الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

التعاون الإسلامي الشامل

التعاون هو الأساس الثالث من الأسس العامة للحركة، وهذا الأصل يجب أن يكون قبل الحركة، ومع الحركة، وبعد الوصول إلى دولة ألف مليون مسلم، بإذن الله تعالى.

والتعاون يعني نبذ كل التفرقات، والتنسيق بين كافة المنظمات والأحزاب والجمعيات والمكتبات ودور النشر والمؤلفين ووسائل الإعلام وما أشبه. يجب علينا أن نفكر في التعاون تفكيراً جدياً وأن نجعله تطبيقاً خارجياً، وإلا فالمستعمرون يفرقون بيننا بألف اسم واسم، ويحاولون جر الحركة إلى التشتت ثم يهدمون الحركة جزءاً جزءاً حتى تكون البلاد لقمة سائغة في أفواه المستعمرين من صليبيين وشيوعيين وصهاينة .

يقول الله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا )(1).

المشركون ذلك اليوم هم الشيوعيون هذا اليوم، واليهود ذلك اليوم هم الصهاينة في هذا اليوم.

وفي آية أخرى يقول الله تعالى: ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعضٍ ومن يتولهم منكم فإنه منهم)(2).

والنصارى في ذلك اليوم هم الصليبيون في هذا اليوم المتمثلون في الدول الأوربية وأمريكا وما إليها.

فلنجعل التعاون بين كافة المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم واجتهاداتهم وبلادهم وقومياتهم وجنسياتهم وألوانهم وسائر المميزات بينهم، لنجعل توحيد الكلمة والتعاون هو الأصل العام الذي يرجع إليه الكل قبل الحركة ومع الحركة وبعد الحركة حين الوصول إلى الدولة الإسلامية.

وإن الكل له الحق في إبداء الرأي والمناقشة وتحري الحقيقة، لكن هذا شيء، والمحاربة وتبادل الاتهامات، والتفرقة، والتشتت، وابتعاد البعض عن البعض حتى ينتفع من ذلك المستعمر الكافر شيء آخر.

تاريخنا يؤكد ضرورة التعاون

إن قائد ثورة العشرين الشيخ محمد تقي الشيرازي - رحمه الله - كان يعلم أن أكثرية الشعب العراقي هم الشيعة، أي زهاء ثمانين في المائة والسنة هم الأقلية. وكان الشيرازي مرجعاً للشيعة، وقد قام ضد الاستعمار البريطاني والتفت حوله عشائر الفرات الأوسط، والعلماء، والخطباء، والوجهاء، والأثرياء، والكتاب، والمؤلفون، والشعراء، ومع ذلك لما أراد النهوض لطرد الاستعمار كان يقول: ( يجب أن يشترك في النهضة الأخوان السنة) وكان يرسل إلى علمائهم وإلى شخصياتهم الرسل، ويأخذ آراءهم ويوحد الشيعة والسنة في النهضة، وبذلك اقتدى به الكل ـ الشيعة والسنة ـ لمحاربة الاستعمار ولطرده. كانت خطة حكيمة لأنه بدون هذه الخطة يتمكن الاستعمار من أن يصبغ حركة العراق بأنها حركة شيعية، ويثير الدفائن، ويسبب إبعاد السنة عن الحركة، وبالنتيجة يبقى الاستعمار جاثماً على صدر الشعب، ويضرب هذا الطرف بذلك الطرف، ويكون العراق مستعمرة بدل أن يكون دولة مستقلة .

لماذا فعل الإمام الشيرازي هذا العمل؟ واضحاً أنه فعله تطبيقاً لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(3)، وبالفعل تمكن من القضاء على الاستعمار البريطاني، مع أن بريطانيا في ذلك اليوم كانت أكبر دولة في العالم، وكان العراق دولة صغيرة لا تصل نفوسها حتى خمسة ملايين، ووسائلها بدائية إلى أبعد الحدود وكثير من الشعب أمي.

إننا إذا أردنا إعادة حكم الله سبحانه وتعالى يجب أن نوحد صفوفنا أمام الأعداء الواقعيين، وأن نجعل من مختلف القوميات والطوائف والألوان والقبليات وحدة واحدة حتى نتمكن من تحقيق هذا العمل الكبير بإذن الله سبحانه وتعالى.

إن معنى ما ذكرناه ليس أن تبدل طائفة مذهبها بمذهب طائفة أخرى، أو يصافح بعضهم بعضاً مصافحةً خلاف عقيدته، فإن ذلك لا يزيد الأمر إلا إعضالاً، بل لكل أن يعمل حسب مذهبه وقناعاته الأصولية والفقهية، وإنما يكونون صفاً واحداً في صيانة سيادة البلد الإسلامي الواسع والأمة الإسلامية الواحدة (أما البحث الحر والإقناع والاقتناع فهو مرحلة أخرى لا ترتبط بما ذكرناه من توحيد الصف) .

شاهد آخر حدث في إيران

وهو حادث من هذا القبيل، فإن أحد علماء أصفهان ويلقب (بآية الله الفشاركي) كان ضد السلطة، وكان يأمر وينهى وينتقد، فانزعج منه حاكم أصفهان وكتب إلى ناصر الدين شاه قائلاً: في أصفهان، رجل يأمر الناس بالابتعاد عن السلطة وبعدم إعطاء الضرائب ونحو ذلك.

فكلف الشاه جماعة أن يبعدوا (آية الله الفشاركي) إلى طهران، وفي ذلك اليوم ـ أي قبل حوالي مائة عام ـ كانت وسائل النقل منحصرة بالدواب. فركب هذا العالم دابته بصحبة جلاوزة الشاه وتوجه إلى طهران، وطال سفرهم أياماً ووصل الخبر إلى علماء طهران، وكان هناك عالمان بارزان يقتسمان تقليد (طهران) وكان بينهما بعض اختلاف النظر.

ذات ليلة كان أحد العالمين نائماً في فراشه، وإذا بالباب يطرق، فأسرع الخادم وفتح الباب، فرأى العالم الآخر على الباب.

تعجب الخادم وأسرع إلى سيده (العالم الثاني) صاحب الدار، وأخبره بأن العالم الفلاني على الباب، فأسرع العالم بدوره إلى باب الدار، واستقبل زميله فدخلا البيت وجلسا، ولما استقر بهما المجلس، قال العالم الزائر: إن طهران بيني وبينك وهذا الرجل (يقصد الشاه) إذا تمكن أن يهين آية الله الفشاركي فإن الدور يأتي غداً لنا.

إننا نؤمن بالله سبحانه تعالى وبالآخرة وبقوانين الإسلام كافة.

ومن قوانين الإسلام وحدة الصف، وبالإضافة إلى ذلك يتوجه الخطر إلى دنيانا أيضاً. فالعقل والشرع متطابقان على أن نتحد حتى ندفع الغائلة.

قال العالم صاحب الدار: وكيف نتمكن؟

قال العالم الزائر: إن نصف طهران يقلدونك والنصف الآخر يقلدونني، فلنرسل غداً من ينادي في الناس، وفي الشوارع والأسواق والأزقة: أنه بأمر العالمين فلان وفلان (أنا وأنت) يجب على الناس غلق المحلات والنفير إلى خارج طهران لاستقبال (آية الله الفشاركي)، فإذا اتخذنا هذا الإجراء لم يستطع الشاه إهانة الفشاركي.

