| فهرس الفصل الأول | المؤلفات |
|
التنظيم الاستشاري |
|
من الضروري أن يكون التنظيم استشارياً، لا استبدادياً، فالاستشارية ما وضعت على شيء إلا سببت تقدمه وازدهاره، بينما الاستبداد ما وضع على شيء إلا سبب تأخره وانهياره. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من استبد برأيه هلك)(1). والإسلام يحبذ (الاستشارة) في كل شيء حتى في الأمور الصغيرة.. يقول الله سبحانه: (فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليهما)(2). أي: إن أحد الأبوين إذا أراد فطام الطفل عن الرضاع فعليه أن يستشير الآخر حول: هل من الأفضل استمرار إرضاع الطفل، أو فطامه؟! وإذا كانت الاستشارة مرغوبة فيها في مثل هذا الأمر الصغير، فكيف بالأمور السياسية والثورية التي يتوقف مصير الأمة عليها؟ وقد طبق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مبدأ (الاستشارة) في شؤونه.. رغم اتصاله بالوحي ووفور عقله، وقوة إدراكه، حتى يتعلم المسلمون منه ذلك.. وفي التاريخ: إن بعض الكفار جاؤوا إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) - في قصة مفصلة - يريدون منه التمر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): استشير أصحابي في ذلك. وعندما استشارهم الرسول (صلى الله عليه وآله) أشاروا عليه بأن لا يعطيهم التمر.. فطلب النبي (صلى الله عليه وآله) أولئك الكفار وقال: إن أصحابي أبوا أن أعطيكم التمر. إن التنظيم يجب أن يكون استشارياً من القمة إلى القاعدة.. أما قانون (نفذ ثم ناقش) فليس إلا قانون المستعمرين والمستبدين.. وقد رأينا كيف انغمس أصحاب هذا القانون الخاطئ في أوحال التأخر والاستعمار والاستبداد. والقانون الصحيح هو (استشر، وقلّب وجوه الرأي، وخذ برأي الأكثرية حسب موازين الشورى الإسلامية - ثم نفذ...) . وقد قال علي (عليه السلام) لأصحابه: إن لكم علي إعطاء المشورة. إن الاستشارة تعرّف الإنسان على الخطأ والصواب.. وتأخذ بيده إلى الطريق السليم. وقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): وترى قفاك بجمع مرآتين. فالإنسان لا يستطيع أن يرى قفاه بنفسه، ولكنه إذا جمع مرآتين: مرآة أمامه، ومرآة خلفه. فعند ذلك يستطيع أن يرى قفاه.. وهكذا غوامض الأمور لا يمكن إدراكها وفهمها إلا باجتماع الأفكار والعقول. وقد ذكر المؤرخون: إن إحدى القبائل العربية - قبل ظهور الإسلام - كانت موفقة في أمورها: في سياستها، واقتصادها، وحربها، وسلمها، وغير ذلك.. وعندما سألوا كبيرهم عن سر نجاح هذه القبيلة، أجاب: إننا لا نقدم على أي عمل إلا بعد أن نستشير الخبراء، ونأخذ بأفضل الآراء، وبذلك تقل أخطاؤنا، ويزداد تقدمنا. لقد قسم الله (العقل) بين عباده.. وعلى الإنسان أن يضم عقول الآخرين إلى عقله حتى يتجنب المزالق، ويهتدي إلى سواء السبيل. والحادثة التالية تؤكد هذه الحقيقة: (البهلوي الأول- رضا شاه- كان من عملاء الاستعمار.. وعندما وصل إلى الحكم عمل على تحطيم إيران سياسياً، وثقافياً، واقتصادياً، ودينياً، و... وكان ضمن ما عمل: أن هدم المساجد، وجعلها إسطبلات، وهدم المدارس العلمية وجعلها مراقص وملاهي ومخامر ومقامر.. وفرض السفور الإجباري على النساء.. وذات مرة طلب الشاه (إمام) جمعة طهران وقال له: الواجب عليك أن تشكل مجلساً مختلطاً من الرجال والنساء العاريات، وتدعو إلى هذا المجلس رجال الدين والخطباء والعلماء باعتبارك إمام جمعة طهران، وإن لم تفعل ذلك فسوف أقتلك، وأصادر أموالك.. يقول العالم: تحيرت في أمري، واستمهلت البهلوي أسبوعاً حتى أفكر فيما أصنع.. وقد خطر ببالي أن أذهب إلى أحد العلماء الكبار كي أستشيره في الأمر، فذهبت إليه وقلت له: بم تشير عليّ؟ فقال: إعلم أن للإنسان مالاً وجسماً وعرضاً وديناً، وعلى الإنسان أن يضحي بماله في سبيل جسمه، وإذا دار الأمر بين التضحية بالجسم أو العرض فعلى الإنسان أن يفدي بجسمه في سبيل الحفاظ على عرضه، وإذا دار بين الثلاثة (المال والجسم والعرض) وبين الدين فالواجب أن يفدي بهذه الثلاثة في سبيل الدين. ثم قال لي: (يا فلان انك عمّرت طويلاً، ولم يبق من عمرك إلا القليل، وانك إذا قتلت في سبيل الدين فسوف تذهب إلى جنان الله، أما لو عملت بما قال الشاه فمصيرك في الدنيا العار، وفي الآخرة النار، اذهب إلى البهلوي وقل له: لا أفعل ما طلبت، وافعل بي ما شئت. قال العالم: فاستقرت نفسي، ولما حلّ الموعد ذهبت إلى البهلوي وقلت له: إنني لا أفعل ما طلبت. قال: ولم؟ قلت: لأنني غير مستعد أن أبيع ديني بدنياي. قال: سوف أقتلك. قلت: لا يهمني ذلك.. وان أُقتل الآن في طاعة الله خير لي من ألقاه وقد عصيته. قال العالم: فغضب البهلوي غضباً شديداً.. ولكني توسّلت إلى الله سبحانه أن ينقذني من شرّ هذا الطاغوت.. وفعلاً، استجاب الله دعائي، ولم يصل إلي سوء.. وحفظت ديني ببركة استشارة ذلك العالم) . وهكذا يجب أن يكون التنظيم استشارياً في كل أموره.. حتى يتجنب الأخطاء، ويتوقى العثرات. |
|
التنظيم التوعوي |
|
التوعية على قسمين: القسم الأول: التوعية العامة.. وهي التي تعمل على إعطاء (الرشد الفكري) لألف مليون مسلم - وقد سبق الحديث حولها -. والقسم الثاني: التوعية الخاصة.. وهي التي تعمل على إعطاء (الوعي المركز العميق) لكل أفراد التنظيم. فالتنظيم إذا لم يكن توعوياً، لم ينجح في تخطيطه، وعمله، وسلوكه، أولاً، ويقع ألعوبة بيد المستعمرين والمستبدين، ثانياً. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (قصم ظهري اثنان: عالم متهتك، وجاهل متنسك)(3). فالعالم الذي لا يتقيد بالموازين، والجاهل المتنسك الذي لا يفقه الأمور.. كلاهما يؤدي بالأمة إلى البوار.. وفي التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة على ذلك.. فقد كان للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) جيش منظم، لكن لم تسنح الفرصة للإمام (عليه السلام) كي يغرس الوعي في جميع أفراد هذا الجيش - مبايعة الإمام بالخلافة، وبين شن الحرب عليه -. ولذلك رأينا كيف انقلبت مجموعات من هذا الجيش (الخوارج) رأساً على عقب.. فبينما كانوا يحاربون الأعداء تحت لواء الإمام في حرب (صفين) أخذوا بمحاربة الإمام نفسه في (النهروان) ! إذن.. فمن الضروري أن يهتم القائمون بالتنظيم لإعطاء الوعي الشامل العميق لأفراد التنظيم حتى يفقهوا الدنيا، ويفقهوا الدين.. لكي يفهموا كيفية تطبيق الإسلام في العصر الحاضر؟ وكيفية دحر الاعتداء؟ ويعرفوا ماذا يحيك المستعمرون ضد المسلمين من المؤامرات؟ وكيفية إفشال هذه المؤامرات؟ قبل ثلاثة عقود كتب رجل ألماني اسمه (بول أشميد) كتاباً سماه (الإسلام قوة الغد)، ويذكر في هذا الكتاب: إن على الحكومات الغربية أن توحد صفوفها وتكرس جهودها لأجل إعادة الحرب الصليبية - مرة أخرى - ضد المسلمين، وأنه إذا لم تفعل الحكومات الغربية ذلك فسوف ينتصر المسلمون عليهم. ثم يستدلّ على هذه المقولة بأن المسلمين يمتلكون أربع قوى هائلة، وإذا وعى المسلمون لما يمتلكونه من قوى جعلوا منها حربة قاتلة ضد الغرب. وما هي هذه القوى؟ إنها ـ كما يقول أشميد - : أ ـ خصوبة النسل.. فهم يؤمنون بتعدّد الزوجات، وبكثرة النسل لأن نبيهم قال: (تناكحوا تناسلوا، تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة، ولو بالسقط)(4). وهذا ما يسبب كثرة عددهم. ب - القوة الاقتصادية.. فهم يملكون بحيرات الذهب الأسود - النفط، روح الاقتصاد المعاصر - ويمتلكون معادن هائلة يتمكنون بها لا من النهوض فحسب وإنما من السيطرة على الغرب أيضاً. ج - الموقع الاستراتيجي. فإن بلادهم تقع بين الشرق والغرب. د - الدين الوثاب.. فإن دينهم دين عالمي تقدّمي.. وليس ديناً قومياً أو قبلياً أو جامداً.. والمسلمون يرون أنفسهم مكلفين بنشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. ثم يحذر أشميد الحكومات الغربية - مرة أخرى - من