاه: (وهل يذهب إلى الحج حتى نراه في طريقه) ؟

قالوا: (إنه قد ذهب إلى الحج الواجب وهو مشغول بالعلم ويرى العلم فريضة والحج بعد ذلك سنّة) .

قال لأصحابه: وهل يذهب إلى العتبات المقدسة؟

قالوا: ذهب إلى العتبات ويرى الذهاب إلى العتبات سنة، والعلم فريضة، لأنه يدير حوزة علمية هناك، والحوزة العلمية تقوم به، فإذا ذهب إلى السفر اختلت أمورها، ويرى ذلك غير مشروع.

قال: فنحن نذهب إلى خراسان، وبهذا المبرر نمر من سبزوار ونراه.

وعندما وصل السلطان إلى سبزوار زاره كثير من الناس من مختلف مناطق سبزوار وأريافها وما أشبه، وكلما سأل: هل جاء الحاج ملا هادي؟ قالوا: (لا) .

فاضطر إلى أن يرسل إلى الملا هادي إنساناً يقول له: إن الملك يريد زيارتك. ذهب الرسول ورجع وقال للملك: إن الملا يقول إني لا أرتبط بالملك ولا أحب أن يزورني فإني مشغول بعملي.

فنظر ناصر الدين شاه إلى رئيس وزرائه وقال: يجب علينا أن نذهب إليه سراً بدون اطلاعه، كزائر غريب.

قال رئيس الوزراء: (نعم الرأي ما رأيت) .

فذهبا كفردين عاديين وطرقا عليه الباب فجاء الخادم، فقالا له: إنا نريد الشيخ.

فذهب ورجع وقال: ادخلا، فدخلا، وإذا بالعالم جالس على حصير من القصب وهو مشغول بتأليفه، فجلسا عنده وسلما عليه، فرد عليهما السلام وقال: (من أنتما وما تريدان) ؟

قال: أنا ناصرالدين شاه وهذا رئيس وزرائي.

قال الشيخ: (ماذا تريدان) ؟

قالا: (كنا نريد زيارتك فهل لك حاجة) ؟

قال: (كلا، لا حاجة لي إلى محتاج، إني بحاجة من رأسي إلى قدمي، لكن حاجتي إلى قاضي الحاجات، وليس من يسمونه بالملك) .

قال ناصر الدين شاه: ( ألا نأمر برفع الضريبة عنك) ؟

قال الحاج ملا هادي: (لا، لأنه لا فائدة من ذلك، أما إذا رفعت الضريبة عن كل البلد فذلك شيء مفيد، أما أن ترفع عني الضريبة وتجعل الضريبة على غيري فهذا شيء غير صحيح، وإني لا أريد ذلك، حتى لا تكون كالرشوة لي) .

وبعد ذلك قال ناصر الدين شاه: (وهل تسمح لنا بأن نبقى في بيتك لنأكل من طعامك ظهراً) ؟

قال: (لا بأس) ثم صاح العالم، (علي بغذائي) وكان الوقت ظهراً، فجاء الخادم بطبق من الخوص وعليه قرصان من خبز الشعير وإناء ملح وإناء ماء وملعقة من الخشب.

قال لهما: (تفضلا)، فلم يتمكن ناصر الدين شاه ورئيس حكومته أن يأكلا من ذلك الأكل إلا القليل، ثم أخذ ناصر الدين شاه قسماً من الخبز والملح في منديل له وقام وانصرف من مجلس الشيخ.

وكان ناصر الدين شاه إلى وقت موته يقول: (إنه عالم رباني مرتبط بالله وغير مرتبط بالدنيا) .

وهكذا نرى صدق حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: (إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فقولوا: بئس العلماء وبئس الملوك وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء - أي إنهم يعودون العلماء لأخذ الأحكام والمسائل لا للاستفادة من شخصياتهم وسمعتهم ومركزهم - فقولوا: نعم الملوك ونعم العلماء) .

الواجب على الحركة الإسلامية التي تريد مرضاة الله والانتهاء إلى حكومة ألف مليون مسلم، أن تبتعد عن بيوت الملوك والأمراء ومن أشبههم حتى تبقى الحركة على نظافتها من ناحية، وحتى لا تتهم عند الناس بما يوجب انفضاضهم من حول الحركة من ناحية ثانية، وحيث إن المجاهد الذي يكون مع الله فالله ينصره (إن ينصركم الله فلا غالب لكم)(30).

 

1 ـ مستدرك الوسائل: ج12، ص38.

2 ـ سورة النحل: الآية 96.

3 ـ سورة المائدة:الآية 32.

4 ـ بحار الأنوا: ج68، ص214.

5 ـ سورة الكهف: الآية 46.

6 ـ سورة النحل: الآية 96.

7 ـ سورة العنكبوت: الآية 69.

8 ـ ميزان الحكمة: ج3 ص60 ح4768 عن تنبيه الخواطر.

9 ـ سورة الصافات: الآية 24.

10 ـ سورة آل عمران: الآية 144.

11 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم26.

12 ـ سورة البينة: الآية 5.

13 ـ البحار: ج44 ص329 ح2.

14 ـ بحار الأنوار: ج30، ص402.

15 ـ سورة الانشقاق: الآية 6.

16 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص177 ح17.

17 ـ البحار: ج41 ص55 ح5.

18 ـ الكافي: ج2 ص670 ح5.

19 ـ سورة النساء: الآية 123.

20 ـ سورة المطففين: الآية 26.

21 ـ البحار: ج21ص104.

22 ـ ميزان الحكمة: ج1 ص78 ح427.

23 ـ الكافي: ج1 ص267 ح6.

24 ـ مستدرك الوسائل، ج17 ص359..

25 ـ الوسائل: ج8 ص541 باب121 من أبواب أحكام العشرة ح8.

26 ـ أنظر الوسائل: ج11 ص502.

27 ـ سورة الإسراء: الآية 32.

28 ـ الوسائل: ج8 ص423.

29 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج4، ص81.

30 ـ سورة آل عمران: الآية 160.