اتفق العالمان على الخطة، وتعاونا وإذا بالأسواق والشوارع والدور تسمع في الصباح منادياً ينادي من قبل هذا العالم، ومنادياً ينادي من قبل العالم الآخر: انه بأمر مرجع التقليد فلان أغلقوا الأسواق واخرجوا إلى خارج طهران لاستقبال آية الله الفشاركي، فهرع الناس وأغلقوا دكاكينهم وخرجوا من البيوت إلى خارج طهران، فاجتمع في خارج طهران جمهور عظيم جداً.

أما الشاه فحينما سمع بهذه القصة صعد إلى سطح قصره ومعه وزيره (وكان يسمى بالصدر الأعظم) فنظرا وإذا بالناس يخرجون في مجموعات كبيرة والأسواق معطلة والدكاكين مغلقة.

توجه الشاه إلى الصدر الأعظم، وقال له: ما هو الخلاص؟ إن هؤلاء يتمكنون أن يرجعوا إلى قصري وينزلوني عن عرشي ويسقطوا حكمي، أرأيت كيف تعاون العالمان في طهران ضدي؟

قال الصدر الأعظم: (العلاج أن تخرج أنت وجميع الوزراء لاستقبال العالم، وتسأل منه لماذا جاء إلى طهران وتجاهل القضية وتدعو (الفشاركي) إلى إحدى قصورك، وبذلك تخفف الوطأة وتكون قد ربحت المعركة) .

قال الشاه: (لا بأس، نعمل هذا العمل) . فنزل هو وركب عجلته ومعه وزراؤه واستقبلوا الفشاركي وطلبوا منه أن يأتي إلى أحد قصور الشاه، وسأله الملك (هل لك حاجة جئت من أجلها إلى طهران؟) .

قال الفشاركي: (أنت طلبتني) .

قال: (كلا. أنا ما طلبتك، فمن أبلغك هذا الخبر) المكذوب؟

قال: (حاكمك في أصفهان) - وكان الحاكم في أصفهان في ذلك اليوم يسمى ظل السلطان -.

قال: (إنه أخطأ، والآن تفضل عندي في داري ولك كل حوائجك، وما دمت في طهران فأنت في ضيافتي، ثم ترجع إلى حيث شئت بسلام) .

قال الفشاركي ( لا، إن لي مكاناً أذهب إليه وأبقى عدة أيام حتى يزورني العلماء وأزورهم. وأتبادل الرأي معهم ثم ارجع إلى أصفهان بلدي) .

وهكذا أسقط في يد الملك الذي أراد بالفشاركي السوء، وبقي الفشاركي في طهران مدة واكتسب هو قوة واكتسب العالمان في طهران قوة على قوتهما، ثم رجع الفشاركي إلى أصفهان بسلام .

وهكذا يكون التعاون سبباً للقوة. فاللازم أن نعتبر بهذه القصص بالإضافة إلى أوامر الشرع وعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فلنوحّد صفوفنا ونجعل من التعاون شعاراً عملياً لنا في الحركة، وقبل الحركة وبعد الحركة. وبذلك نتمكن من إقامة حكومة ألف مليون مسلم، على خلاف إرادة الشرقيين والغربيين، وإعادة سيادة الإسلام.

وكلمة الإسلام هي الكلمة العليا، ولكن بشرط أن يعمل المسلمون بأوامر الإسلام، و(الإسلام يعلو) ولكن لكل شيء شرط (بشرطها وشروطها) كما قال الإمام الرضا (عليه السلام) في حديثه المشهور الذي ينقله مسنداً عن آبائه الأطهار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الله انه قال: (كلمة لا إله إلا الله حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي)(4).

ثم قال (عليه السلام): (بشرطها وشروطها وأنا من شروطها) وكلمة (أمن من عذابي) قد يراد به الأعم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

قال سبحانه في القرآن الحكيم: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعضٍ)(5) لكن الآن نحن أصبحنا جماعات، وكل جماعة تحالف جماعة أخرى وبذلك تغلب الكفار علينا.

أقول: إنه لا شك أن في المسلمين كثرة من العقلاء والمتدينين والذين يأتمرون بأوامر القرآن، وإنما القصد هو المؤامرات الاستعمارية المتمثلة في فتنة القوميات، والشيوعيات، والبعثيات، والديمقراطيات - على الأسلوب الغربي - هذه الأمور التي فرقت بيننا وجعلت منا أمماً بعد أن كنا أمة واحدة.

فالتوحيد للصفوف من أصول الحركة التي يجب أن نراعيها قبل الحركة وبعد الحركة وحين الحركة: التي هي عبارة عن تيار إسلامي عالمي يجتمع فيها كل الأحزاب، كل المنظمات، كل المؤلفين، كــل الصحف، كل دور النشر، كل المكتبات، كل الجمعيات (الإسلامية) وإلى غيرها.

الاستقامة

يجب أن يكون القائمون بالحركة الإسلامية العامة مستقيمين - سواء قبل الشروع بالتحرك أو خلاله أو بعده ـ حين إقامة حكومة ألف مليون مسلم.

فإن الاستقامة توجب جذب الناس حول المجاهد المستقيم، بالعكس من الإنسان الملتوي، فإن الناس ينفضون من حوله، وإن زعم انه لن يظهر ما يخفي.

الاستقامة فيها صعوبات، هذا لا شك فيه، لكن المستقيم أحمد عاقبة وأسهل في الوصول إلى الهدف، وأسرع سيراً من الفرد الملتوي الذي لا يصل إلى الهدف، ولو فرض أحياناً انه وصل إلى الهدف، فلا يمضي زمان إلا وينهار، فالاستقامة شرط أساسي لحركة إسلامية عالمية تسعى لقيادة ألف مليون مسلم.

وكلما استطاع الإنسان السير في الطريق المستقيم، وأن يجعل ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره، ويستمر في عمله بدون تلكؤ وبدون تراجع وبدون التواء، فإنه يكون أقرب إلى النجاح.

فاللازم تربية القائمين على الحركة على روح الاستقامة والالتزام بها، قبل حركتهم ومع حركتهم وبعد الوصول إلى حكومة ألف مليون مسلم، وإبعادهم عن كل أنواع الالتواء والانحراف والزيغ.

ومما يذكر أن أحد وزراء حكومة الهند كان من حزب المؤتمر الذي أخذ الهند من يد الاستعمار البريطاني، وكان هذا الرجل زاهداً في الحياة وعمل من يوم التحاقه بالحركة إلى يوم وفاته لأجل رفعة الهند وخدمتها في نهجه، ومن الطبيعي إنا لا نعترف إلا بالنهج الإسلامي، ولكن الله سبحانه وتعالى يحب الصفات الحسنة حتى في غير المسلمين، كما ورد في حديث أن الله قدر في حاتم الطائي كرمه، وفي حديث أنه يخفف عنه العذاب يوم القيامة.

وعلى أي حال، فقد عمل هذا الرجل أكثر من خمسين سنة في حزب المؤتمر، وأخيراً انتهى به المطاف إلى الوزارة وبعد مدة مات.

وتكريماً له ذهب الوزراء بعد وفاته إلى قريته والتي كانت تبعد عن العاصمة الهندية عدة كيلو مترات، وكانت القرية مسكناً لهذا الوزير أيام كونه وزيراً، وكان في مدة العمل يأتي إلى العاصمة الهندية لأجل إدارة شؤون الوزارة، وفي العطلة يذهب إلى قريته.