المسلمين، وينصحها بأن تشن الحرب الصليبية ضد المسلمين، ولكن بأسلوب عصري. هذا ما ذكره هذا الكاتب قبل حوالي ثلاثين عاماً. وقد شاهدنا هذه (الحرب الصليبية) بصيغتها العصرية متمثلة في: قومية ناصر، ووجودية سارتر، ورأسمالية فهد، وبعثية عفلق.. وشاهدناها متمثلة في إسرائيل الغاصبة - رأس الحربة الاستعمارية في المنطقة -.. وشاهدناها متمثلة في تبديل الثقافة الإسلامية إلى ثقافة شرقية أوغربية.. في الماسونية، والبهائية، وسائر الأحزاب الاستعمارية.. وعلى كل حال.. فإن من الضروري أن يعي التنظيم ما يدور حوله.. أن يعي ماذا يعمل المستعمرون وعملاؤهم ضد المسلمين.. وكيف أنهم متحدون - رغم اختلاف مصالحهم وأفكارهم - أمام المسلمين: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم)(5) وكيف خططوا حتى أجروا أنهار الدماء في بلادنا.. في أفغانستان.. لبنان.. فلسطين.. الحدود العراقية الإيرانية.. أريتريا.. الفلبين.. بورما.. وغيرها.. هذا في الجانب السلبي.. وفي الجانب الإيجابي، على التنظيم أن يفهم - بعمق -: السياسة الإسلامية، الاقتصاد الإسلامي، الثقافة الإسلامية، المجتمع الإسلامي، الدولة الإسلامية.. و.. و.. فإذا وعى التنظيم أصبح تنظيماً قوياً صامداً (تزول الجبال ولا يزول)، وإلا كان أفراده (همجاً رعاعاً، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق)(6)! ولن يكون المصير - عندئذٍ - إلا التقهقر والانهيار! |
|
التنظيم الحديدي |
|
كان الأساس الثاني من أسس إقامة حكومة الألف مليون مسلم: (التنظيم) بينما كان الأساس الأول: (التوعية) وقد ذكرنا في بحث سابق موضوعاً حول ضرورة تنظيم الحركات. أما في هذه الحلقة فيدور الحديث حول وجوب أن يكون التنظيم حديدياً مع حرية القاعدة، وكيف يكون التنظيم كذلك؟ التنظيم الحديدي يجب أن تتوفّر فيه شروط: الشرط الأول: إطاعة القاعدة للقيادة إطاعة كاملة وعن اقتناع. الشرط الثاني: انتخاب القاعدة للقيادة لأنه إذا لم يكن هنالك انتخاب من القاعدة للقيادة انتخاباً حراً لا يكون التفاعل بين القمة والقاعدة تفاعلاً عن اقتناع ومن أعماق النفس. وبذلك يتحول التنظيم ديكتاتورياً. والديكتاتورية لا بد من أن تزول إن عاجلاً أم آجلاً، لأن الاستبداد خلاف طبيعة البشر. فالأمة التي يحكمها المستبدّون لا بد من أن تثور ذات يوم. كما أن القاعدة التي تحكمها قمة مستبدة تصبر ولكن لا تمضي مدة طويلة حتى تثور على القمة وتسقطها، فالقمة يجب أن تنفذ أوامرها تنفيذاً حرفياً. بينما يجب في قبال ذلك أن تكون القمة منبثقة عن القاعدة ومختارة من قبلها عبر انتخابات حرة مائة في المائة. هذان شرطان أساسيان لأجل أن يكون التنظيم حديدياً، فلا ينفذ فيه خارج منه. ولا يكون التنظيم متأرجحاً ومبعثراً ورخواً، وبمثل هذا التنظيم يمكن التقدم بالأمة إلى الأمام. ثم يجب - ثالثاً - في التنظيم الحديدي ألا يعاقب المخالف - عن حسن نية - عقابا يسبب له الانعزال، كالعقوبات الجسدية أو العقوبات المالية، وإنما يجب أن تكون العقوبة أدبية قبل ذلك. فإذا كان التنظيم هكذا: قمة وقاعدة وعلى فرض المخالفة تكون العقوبة أدبية. فإن هذا التنظيم يأخذ بالتوسع والانتشار، ويستهوي الناس فيكبر هذا التنظيم.. ويكبر.. ويكبر.. حتى يستوعب العالم الإسلامي كله. إن لنا في قضايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير أسوة. فمثلاً: وجوب إطاعة القاعدة للقمة إطاعة حرفية درس نستلهمه من قصة معركة أحد، حيث هيأ المشركون جيشاً ضخماً لكي يحاربوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتلاقى الجمعان والتحما في معركة عنيفة في مكان يبعد عن المدينة المنورة مقدار فرسخ، ويسمى بـ(أحد) - وحيث كان هناك جبل يسمى بجبل أحد، كان من الممكن أن يهجم منه المشركون على المسلمين، لذا فقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) جماعة من المسلمين، وهم زهاء خمسين مسلماً بقيادة صحابي يسمى بـ(عبد الله) أن يكونوا على الجبل، وقال لهم: احموا ظهورنا، وأضاف: لا تبرحوا مكانكم سواء غَلبنا أم غُلبنا. والتقى الجمعان، وقاتل المسلمون، وأبلوا بلاءاً حسناً، وقتلوا جماعة من المشركين، وأخيراً: انهزم المشركون أمام زحف الإسلام وحكمة الرسول (صلى الله عليه وآله) . وعندما أخذ المسلمون في جمع غنائم الحرب، قال أصحاب (عبد الله) ما لنا ههنا وإخواننا يجمعون المال وقد انهزم المشركون وولوا الدبر؟ قال عبد الله: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بذلك فلا تخالفوا أمره. .. ولكن الدنيا حليت في أعين جماعة منهم - وكان السبب أنهم كانوا جديدي عهد بالإسلام ولم يكن الدين قد أخذ بمجامع قلوبهم ـ فتركوا أوامر عبد الله وأوامر الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكلما هتف بهم عبدالله ألا يبرحوا أماكنهم لم ينفع كلامه، فنزلوا من الجبل وأخذوا يجمعون الغنائم مع سائر المسلمين. وانتهز الكفار الفرصة، وهاجموا المسلمين من الخلف - بقيادة خالد ابن الوليد - وأخذوا يقتلون المسلمين ويكثرون فيهم الجراح، وهكذا انهزم المسلمون وصار الغلب للكفار، ولكن النبي (صلى الله عليه وآله) صمد، ومعه علي (عليه السلام) وبضع من المسلمين الآخرين.. وقاتلوا قتالاً شديداً حتى استطاعوا أن يلحقوا الهزيمة للمرة الثانية بجيش الكفار، ولكن بعد أن قتل من المسلمين عناصر خيرة تقارب السبعين - وكان فيهم حمزة سيد الشهداء -. وهكذا إذا كان التنظيم رخواً، وخالفت القاعدة القمة، فإن الأمر لا بد وان ينتهي إلى الفشل. .. ولكن إذا خالفت القاعدة القمة ولم تطع أوامرها فيجب أن تكون القمة حكيمة في اتخاذ الإجراءات المناسبة، فقد يقتضي الأمر العفو كما عفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المخالفين في (أحد)، سواء الذين كانوا على الجبل وخالفوا أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بالبقاء على الجبل، أو الذين انهزموا أمام جيش الكفار الزاحف وتركوا الرسول (صلى الله عليه وآله) وحده، وقد ذكرنا في كتبنا الفقهية: أن الحاكم الإسلامي يستطيع أن يعفو عن المجرم إذا رأى ذلك صلاحاً. وإذا رأت القمة العقوبة فالأفضل أن تجعل العقوبة، أدبية لا مادية أو جسمية، ولذا نرى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان: يعفو عن المتخلّفين أو يضع عليهم عقوبة أدبية فمثلاً: في غزوة تبوك تخلف ثلاثة أفراد عن الجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والخروج معه، ولم يكن لهم عذر في ذلك، وعندما رجع الرسول رأى معاقبتهم حتى يرتدع غيرهم بذلك، فماذا فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) ؟ أمر المسلمون أن لا يجالسوهم ولا يؤاكلوهم ولا يسلموا عليهم ولا يجلسوا في مجلس هم فيه، بل إنه قال لزوجاتهم: اطبخن لهم الطعام ولكن لا تتكلمن معهم، ولا تقربن منهم في الفراش. وبذلك وقع هؤلاء المتخلّفون في حصار اجتماعي صارم حتى ضاقت عليهم أنفسهم، وكانت النتيجة: أنهم تابوا من عملهم، كما سبب ذلك: اعتبار الآخرين بهم. وقد وردت قصتهم في القرآن الحكيم، حيث قال الله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا)(7). وهكذا فإن من الضروري أن يكون تأديب القمة للقاعدة - المخالفة للأوامر - تأديباً صارماً ولكن أدبياً في نفس الوقت، فإن التأديب الأدبي والعقوبة الاجتماعية يسببان ارتداع الإنسان المخالف نفسياً، لأن العقوبة ليست من القمة، وإنما هي من أفراد المجتمع الذين لا يتكلمون معهم، ولا يعاشرونهم، ولا يحضرون في محضر هم فيه - مثلاً -. وإننا لا نقول: إنه يجب أن يكون العقاب هكذا دائماً، وإنما نقول: يجب أن نتخذ من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) درساً لكيفية جمع الشمل وعقاب المخالفين مخالفة سياسية (لأن أمثال هذه المخالفات: سياسية، وليست مخالفات اجتماعية كالزنا وشرب الخمر، وقتل النفس كما هو واضح) . إذن.. فالواجب علينا ـ إذا أردنا التنظيم الإسلامي الواسع النطاق لإنقاذ ألف مليون مسلم ـ أن نجعل من تنظيمنا تنظيماً حديدياً، وحراً في الوقت ذاته، وإنما تكون الحرية: إذا كانت القمة منتخبة من قبل القاعدة، انتخاباً حراً - من ناحية - وكانت الأوامر نابعة من الاقتناع، لا من الإكراه والقسر ـ من ناحية ثانية -. |