وعندما ذهبت هيئة الوزراء برفقة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وحشد من الشخصيات البارزة في الحكومة الهندية والجماهير إلى قرية هذا الرجل وجدوا داره داراً متواضعة جداً، وهي نفسها التي كان يسكنها في أيام نضاله، فكانت داراً من الدرجة الثالثة، لتواضعها، ولقلة أثاثها وعدم وجود الماء والكهرباء فيها.

فتعجب هؤلاء وأكرموا هذا الرجل بعد موته أكثر من إكرامهم له في حال حياته، حيث لم يدخر مالاً ولم يهيئ قصراً ولم يوفر أثاثاً، وجعلوا داره - بتلك الحالة المتواضعة - متحفاً حتى يزورها الناس ويعتبروا بالإنسان المخلص والمضحي في سبيل هدفه، نعم أمروا بإيصال الماء والكهرباء والتبليط والتلفون إلى القرية، وحسنوا أحوالها تكريماً لذلك الوزير المتوفى المستقيم في هدفه.

وفي الأمثلة الإسلامية شيء كثير من هذا الطراز الرفيع من الزهد.

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) والأئمة من أهل البيت جميعهم (عليهم السلام) وابو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وغيرهم من تلاميذ الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة، وإنما استشهدنا بقصة من حياة هذا الوزير حتى نعرف أن الإنسان الذي له هدف، وان لم يكن مسلماً يجب أن يراعي هدفه، ويكون مستقيماً في عمله لا أن ينسى أصله وماضيه وخصوصياته، كما يحدث للزعماء كثيراً، فحال كونهم أناساً عاديين يكونون كالآخرين، فإذا وصلوا إلى شيء من الشهرة أو المال او الجاه أو المنصب، رأيتهم تغيروا وصاروا على شكل آخر، إن هؤلاء ليس فقط لا يحترمون الهدف وإنما هم يضرون الهدف لأنهم بعملهم هذا يبرهنون على كذب أقوالهم.

وفي الأحاديث عن الأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم)(6) لا أن يصف الإنسان الصدق وهو يكذب، ويصف الشورى في الحكم فإذا وصل إلى الحكم صار ديكتاتوراً، ويصف العدل ويكون أظلم الناس إذا وصل إلى الحكم، ويصف الإسلام وقوانين الإسلام ثم إذا وصل إلى الحكم ضرب كل ذلك عرض الحائط.

لقد ذكر المؤرخون أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لما وصل إلى الكوفة، وهي عاصمة خلافته وعاصمة الدولة الإسلامية ذات الخمسين دولة حسب التقسيم الحالي للدول (كما ذكره بعض الكتاب) رآه شخص وهو يرتجف من البرد وبرد الكوفة برد قارص - فقيل يا أمير المؤمنين: أنت بهذه الحالة خليفة وإمام وأمير المؤمنين، وفي العراق الشيء الكثير الوفير، وبيدك أموال كثيرة، لا أموال الخلافة فحسب وإنما أموالك الشخصية أيضاً - حيث كان للإمام (عليه السلام) مزارع صنعها بنفسه إبان تنحيته عن الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) - فكيف ترتجف في هذا البرد؟

قال (عليه السلام) جواباً يجب أن يجـــعــل درساً لكل الأجيال: (إن خرجت من عــندكم بـــغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن)(7) وكان كما قال (عليه السلام) .

ولو كان من يقتدي بهذا الإمام (عليه السلام) وبرسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي يقود جماهير الأمة، فهل كان في الهند وحدها ثلاثمائة مليون جائع حسب التقرير العالمي؟ وهل كان في أمريكا واحد وثلاثون مليون جائع (انظروا كتاب التحدي العالمي) وغيره فإنها تذكر من هذه التقارير الشيء المدهش) .

على أي حال، القائمون بالحركة يجب أن يتسلحوا بأصول الحركة العامة، ومن جملتها الاستقامة. الاستقامة التامة حتى نصل إلى الهدف، وحتى تسبب الاستقامة لطف الله بنا كما يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلمة له في نهج البلاغة: (فلما علم الله منا الصدق... أنزل علينا النصر)(8).

فإذا كنا مستقيمين وعلم الله منا الصدق والاستقامة، لا بد وأن ينزل علينا نصره، هذا من جهة الله، ومن جهة الغيب.

أما من جهة المجتمع: فالناس جبلوا على أن يلتفوا حول المستقيمين الصادقين.

وقد قال الله سبحانه في القرآن الحكيم: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)(9).

نزاهة القائمين بالحركة

يجب أن يكون القائمون بالحركة نزيهين لساناً، قلباً، أذناً، عيناً، يداً، رجلاً، جنساً، مالاً، أهلاً، وغير ذلك، لأن الإسلام بناء متكامل، بينما غير الإسلام هدم، غير الإسلام - سواء الشيوعية أو الرأسمالية الغربية - يقول لك: اعمل ما شئت فأنت مطلق في أن تعمل ما تشاء، .. في قضايا الجنس.. في شرب الخمر ولعب القمار.. في أن تسب وتتهم من تريد... ولذا لا يحتاج الذي ينظم إلى تلك الحركات إلى النزاهة، بل إن القادة أنفسهم يأمرون الأفراد بعدم النزاهة، ويعدون الأجواء من أجل تلويث المنظمين.

وبالعكس: الحركة الإسلامية، فإنها حركة طاهرة، نزيهة، شريفة، طيبة، ويجب أن يتصف القائمون بها بالنزاهة الكاملة والطهارة الشاملة، وقد جعل الله سبحانه قادة الإسلام أفراداً معصومين، وكذا قادة جميع الأديان السماوية.

وقد قال تعالى في أهل البيت (عليهم السلام): (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)(10).

وقال تعالى لإبراهيم وإسماعيل: (طهرا بيتي )(11).

إن بيت الله طاهر، ومصحفه طاهر، وقانونه طاهر، وقادة أديانه طاهرون، فيجب أن يتصف قادة الحركة الإسلامية العالمية بغاية الطهارة والنزاهة والنظافة وألا ينغمسوا في الملذات، كالقصور والسيارات - ولو كان ذلك شيئاً حلالاً فرضاً، لكن ما كل حلال يرتكب خصوصاً لمثل الإنسان الذي يريد أن يقود العالم الإسلامي ويعطي مثالاً للمعنوية وللطهارة وللفضيلة والتقوى، بل يجب أن يكون في غاية النزاهة والطهارة:

لأنه إذا لم يعمل ذلك لا يوفقه الله سبحانه وتعالى، يقول الشاعر - وكان من طلاب العلوم الدينية، وكان يذهب إلى عالم اسمه (وكيع)، لكنه لم ينجح ولم يصل إلى نتيجة -:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي        فأرشدني إلى ترك المعاصي

وعلله بأن العــــــلم فضــــــل          وفضل الله لا يؤتـى لعاصـي

والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في نهج البلاغة: (فلما علم الله منا الصدق... أنزل علينا النصر)(12).

القادة يجب أن يكونوا نظيفين، والحركة يجب أن تكون نظيفة، قبل الحركة، ومع الحركة، وبعد الحركة وحين الوصول إلى الدولة الإسلامية الموحدة، ذات ألف مليون مسلم إن شاء الله تعالى.

أما إذا كان القائد غير نزيه، أو كان القائمون بالتيار العالمي الإسلامي منغمسين في الفساد، في الرشوة، في حب الشهرة، في قضايا الجنس، في قضايا المباني والقصور والسيارات والأثاث والرياش وما أشبه، فلا بد وان تنهدم هذه الحركة، لأن الله لا يوفقها، والناس لا يلتفون حولها، لأن الناس لا يلتفون إلا حول القائد الصحيح النظيف صاحب الفضيلة والتقوى.

وفي التاريخ تذكر قصة حول عالم خرج عن النظافة فالتحق بركب السلاطين، وصار من وعاظهم ومن أدوات قصورهم، فإن أحد الخلفاء كان قد استقطب جملة من العلماء، وجعله من أدوات بلاطه، وكان هناك عالم يسمى: (شريك) وكان ورعاً، زاهداً، تقياً، مبتعداً عن الملذات والملاهي، ولذلك لم يكن يلتحق بركب هذا الخليفة، وقد طلبه الخليفة ذات مرة وقال له: إني أطلب منك باعتبارك عالماً تقياً، أن تكون مستشاراً لي، فإني محتاج إلى الاستشارة، والاستشارة بحاجة إلى عالم عامل، وأنت تعلم إذا صار مستشار الخليفة إنساناً ورعاً تقياً، انتفعت الأمة بمثل هذا الخليفة.

قال شريك: لا أفعل.

قال الخليفة: إذا لم تفعل ذلك: فاقبل أن تكون قاضي القضاة - أي وزير العدل - لأن القضاة كثيرون، وهؤلاء لا يستقيم بعضهم، فإذا أردت إصلاح أمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكن رئيس القضاة حتى تهدي القضاة إلى الحق والى صراط مستقيم.

قال شريك: لا أفعل ـ لأنه علم أن الاستشارة شرك، وان رئاسة القضاة حبالة يريد الخليفة بسببها صيده وجعله من أدوات البلاط .

قال الخليفة: إذا لم تفعل هذا الشيء أيضاً، فإني أطلب منك أن تكون مؤدب أولادي، لأن أولادي سيصبحون في المستقبل خلفاء، فإذا ربوا تربية إسلامية صحيحة أصلحوا البلاد وخدموا العباد، أما إذا لم يربوا تربية صحيحة فسدوا وأفسدوا.

قال شريك: لا أفعل هذا الشيء أيضاً.

ولما رأى الخليفة أن شريكاً لا يقبل طلباته، قال: يا شريك فتغد معنا هذا اليوم وهذا آخر طلبي منك.

قال شريك: لا بأس، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استحب إجابة المؤمن.

... بقي شريك حتى الظهر، وأكل من مائدة الخليفة الدسمة بعد أن كان زاهداً يقتنع بخبز الشعير، وهناك عملت الأكلة في روحه، وقد سأل رئيس طباخي الملك من أحد الندماء: هل أكل شريك من طعام الخليفة؟ قال: نعم أكل الطعام.

فقال الطباخ: والله لا يفلح شريك بعد هذا أبداً.

وكان الأمر كما قال رئيس الطباخين، فقد قال شريك بعد الطعام للخليفة: إني فكرت أن أخدم البلاد والعباد، وإني مستعد لأن أكون مشاوراً لك.

قال الخليفة: أحسنت، بارك الله لك. ثم قال شريك: وإني فكرت أيضاً أن أكون رئيس القضاة، وفي ذلك خدمة المظلومين وإعادة الأمور إلى نصابها.

قال الخليفة: جزاك الله خيراً عن الإسلام والمسلمين.

ثم قال شريك: وفكرت أيضاً أن أكون مؤدباً لأولادك حتى يصبحوا بعدئذ خلفاء راشدين، وأئمة عدل.

قال الخليفة: أحسن الله لك، كما أحسنت إليّ.

ثم انخرط شريك في قصر الخليفة وصار من عمال الظلمة، وكلنا نعلم أن العباسيين كالأمويين أساءوا إلى الإسلام إساءة بالغة نرى آثارها إلى اليوم.

وهكذا الذين يخرجون عن النزاهة، فإنهم لا بد وأن ينخرطوا في عمال الظلمة، وأن ينخرطوا في هدم الإسلام، ولذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فقولوا بئست الملوك وبئست العلماء، وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء فقولوا نعمت العلماء ونعمت الملوك.

لأنه إذا كان العالم على باب الملوك - لا لحاجة الناس ولا لاضطرار وخوف وما أشبه من التقية الواردة في القرآن الحكيم، هذا العالم يكون من أهل الدنيا، وإذا كان العالم من أهل الدنيا فتعساً له، وللملك، لأن الملك لا ينتصح عندئذ بنصائحه، وبالأحرى إن العالم لا ينصح الملك لأنه يحتاج إلى دنياه.

أما إذا كان الملوك والأمراء والرؤساء يذهبون إلى باب دور العلماء الأتقياء، فيظهر كون العلماء طيبين حتى أنهم لا يرضخون للملوك، ويتبين كون الملوك طيبين حتى انهم يختلفون إلى أبواب العلماء.

الحركة الإسلامية يجب أن تكون في غاية التجرد والنزاهة حتى تتمكن من استقطاب الناس حولها.

الصمود

يجب أن يكون القائمون بالحركة أناساً صامدين، ولا يكونوا رخوين هشين وإنما صامدين، مثابرين، صابرين، حلماء لما يرون من المشاكل. إن الطريق ليس مفروشاً بالورود والأزهار، وإنما بالأشواك، ولهذا نرى في جملة من الآيات الكريمة، أن الله سبحانه وتعالى يذكر ما كان يلاقي أنبياؤه من العنت والإرهاب والصعوبة النفسية والجسمية، وقد لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) - مع تحليه بأحسن الأخلاق، واتصافه بالعلم، واتصاله بالوحي - مختلف المصاعب حتى قال (صلى الله عليه وآله): (ما أوذي نبي مثلما أوذيت)(13).

فهو (صلى الله عليه وآله) كما يكون أسوة لنا في الصلاة والصيام والحج، كذلك هو أسوة لنا في صموده ومثابرته وصبره وحلمه، ويجب أن نقتدي به حتى نتمكن من التقدم، لقد قالوا عنه أنه ساحر، مسحور، كاهن، شاعر، مجنون.. وغير ذلك حتى انتهى المطاف إلى أن أرسل المشركون عمه أبا طالب (عليه السلام) إليه ليقول له عنهم: اترك هذا الأمر. فاغرورقت عين رسول الله بالدموع وقال: ( يا عم والله، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)(14).

وليس الصمود من القائمين بالحركة لأجل أن يمدحهم الناس، أو يصفقوا لهم، أو يكرمونهم الآن أو في المستقبل، إذا كان الأمر هكذا كان معناه أن هؤلاء لا يعملون للهدف، ولا يعملون لله، ولا يرون ثوابه، ويرجون مع الله غيره، ويوم القيامة يقال للمرائين: اذهبوا واطلبوا أجركم ممن كنتم تعملون له، وإنما يجب الصمود وتلقي الصدمات من الأعداء والأصدقاء برحابة صدر من أجل الله وحده، وقد قال الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء: (هوّن ما نزل بي أنه بعين الله)(15).