|
التنظيم الواقعي |
|
يجب أن يكون التنظيم واقعياً لا صنمياً. يعني: لا يُجعل من التنظيم صنماً ويكون معياراً في الأخذ والعطاء والرد والقبول، وإنما يكون وسيلة إلى إقامة ونشر العدل وتوسيع رقعة الإسلام وإنقاذ المسلمين من المستغلين، بل وإنقاذ غير المسلمين، فإنه كثيراً ما يصبح التنظيم صنماً ويكون هو المحور، لا الحق، وهذا أخطر ما يقع فيه التنظيم الإسلامي، لأنه إذا صار التنظيم صنماً فطبيعة الحال لا يكون إسلامياً، لأن الحق يجب أن يُتَّبع، والتنظيم يجب أن يكون آلة لتطبيق الحق لا أن يكون معياراً فيبتعد عن الحق. وإذا ابتعد التنظيم عن الحق سبب ذلك أمرين: الأمر الأول: انفضاض الناس عن التنظيم، لأنهم يريدون الحق فإذا رأوا التنظيم يسير في مسلك، والحق يسير في مسلك آخر اتبعوا الحق وتركوا التنظيم. الأمر الثاني: حينئذ لا يكون التنظيم إسلامياً، وإنما يكون أهوائياً، والتنظيم الأهوائي لا يصل إلى الإسلام، وإنما يصل إلى ما يضاد الإسلام، وكيف يكون الأساس غير إسلامي والبناء إسلامياً؟ فإن هذا غير معقول، لان المبنى يبنى عليه من نحوه كما هو واضح، وفي الأمثلة الإسلامية وغير الإسلامية قصص كثيرة في أن (فاقد الشيء لا يعطيه)، وأن التنظيم لو لم يكن إسلامياً لا يمكن أن يعطي الإسلامية. |
|
شاهد من التاريخ |
|
جاء شخص إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: (يا رسول الله إن لي ولداً يضره أكل التمر وكلما نهيته لم ينته فأمره يا رسول الله بترك أكل التمر) .. قال النبي (صلى الله عليه وآله) (لا بأس) لكنه لم ينه الولد عن أكل التمر في ذلك اليوم، وإنما أخّر النهي إلى اليوم الثاني، وفي الغد نهاه عن أكل التمر فانتهى، إطاعة للرسول (صلى الله عليه وآله) . رأى الشخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك، وقال: (يا رسول الله لماذا لم تنه الولد في نفس اليوم؟) قال النبي (صلى الله عليه وآله): كنت في ذلك اليوم قد أكلت التمر وآكل التمر لا ينهى عن أكل التمر. إن كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) صحيح اجتماعياً، وإن كان الأمر دائراً مدار الواقع يعني انه يباح للإنسان أكل التمر، ولكن لا يصح له اجتماعياً أن ينهى عن ذلك، لأن المنهي عنه لو رأى الناهي قد ارتكب ما ينهى عنه فلا يرتب أثراً لكلام الناهي وإنما يقول: (إذا كان ما ينهى عنه صحيحاً فلماذا لم ينته هو عنه؟ وإذا كان ما يأمر به صحيحاً فلماذا لا يأتمر به هو؟). صحيح أن كثيراً من العقلاء يفرقون بين الأمر والمأمور والناهي والمنهي عنه، لكن النظرة الاجتماعية والتي يجب مراعاتها حسب قوله (صلى الله عليه وآله): (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم )(8) تقضي أن يكون الإنسان عند أمره ونهيه، وإلا إذا رأيت إنساناً يأكل طيباً من الطعام ويقول لغيره: كن زاهداً! لا بد وأن تقول في نفسك أو بلسانك: (إذا كان الزهد خيراً فلماذا لا تتزهد أنت؟) ومن الممكن أن يكون هو مقبلاً على الطعام الطيب لا من جهة الشهوة وإنما من جهة المرض، لكن من الطبيعي أن يرى الناس (العمل قبل القول)، ولهذا ورد في الحديث: عظوا الناس بأعمالكم قبل أقوالكم. هذا الشيء يجب على التنظيم مراعاته، فلا يكون صنماً يعبد، ويكون الحق والباطل ميزاناً ينطبق عليهما التنظيم، لا أن ينطبق الحق والباطل على التنظيم. في كلام للإمام أمير الــمؤمنين عليـــه الصلاة والسلام يقـــول: (يعطف الهــوى على الهدى حين ما عطفوا الهدى على الهوى)(9) إن التنظيم الذي لا يلتزم بالحق لا