يعني يجب أن يكون الإنسان صامداً لأجل الله ولأجل ثوابه ولأجل رضاه لا لأجل أن ينال الدنيا الآن أو في المستقبل.

إن هؤلاء الصامدين المخلصين هم الذين يتمكنون من النهوض بالحركة الإسلامية، ويوجد من هؤلاء الكثير من النماذج.

لقد اعتقلت حكومة نوري السعيد في العراق رجلاً مسلماً، مجاهداً، مناضلاً وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة لأنه كان يدعو إلى إقامة الدولة الإسلامية، وقد نقل لي أحد الخطباء قال: إن هذا الرجل كان صديقاً لي (فوسطني) والد هذا الشاب لكي أذهب إلى بغداد عند نوري السعيد حتى أفك ولده، فذهبت إلى بغداد وتعبت حتى وصلت إلى نوري السعيد - رئيس الوزراء ذلك اليوم - فقلت له: إن هذا الولد شاب وقد غرر به هذا أولاً، وثانياً: إن له أباً شيخاً، عالماً، تقياً، وأُمّاَ طاعنة في السن، وهذا ولدهم الوحيد، وله زوجة شابة وولد.. فلو أطلقت هذا الشاب.

وأخيراً قال نوري السعيد لي: اذهب إلى الولد - في سجن نقرة سلمان - وقل له أن يكتب كتاباً خطياً ببرائته مما عمل سابقاً، واعتذاره مني، وإني مستعد إذا فعل ذلك أن أتركه وشأنه.

يقول الرجل: ففرحت كثيراً واتجهت نحو نقرة سلمان، وذهبت إلى السجن، والحر شديد، وليس في السجن حتى المروحة، فرأيت الشاب قد تغير، وقد لفحته الشمس، ومال لونه إلى السواد والسمرة الشديدة، والضعف آخذ منه مأخذه.. فرحب بي، ونقلت له القصة وأهديت إليه أشواق أبويه وزوجته، وذكرته بطفله الصغير، وقلت له: ارحم نفسك وارحم أباك وارحم أمك وارحم زوجتك وارحم طفلك وارحم مستقبلك، ثم قلت له: إنك إذا تبرأت من أعمالك السابقة خطياً واعتذرت إلى نوري السعيد فهو مستعد أن يطلق سراحك.

قال هذا الخطيب: فتبسم الشاب وقال: يا فلان.. اذهب إلى نوري السعيد وقل له: لو أنك أبقيتني في هذا السجن، أو أسوأ منه حتى أموت. أو قطعوني قطعة قطعة فإني لا أتنازل عن مبدئي وفكرتي، وإن مستقبلي الجنة، وأما أبي وأمي وزوجتي وولدي فالله خليفة عليهم، وهل هم أفضل من زينب (عليها السلام) أو عائلة الحسين (عليهم السلام)، وقل لنوري السعيد: إن عليه أن يعتذر هو عما جنى على الإسلام والمسلمين.

يقول الخطيب: كلما حاولت أن يتنازل ولو بقدر شعرة لم يتنازل حتى يئست ورجعت، ونقلت لأبيه ولأمه ولزوجته ما رأيته.

هذا الصمود الهائل الذي نجده في رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي علي (عليه السلام)، في فاطمة (عليها السلام)، في الحسن (عليه السلام)، في الحسين (عليه السلام) في الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، في العلماء المجاهدين، في الأخيار الطيبين، هو الذي سبب توسع الإسلام إلى هذا الحد الذي نشاهده في هذا اليوم، ولو اتخذت الحركة الإسلامية العالمية العامة هذا الصمود شعاراً ودثاراً لأمكن الوصول إلى الهدف المنشود وهو حكومة ألف مليون مسلم بإذن الله تعالى.

إن الطريق صعب، فيه شماتة، فيه إهانة، فيه تهم، فيه السجون، فيه المعتقلات، فيه المشانق، فيه كل شيء، لكن إذا تحمل المسلمون مصاعب هذا الطريق وساروا فيه وصلوا.

وقد قرأت في تاريخ إسلام بعض مناطق روسيا: أن سبعة من العلماء في إحدى مدارس قفقاز - وقفقاز كانت بيد الشيوعيين سابقاً وكانوا يسومهم الشيوعيون أسوأ أنواع الكبت والإرهاب والسجن والتعذيب والتشريد - فكروا في أنفسهم أنهم عاكفون في هذه المدرسة، والناس ضالون وكافرون فعليهم أن يبلغوا رسالات الله فاختاروا للتبليغ أسوأ مناطق روسيا قي ذلك اليوم وحشية ووثنية وتم الاتفاق بينهم على أن يذهب أحدهم ويبلغ أولئك القوم رسالة الله تعالى، فإذا استجابوا له كتب إلى أصدقائه حتى يأتوا إليه، وإن لم يكتب إليهم كتاباً فذلك دليل على أنهم لم يستجيبوا له وقتلوه.

ذهب الأول، وبلغ رسالات الله، فاجتمع عليه الوثنيون وقتلوه ولما لم يأت الكتاب إلى أصدقائه الستة ذهب الثاني مع علمه بالخطر، فقتل..

ولما لم يأت كتابه إلى الخمسة الباقين، ذهب الثالث، ثم الرابع، وهكذا إلى أن قتلوا جميعاً..

وبعد ذلك أنار الله قلوب أولئك الغلاظ الشداد البرابرة، ودخل الإيمان في قلوبهم تدريجياً حتى سيطر الإسلام على كل تلك المنطقة.

وقد ألمحت إلى هذه القصة في كتاب (كيف انتشر الإسلام) فهناك تجدون شيئاً من هذه القصة، ولا زالت قبور هؤلاء العلماء المجاهدين السبعة موجودة إلى الآن في تلك المنطقة.

هكذا صمدوا، وهكذا صبروا، وهكذا ثابروا (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)(16).

في الحديث: (لا يخدع الله عن جنته)(17) يعني أن الإنسان لا يتمكن أن يخدع الله سبحانه وتعالى بدون العمل وبدون الصمود وبدون الصبر وبدون الجهاد وكلنا نعلم أن من فروع الدين (الجهاد) والجهاد مأخوذ من الجهد ومنه اجتهد، يعني أن الإنسان يجتهد ويصبر، ويسير، ويصمد، ويحلم حتى يكون في طريق التقدم.

فاللازم أن تجعل الحركة الإسلامية العالمية العامة الصمود من شعاراتها الواقعية، فإن الصمود من أصول الحركة التي تنتهي إلى حكم إسلامي زاهر لألف مليون مسلم.

فهم ارتباطات الحياة

من الضروري على أفراد الحركة فهم روابط الحياة، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الحياة ذات روابط خاصة، وأسباب ومسببات، وعلل ومعاليل، واللازم على الإنسان الذي يريد هدفاً أن يتبع الطريق المجعول لذلك الهدف، فإن الله سبحانه وتعالى أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها - إلا إذا كان خارقاً للعادة أي إعجازاً، والإعجاز نادر، مثل إخراج الله سبحانه وتعالى ناقة صالح وفصيلها من الجبل. ومثل جعل الله سبحانه وتعالى عصا موسى حية تسعى، والى غير ذلك من معاجز الأنبياء وكرامات الأولياء، هذه خوارق ولا يقاس عليها عام، وقد أراد الدنيا، دنيا أسباب ومسببات، حتى أنه سبحانه حين ما يريد أن يبين كيف تمكن ذو القرنين من أن يجوب شرق الأرض وغربها قال (ثم أتبع سبباً)(18) يعني: أن ذا القرنين أتبع السبب حتى وصل إلى المسبب.

فإذا أردنا نحن المسلمون إقامة حكومة ألف مليون مسلم يجب أن نتبع الأسباب المنتهية إلى ذلك.

لقد جاء في بعض الكتب: إن عبد الحميد الخليفة العثماني الذي سقطت تركيا على يده، كان قد كتب لافتة ونصبها فوق رأسه في قصره، كان مكتوباً على اللافتة هذه الرواية المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) - والتي أثبتها صاحب الوسائل في كتاب الإرث من الوسائل - (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(19).

فإذا قيل له - أي لعبد الحميد - إن الغرب تقدم في النظام، في صنع السلاح، في الصنايع وما أشبه مما يخشى منه أن يتغلب الغرب على بلاد الإسلام كان يشير عبد الحميد إلى اللافتة فوق رأسه، يعني (إن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) فالغرب لا يعلو علينا لأنا مسلمون وهم كفار والكفار لا يغلبون المسلمين.

العقلاء كانوا يخافون أن يتكلموا للرد على عبد الحميد، لأن الديكتاتور لا يحب أن يتكلم أحد أمامه بما لا يشتهي، وإنما يريد المدح والتملق والتحسين وما أشبه، لكنهم كانوا يقولون في أنفسهم: الإسلام يعلو بأسبابه، لا أن الإسلام يعلو بدون سبب، إن الرسول الذي قال: (الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه) هو الذي أتعب نفسه الشريفة ليلاً ونهاراً في تجهيز الجيوش، وجمع الرجال والسلاح وقد قال الله سبحانه وتعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(20) أعدوا لهم قوة السلاح، قوة التنظيم، قوة المال، قوة العلم، قوة المعاهدات، والى غير ذلك من القوى.

وقد قال الله سبحانه: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(21) وعبد الحميد يقول: لا نحتاج إلى قوة - بلسان حاله ـ وإنما (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) وأخيراً سبب فهمه الخاطئ وديكتاتوريته سقوط دولة آل عثمان ذلك السقوط الشنيع والذي نرى آثاره إلى الآن.

القائمون بالحركة الإسلامية يجب أن يفهموا، أن الله قال في المنافقين: (ولكن المنافقين لا يعلمون)(22) يعني صفة المنافق عدم العلم. بينما شيمة المسلمين: العلم، الفهم، الفقه (ليتفقهوا في الدين)(23) الفقه هو الفهم والدين عبارة عما يصلح شأن الإنسان في دنياه وفي آخرته.

الحركة الإسلامية العامة التي تريد إقامة حكومة ألف مليون مسلم يجب أن تفهم كيف تتصرف؟ كيف تتعامل؟ كيف ترتبط؟ كيف تعاهد؟ إلى غير ذلك من مقومات الحركة، لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الحياة للمنافقين، وإنما للعاملين الواعين المخلصين، سواءً كان مخلصاً في دنياه، أو كان مخلصاً في دينه. حيث يقول الله سبحانه وتعالى: (كلاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً)(24) - أي ممنوعاً -.

يعني عطاء الله يشمل الكافر والمؤمن في دنياهما، وعطاؤه يشمل المؤمن وحده في الآخرة.

وعلى أي حال فالتفكير، التدبر، الاستشارة، فهم الروابط: العلل والمعلولات والأسباب والمسببات، كل ذلك يعين الحركة في مسيرها وفي مصيرها وفي توسعها كماً وكيفاً.

يقول الحديث الشريف عن أبي ذر رضوان الله عليه: (كان أكثر عبادته التفكر)(25)، يعني كانت أكثر عبادة أبي ذر إنه يفكر.. كيف يصنع؟ كيف يعمل؟ كيف يتقدم؟ كيف يحارب؟ كيف يسكت؟ كيف يصمد؟، ولهذا رأينا كيف عالج أبو ذر ذلك الانحراف العريض الذي حدث في الدولة الإسلامية بتلك الخطابات والكلمات والمواقف المشهورة لأنه كان يفكر، لأنه كان يدبر، لأنه كان يعمل.

وورد في حديث آخر حول لقمان الحكيم: إن لقمان كان كثير التفكير في العلل والمعلولات والأسباب والمسببات.

ومن الطبيعي أن يبقى الإنسان الذي يفكر ويتعلم ويستشير - كلقمان - لا ثلاثة آلاف سنة وإنما مليون سنة وأكثر قال تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً)(26) (ولا تجد لسنتنا تحويلاً)(27).

ينقل عن المنصور الدوانيقي الخليفة العباسي الغاصب: إنه ذات مرة طلب شيخاً من شيوخ العباسيين - وكان طاعناً في السن - وقال له: إن رجلاً في المدينة خرج علي، فماذا ترى أن أعمل معه؟ فسأله الشيخ أسئلة - من باب تجاهل العارف -.

قال له: وما هي المدينة؟

قال: مدينة الرسول.

قال: كم اقتصادياتها؟

قال: لا اقتصاد لها إلا التمر والنخل القليل.

قال الشيخ: وكم رجالها؟

قال: رجالها قليلون لا يصلون إلى خمسين ألف.

قال: وما موقعها، أي موقع المدينة المنورة؟

قال: موقعها في الصحارى.

فسأل الشيخ من المنصور: ومن هذا الخارج عليك؟

قال: ولد من أولاد رسول الله من علي وفاطمة.

قال الشيخ: وهل هو محبوب لدى الجماهير؟

قال: نعم.

قال له: وهل له أنصار في غير المدينة؟

قال: نعم، له أنصار في سائر الآفاق في الكوفة، في البصرة، في مصر في فارس وفي غيرها.

بعد هذه الأسئلة قال الشيخ للمنصور: إذا أردت أن تقابله فاملأ البصرة عليه رجالاً وسلاحاً.

المنصور لم يقل شيئاً احتراماً لذلك الشيخ الطاعن في السن ولكنه هزأ به في نفسه وقال للشيخ: اذهب بسلام ونحن نشكرك على إشارتك.

ثم قال المنصور لندمائه: هذا الشيخ قد كبر وخرف، إني أقول له الخارج خرج علي بالمدينة، وهو يقول لي املأ البصرة عليه رجالاً وسلاحاً - وكان بين البصرة والمدينة في ذلك اليوم مسافة شهر أو أكثر.

وتعجب الندماء من المستشار، ولكن لم يمض زمان إلا وسمع المنصور وهو في بغداد أن هذا الثائر ضد الظلم جاء إلى البصرة والتف الناس حوله، وأخذ يحارب الدولة حرباً لا هوادة فيها.

تعجب المنصور كثيراً وفكر كثيراً ثم أرسل إلى ذلك الشيخ يطلبه وحينما جاء قال له: هل كان لك علم الغيب حتى قلت إملأ البصرة عليه رجالاً وسلاحاً.