يتمكن أن يدعو إلى الحق، وإذا دعا إلى الحق كانت مهزلة وانطبق عليه قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(10). ومن كلام للإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به)(11). وفي قصة من قصص العلماء يذكر: إن عبداً جاء إلى عالم وكان العالم خطيباً أيضاً وقال له: (إن لي مولى وهو من المخلصين لكم، وأنا في شدة ومولاي يحضر تحت منبركم وهو يطيعكم، فشوقوه ليعتقني جزاكم الله خيراً) . قال العالم للعبد: لا بأس، ثم صعد المنبر في ذلك اليوم وبعد ذلك بأسبوع وشهر.. وشهور.. ولم يتفوه بكلمة في استحباب عتق العبيد. وذات يوم تكلم حول استحباب عتق العبيد، وأن (من أعتق عبداً أعتق الله بكل عضو من ذلك العبد عضواً من المولى من النار)(12).. وأخذ يقرأ الأحاديث ويشوق الناس لعتق عبيدهم، وسيد العبد جالس تحت منبر العالم، فرجع إلى الدار وقال لعبده: (أنت حر لوجه الله تعالى، اذهب حيث شئت) فشكره العبد وجاء إلى العالم قائلاً: (جزاك الله خيراً إن مولاي أعتقني، ولكن لي سؤال، هو: لماذا لم تشوق في اليوم الأول الموالي لعتق عبيدهم، والآن وبعد ما مضى على الطلب عدة شهور تكلمت حول عتق العبيد؟) . قال العالم: (نعم يوم طلبت مني لم يكن لي عبد ولم يكن لي مال ومنذ ذلك اليوم أخذت أجمع المال، واشتريت عبداً وأعتقته كي يكون كلامي مؤثراً في سيدك، والله سبحانه وتعالى جعل التأثير في كلامي بعد عملي به ولهذا أعتقك مولاك) . هذا في الحقيقة مثل رائع لأن يكون الإنسان عند قوله لا أن يقول ما لا يعمل، لأن المجتمع يرفض كلامه عندئذ ولو كان معذوراً، إن التنظيم لو صار صنمياً لا تؤثر تعليماته وقراراته في القلوب (والموعظة إذا خرجت من القلب دخلت في القلب، وأما إذا خرجت من اللسان فلا تتجاوز الآذان) . فالتنظيم يجب أن يكون حقانياً لا صنمياً وأهوائياً، فإنه لو كان واقعياً وقال للناس اتبعوا الحق لأتبعوه، وليس التنظيم معيار المدح والذم وإنما الحق هو المعيار، فيجب أن يكون في طريق الحق كي يكون إسلامياً. |
|
طريق النصر الالتزام بما نقول |
|
خلال الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء وبين دول المحور، كانت الصحف الحرة في إحدى بلاد الحلفاء تهاجم الدولة إبان الحرب القاسية وتذكر أخطاء الدولة ونقاط ضعفها، انزعج الوزراء من هذه الصحف، وطلبوا من رئيس الوزراء أن يأمر بغلقها. قال رئيس الوزراء: إننا نحارب هتلر لأجل ديكتاتوريته، فهل يصح أن نعمل بالديكتاتورية؟! فلماذا إذن نحارب الديكتاتوريين؟ إن الذي يحارب الديكتاتوريين يجب أن يكون ديمقراطياً ـ حسب اصطلاحهم ـ أما أن نكون نحن مستبدين ونقول للناس حاربوا المستبدين فهذا مستحيل. وكلما أصرّ الوزراء على رئيسهم بأن يغلق تلك الصحف المعارضة رفض ذلك، فصار موقف رئيس الوزراء موضع إعجاب الجماهير وسبباً لانجذابهم إليه، وهذه سنة اجتماعية دائمة. في الحقيقة من يحارب الديكتاتور يجب ألا يكون ديكتاتوراً، ومن يحارب الظلم يجب ألا يكون ظالماً، ومن يحارب الكذب يجب أن لا يكون كذاباً، والتنظيم الذي يحارب الأصنام البشرية والحجرية ويحارب ما هو ضد الإسلام لا يمكن أن يكون صنماً، وإلا فلا جدوى من محاربته، لا إسلامياً ولا اجتماعياً، ومصيره النهائي هو الفشل المحتم، فلا بد لكل تنظيم أن يراعي مقاييس الحق والواقع والصدق والصراط المستقيم، وبذلك يتوسع بإذن الله تعالى حتى يشمل كل بلد في العالم الإسلامي. |
|
التنظيم الجماهيري |
|
معنى التنظيم الجماهيري: التنظيم الجماهيري يعني أن تكون مؤسسات التنظيم وعناصره ملتحمة بالجماهير، وأن ينظم طاقاتها ويقودها في معارك التحرر ضد الاستعمار والاستبداد، ولو فقد التنظيم صلته بالجماهير فسيعيش في الفراغ ولا يتطور، وبالنتيجة لا يستطيع تقديم الأمة إلى الإمام، ولا طرد الاستعمار من بلاد الإسلام، وإذا كان التنظيم جماهيرياً فالجماهير تغذيه.. فينمو ويتوسع حتى يستوعب العالم الإسلامي، وتحدث عندئذ اليقظة الكاملة والحركة الشاملة ثم مكافحة الاستعمار وطرده. |