قال الشيخ: لا، وإنما أشرت عليك من نفس إجابتك، إن الرجل الثائر عليك، المحبوب لدى الناس في داخل المدينة وخارجها، وهو من أولاد رسول الله وعلي وفاطمة (عليهم السلام)، وله اتباع كثيرون في العالم الإسلامي.. هذا الرجل لا يبقى في المدينة ذات الاقتصاد القليل والرجال القليلين، والمدينة تقع في صحراء يعني أنه ليس في أطرافها بلاد عامرة، وأول بلد عامر حول المدينة المنورة هي البصرة، والبصرة ذات رجال وذات سلاح. ففكرت أن هذا الرجل لا يبقى في المدينة لأنه لا يستطيع فيها أن يحارب الجيش الضخم الذي ترسله انت لمحاربته، ولا بد أن يأتي إلى البصرة لأنها موضع الرجال والمال والسلاح ... إلخ.

تعجب المنصور من حنكة الشيخ واستحسن إشارته ثم جهز إلى البصرة جيشاً، ووقعت الحرب بين الجانبين مما انتهى إلى سقوط ذلك الثائر سقوطاً سطحياً، وإن كان قد عمق في نفوس المسلمين كره المنصور وكره العباسيين، وبين لهم خطأ الحكم وانحرافه عن منهاج الإسلام وعن منهاج العقل.

وعلى أي حال فإن فهم الأمور والارتباطات وماذا يؤثر هذا الشيء؟ وماذا ينتج من ذلك الشيء؟ وما هو السبب؟ وما هو المسبب؟ لماذا سقطنا نحن المسلمون؟ لماذا تقدم الغربيون والشرقيون؟ لماذا صرنا مبضعين مبددين؟ كيف العلاج؟ ما هو المسير؟ كيف المصير؟ كيف نتمكن أن نقيم حكومة ألف مليون مسلم فهماً وعملاً ومثابرة واستقامة وذهاباً وتضحية؟ كل ذلك ضروري للوصول إلى حكومة الألف مليون مسلم.

زهد القادة

الواجب على القائمين بالحركة أن يتزهدوا في الدنيا، فإن الزهد يوجب أولاً كثرة العمل وثانياً التفاف الناس، فإن الناس جبلوا على الالتفاف حول من لا يرغب في المادة، وبالعكس من ذلك الذين يرغبون في الماديات فإن الناس ينفضون من حولهم.

لنفرض أن قائداً كان دخله السنوي ألف دينار. فإذا كان زاهداً في ملبسه ومسكنه وسائر شؤونه، صرف من هذا الألف مائة وأبقى التسعمائة لأجل الحركة، بينما إذا كان إنساناً راغباً صرف كل الألف لنفسه.

وإذا تصورنا أن الحركة تحتاج إلى عشرين مليون منظم، وفرضنا أن هؤلاء العشرين مليون صرفوا ثلاثة أرباع دخلهم لأجل إقامة حكم الله في الأرض، فكم يكون قدر تقدمهم بالأمة إلى الأمام، وبالعكس إذا كانوا راغبين في المأكل والمنكح والمسكن.. فإنهم لا يتمكنون من التقدم.

وقد نسب لعيسى المسيح (عليه السلام) أنه قال لأصحابه الحواريين: إذا سافرتم لأجل الهداية والتبليغ فلا تأخذوا شيئاً إطلاقاً..

وفلسفة هذا الحكم - إذا كان عن عيسى المسيح ولا يبعد أن يكون منه عليه السلام لما نعهده من سيرته الطاهرة - واضحة فإن الإنسان المثقل لا يتمكن من الوصول إلى الهدف، ولذا جاء في كلمة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (تخففوا تلحقوا)(28) والشاعر يقول:

ألقى الصحيفة كي يخفف رحله          والزاد، حتى نعله ألقاها

يعني أن هذا الإنسان الذي يقصد السفر ألقى حتى الأوراق التي كانت معه وألقى زاده، وألقى حتى نعله.

وهنا سؤال: فمن أين يتمكن الإنسان أن يأكل إذا ألقى زاده؟

أجاب عن هذا السؤال الرجل الشهم الذي حرك الشرق قبل مائة سنة تقريباً السيد جمال الدين الأفغاني ـ وهو أسد آبادي على المعروف، وأقرباؤه موجودون إلى الآن في أسد آباد من بلاد إيران وقد كان من تلاميذ الشيخ مرتضى الأنصاري رحمة الله تعالى عليه -.

هذا الرجل المجاهد لما ورد مصر وتحرك وحرك وأيقظ وأوعى وحذر وأنذر حكومة بريطانيا، حتى خشيت منه وأمرت عملاءها في مصر بإخراج هذا الرجل، ولما اركبوه القطار ليخرجوه جاء جماعة من أصحابه وقدموا له كيساً من الليرات الذهبية وقالوا له: سيدنا إنك في سفرك تحتاج إلى المال وهذه هدية متواضعة منا لك حتى تستفيد بها في أكلك وشربك ومنزلك إلى أن تصل إلى الهدف.

فأجابهم السيد جمال الدين الأسد آبادي: اجعلوا هذا المال لأجل مشاريعكم فإني في غنى عن هذا المال.

قالوا له: وكيف تصنع، ولا نعهد عندك مالاً؟

قال: نعم لا مال عندي الآن لكن الأسد يجد فريسته فهو يصبح جائعاً ويمسي وهو ممتلئ، ومثال الإنسان المبلغ والمجاهد هو مثال الاسد فإنه لا يحتاج أن يحمل المال، فحيث ورد فهناك أرض الله، وهناك رزق الله، والله قد تكفل لعباده بالرزق، وحتى إذا لم يجد الإنسان طعاماً شهياً، فإنه يتمكن أن يستعيش بالعشب ويشرب الماء المالح.

وهكذا لم يقبل السيد الأسد آبادي الكيس ورده إليهم ليصرفوه في مشاريعهم.

إن الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها شيمة الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين وعباد الله الصالحين والمصلحين، والسبب أنه يخفف حمله، وإذا انقطعت علاقة الإنسان بالدنيا تمكن من السير، وفي الآية الكريمة إشارة إلى ذلك حيث يقول الله تعالى: (ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)(29).

يجب أن يكون الإنسان خفيف الحركة سريع العمل، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى الزواج: (خير نسائكم ـ أو خير نساء أمتي ـ أقلهن مهراً)(30).

وقد ورد في حديث صحيح في الكافي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) زوج ابنته من علي صلوات الله عليهم أجمعين بستة وثلاثين درهماً يعني زهاء ثمانية عشر مثقالاً من الفضة فقط وفقط، مع أن الرسول كان في ذلك اليوم رئيس دولة وبإمكانه إنفاق الشيء الكثير(31).

وقد جاء في حديث: أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ليلة الزواج جاء بحفنة من الرمل، وفرش بذلك الرمل الغرفة ليكون ذلك الرمل عوضاً عن الفراش.

والمشهور عند الكل أن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يسمى بأبي تراب، لأنه كان يتوسد التراب وينام على التراب ويجلس على التراب(32).

وقد ورد: أن امرأة رأت الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو جالس على التراب ويأكل بتواضع ـ وكانت تلك المرأة بذيئة اللسان ـ فقالت: يا محمد إنك لتأكل أكل العبد وتجلس جلوسه..

فأجابها الرسول (صلى الله عليه وآله) قائلاً: إني عبد، وأيّ عبد أعبد منّي؟(33).

نعم هو عبد الله، والعبودية والقيادة للناس تقتضي ذلك، ولهذا نكرر في كل يوم مرات ومرات في تشهد الصلاة (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ونقدم كلمة (العبد) على كلمة (الرسول) لأن مقام العبودية لله جلّ وعلا مقام رفيع جداً.

وعلى كل حال: فإن من الضروري على القادة أن يكونوا بالمستوى المطلوب من الزهد في زخارف هذه الحياة الدنيا. وإذا كان تزوج الإنسان بمهر السنة وكان لباسه وفراشه ومأكله وسفره وحضره وسائر شؤونه أشياءً متواضعة.. فإنه يتمكن من التحرك، ومن أن يكون أسوة للناس، وعندئذ يلتف الناس حوله، وإذا التف الناس حوله تمكن من السير بهم إلى الهدف.

لقد سار المسلمون الصالحون من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة، وسائر العلماء الراشدين وسائر المصلحين في كل جيل وجيل في طريق الزهد، وأخبار زهدهم وأخبار تقشفهم وأخبار اهتمامهم بالهدف مشهورة عند العام والخاص.

أحد علمائنا قبل مائة سنة يسمى بالشيخ مرتضى الأنصاري، هذا الرجل العظيم الذي يدرّس في كل الحوزات العلمية كتابان من كتبه وهما (الرسائل) و(المكاسب) بالإضافة إلى دراسة بعض كتبه الأخرى كرسالة (لا ضرر) ورسالة (التسامح في أدلة السنن) ورسالة (العدالة) وكتاب (الصلاة) وكتاب (الطهارة) وغيرها إنما تمكن من السير إلى الأمام في العلم حتى صار علماً في كل البلاد الإسلامية منذ قرن كامل لأنه كان زاهداً في الحياة، لا يبالي بأكله ولا بلباسه ولا بمسكنه، بل كان يصرف كل وقته في العلم وفي التحقيق وفي العمل وفي العبادة وفي التربية.

ينقل في أحوال هذا الشيخ العظيم ـ الذي يجب أن نتخذه أسوة في العلم وفي الزهد ـ أنه سمع الخليفة العثماني في الأستانة بتركيا بزهد هذا العالم فأرسل رجلاً من أشداء رجاله ليأتي إلى النجف الأشرف ويرى هل صحيح ما انتشر من زهد هذا الرجل أم أنه رجل راغب لكنه يتزهد؟

وصل الرجل إلى النجف الأشرف، ودخل بيت الشيخ كزائر عادي ولم يعرف نفسه أنه من قبل الخليفة، فرأى الشيخ جالساً على حصير من القصب وأمامه موقد ـ لأن الوقت كان شتاءاً ـ وهو منكب على المطالعة، وعلى بدنه الشريف ملابس من أحط الملابس قيمة.

فجلس عند الشيخ وسأله عن أحواله، فأمر الشيخ أن يصنع له شراب قوامه الدبس والماء، فجاؤوا إليه بآنية من الخزف وفيها الشراب، فشرب الضيف الشراب ثم توجه إلى الشيخ وقال له إن الخليفة يبلغكم السلام وأنا رسوله الخاص إليكم.

يقول هذا الرجل: فتعجبت أن الشيخ كان كالجبل جالساً ولم يزل بعد كلامي كسابق حاله. قال الشيخ بلِّغ جوابي له.

ثم قلت له إن الخليفة سألك أن تطلب منه حاجة؟ يقول: قال الشيخ: لا حاجة لي.

ثم قال الشيخ: إن وقت تدريسه قد حان وهو لا يتمكن أن يعطل الدرس لأجل مبعوث الخليفة: فإن العلم واجب كفائي فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوجب طلب العلم وجعله فريضة، أما الاستضافة فإنها مستحبة، والواجب لا يدع مجالاً للمستحب. قال هذا وقام، فقمت معه.

ثم ذهب المبعوث إلى الأستانة ورأى الخليفة وقال له: لقد وجدت الشيخ في زهده كما ينقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

القائمون بالحركة يجب أن يزهدوا في الدنيا، لا أقصد زهداً يمرضهم، وإنما عدم الاعتناء بالحياة، ففي الحديث: (لو كانت الدنيا تسوى عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء)(34).

يعني أن الدنيا مبغوضة لله إلا ما كان منها لأجل الآخرة: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا)(35).

يعني أن الهدف هو الآخرة، والآخرة وحدها، وإنما الدنيا طريق.

وقد قال عيسى (عليه السلام): (الدنيا قنطرة فاعبروها)(36).

يعني الدنيا كالقنطرة، والإنسان الذي يريد عبور القنطرة كم يصرف لأجل القنطرة؟ إنه لا يصرف إلا صرفاً طريقياً لا صرفاً هدفياً واقعياً.

وهكذا يجب أن يتخذ القائمون بالحركة الإسلامية العالمية ـ التي تصل بإذن الله تعالى إلى الهدف وهو إقامة حكومة ألف مليون مسلم ـ الزهد من أصول حركتهم، وأن يتركوا الدنيا، إلا بالقدر الواجب.

 

1 ـ سورة المائدة: الآية 82.

2 ـ سورة المائدة: الآية 51.

3 ـ سورة آل عمران: الآية 103.

4 ـ عيون الأخبار: ج2 ص134 باب37 ح4.

5 ـ سورة الأنعام: الآية 65.

6 ـ الوسائل: ج1 ص56 باب16 من أبواب مقدمة العبادات ح1ـ2.

7 ـ وسائل الشيعة: ج11، ص83، دار إحياء التراث ـ بيروت.

8 ـ نهج البلاغة: الخطبة56.

9 ـ سورة التوبة: الآية 119.

10 ـ سورة الأحزاب: الآية 33.

11 ـ سورة البقرة: الآية 125.

12 ـ نهج البلاغة: الخطبة56.

13 ـ كنز العمال: ج3 ص30 ب ح5817ـ5818.

14 ـ الغدير: ج7، ص359.

15 ـ البحار: ج45ص46.

16 ـ سورة آل عمران: الآية 200.

17 ـ نهج البلاغة، شرح محمد عبده: ج2، ص12، دار المعرفة ـ بيروت.

18 ـ سورة الكهف: الآية 89.

19 ـ الوسائل: ج17 ص376 باب1 من أبواب موانع الإرث ح11.

20 ـ سورة الأنفال: الآية 60.

21 ـ سورة الأنفال: الآية 60.

22 ـ سورة المنافقون: الآية 8.

23 ـ سورة التوبة: الآية 122.

24 ـ سورة الإسراء: الآية 20.

25 ـ البحار: ج68 ص323 ح6.

26 ـ سورة الأحزاب: الآية 62.

27 ـ سورة الإسراء: الآية 77.

28 ـ بحار الأنوار: ج6، ص135.

29 ـ سورة التوبة: الآية 38.

30 ـ مكارم الأخلاق: ص198.

31 ـ الكافي: ج 5 ص 377 باب ما تزوج عليه أمير المؤمنين فاطمة (عليها السلام) .

32 ـ بحار الأنوار: ج18، ص119.

33 ـ الكافي: ج6، ص271.

34 ـ الوسائل: ج11 ص316 باب63 من أبواب جهاد النفس ح4.

35 ـ سورة القصص: الآية 77.

36 ـ البحار: ج14 ص319 ح21.