|
مقومات التنظيم الجماهيري |
|
أما كيف يكون التنظيم جماهيرياً؟ فالجواب: إنه إنما يكون جماهيرياً إذا اعتمد على مقومين رئيسيين: الأول: القيادة النموذجية النـزيهة: إن القائد لو ارتمى في أحضان الفساد، والارتشاء، والاختلافات، والميوعة الخلقية، سقط عن عين الجماهير وانفضّ الناس من حوله، والجماهير لا تسلم زمام أمرها إلا إلى القائد النزيه، بناءاً على هذا فاللازم على القيادات التنظيمية أن تكون في مستوى لائقٍ وسامٍ من النزاهة، وهذا العامل هو الذي جعل راية الأنبياء (عليهم السلام) تخفق على العالم، فإنهم كانوا في غاية النزاهة والعفة والزهد والخلق الكريم والفضيلة والتقوى والكرامة. وذلك واضح في شخصية عيسى، وإبراهيم الخليل، ولوط، وشعيب، وموسى الكليم، ويعقوب، ويوسف، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، وفي علي والأئمة الطاهرين عليهم الصلاة والسلام، وفي العلماء الراشدين وفي القادة المصلحين. إن الذي يريد أن يقود الجماهير يجب أن يضبط أعصابه ويحفظ لسانه وعينه وأذنه وقلبه ولا يقدم على الدنيا، فقد قال عيسى (عليه السلام): (الدنيا داء والعالم طبيب، فإذا رأيتم الطبيب، يجر الداء إلى نفسه فاتهموه)(13). وقال أيضاً: (الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها)(14). وقال علي (عليه السلام): (إن دنياكم هذه أهون عندي من عراق(15) خنزير في يد مجذوم)(16)، انظر كيف وصف أمير المؤمنين الدنيا؟ وصفها (عليه السلام) بأقذر جزء من الخنزير وهو الأمعاء الممتلئة بالأوساخ فضلاً عن أنها بيد مجذوم. إذن عدم انفصال التنظيم عن الــجماهير بحاجة إلى نزاهة القائد نزاهة كبيرة وشاملة، وكلما كان القائد التنظيمي أكثــر نموذجية في النزاهة كان اطمئنان الناس واعتقادهم به أكثر والالتفاف حوله أشد، وبذلك ينجح التنظيم في التقدم واكتساب الجماهير إلى خطه. الثاني: احترام الجماهير: المقوم الثاني للتنظيم الجماهيري هو احترام الجماهير، فإن كثيراً من التنظيمات يأخذها الغرور والعجب بنفسها، فتنظر إلى الناس نظرة احتقار، وترى نفسها هي العاملة والآخرون كلهم خاملون! وجزاء الناس لهذه التنظيمات احتقارها، وإهانتها.. مما ينتهي بشكل تدريجي إلى السقوط. يقول الشاعر: لسانك لا تذكر به سوءة أمرئ فكـــلك ســوآت وللـــناس ألســـن وعينك إن أبدت إليــك معايــباً من الناس قل يا عين للناس أعين فمن احتقر الناس احتقر، ومن اتهم اتّهم، ومن ظن بالناس سوءاً ظنّوا به السوء، ومن دخل مدخل السوء تجنب منه الناس، فالواجب على القيادات التنظيمية أن يربوا تنظيمهم على احترام الناس وإكرامهم بقضاء حوائجهم، وعدم بناء الحواجز دونهم ـ إلا بالقدر الضروري ـ واستيعاب طاقاتهم لتنمو وتتوسع. وفي سلوك الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) الشيء الكثير من احترام الناس واستماع آرائهم، فقد جاء في الروايات: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جاءه أعرابي خشن وهو جالس في مسجده وحوله جماعة من الصحابة، فطلب من النبي (صلى الله عليه وآله) حاجته، فلم يتمكن النبي من قضائها في ذلك الوقت، وبصورة ترضي الأعرابي، فأرجأه إلى وقت آخر، ولكن الأعرابي كان سيئ الأدب فتكلم بما لا يليق أن يقال عند النبي (صلى الله عليه وآله) فثارت حمية الأصحاب، وأرادوا تأديبه، إلا أن النبي أمرهم بالكف عنه، ثم توجه إلى الأعرابي وقال له: تعال معي إلى الدار، فأصطحبه إلى الدار وأعطاه ما يرضيه وقال له: هل رضيت عني؟. قال الأعرابي: نعم، رضي الله عنك يا رسول الله، ومدحه. وقال له النبي (صلى الله عليه وآله): اذهب وقل لأصحابي إني أرضيتك وإنك راض عني، فجاء إليهم في المسجد ومدح النبي (صلى الله عليه وآله) وأظهر رضاه عنه. ويجدر بنا أن نتروى عند هذه الرواية لنسلط الضوء على أمور ثلاثة مهمة: الأمر الأول: أن النبي (صلى الله عليه وآله) بفضل خلقه الكريم لم يرض أن يقابل الإساءة بالإساءة، بل قابلها بالإحسان، ليعطي درساً حيوياً للعاملين على إصلاح المجتمع في التأثير فيهم بالأسلوب الأقرب للإيمان والتقوى، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: (وأن تعفوا أقرب للتقوى)(17). وقال أيضاً في محكم كتابه: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(18). فإن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أكبر من أن يترك حتى إنساناً واحداً يغضب ولو في أشد حالات الضرورة ـ إلا إذا لم يكن هنالك مناص من ذلك -. انه (صلى الله عليه وآله) لا ينظر إلى سلوكه من خلال الطرف المقابل فحسب، بل ينظر إلى مدى تأثير العمل في نفوس الناس، وما هو الانعكاس الذي يؤدي إليه وما هي نتائجه في تصرفات الناس، فالنبي (صلى الله عليه وآله) كان دائماً يلاحظ الجماهيرية. الأمر الثاني: إن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يصرف الأعرابي لشأنه حتى أرضاه، والواضح أن من سياسة النبي (صلى الله عليه وآله) أنه لا يترك إنساناً حتى يقنعه بما يعطيه، ولا يصرفه إلا وقد أرضاه، وكذلك كانت سياسة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا في أقصى حالات الضرورة وما أندرها في حياة هذين العظيمين. وقد ذكرنا في كتاب القضاء وغيره من (الفقه) أن الحاكم الإسلامي له حق العفو عن الحدود الشرعية كما عفا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعفا أيضاً الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حسب ما رأيا من المصلحة. الأمر الثالث: جاء في قصة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) والأعرابي، أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قال له: (اذهب وقل لأصحابي إني أرضيتك وإنك راض عني) وقد فعل الأعرابي ما أمر به. لكن لماذا هذا الأمر؟ والجواب: إن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد أن يشعر أصحابه بأنه حتى الأعرابي لم يغضب عليه، وإن لم تكن لذلك الأعرابي قيمة، وإن لم تكن هناك خشية من غضبه. وهكذا تمكن الرسول (صلى الله عليه وآله) من تجميع الجماهير بصورة منقطعة النظير، وقد ورد في حديث أنه قال: خير الولاة من جمع المختلف وشر الولاة من فرق المؤتلف. وكيف كان، فالتنظيم إنما يكون جماهيرياً إذا احترم الجماهير واستمع لآرائهم وانتقاداتهم البناءة. |
|
كيف يتعامل التنظيم مع الجماهير؟ |
|
يقع كل تنظيم بين شوكتين: شوكة الجماهير التي تريد مساواة عناصر التنظيم معها، وشوكة الهدف حيث يجب أن تكون الوسيلة بيد التنظيم حتى يصل إلى الهدف، ولأجل ألا يتأثر بهذين الأمرين، يجب عليه أن يكون حازماً عاقلاً مفكراً، وأن يعرف مداخل الأمور ومخارجها، كي لا يفقد الجماهير من جهة، ولا يتوقف عن السير في طريق الهدف من جهة أخرى، فلأجل ألا يخسر الجماهير ولا يضيع الهدف يجب عليه أن يحترم الناس وأن يسير معهم خطوة إلى الأمام، وفي هذه الحالة يكون التنظيم جماهيرياً. إني قد لاحظت في التاريخ كثير من الحركات الإسلامية منذ مائة عام أنها فشلت في تقديم الأمة إلى الأمام، وإذا كانت قد قدمتها فقد كان التقدم وقتياً، بسبب أن تلك الحركات لم تكن تحترم شخصية الجماهير، وبالنتيجة انفصلت الجماهير عن تلك الحركات وظلت هي وحدها في الميدان، تنادي وتستنهض الهمم، فلا تسمع سوى صدى نداءاتها، وبانفصالهم عنها سقطت تلك التنظيمات. وما سقطت الحركات العاملة في العراق قبل 25-40عاماً إلا لأجل ما ذكرناه، وقد كان مجموع الأحزاب في العراق أربعة وأربعون حزباً من مختلف التنظيمات والانتماءات، ولم تتمكن من شيء يذكر! لماذا..؟ للأمرين الذين سبقت الإشارة إليهما. الأمر الأول: سقوط جملة من القيادات التنظيمية في أوحال المادة، الدور، القصور، السيارات، الوظائف، الأهواء، الشهوات، فكان الناس من جراء انغماس القادة في هذه الأشياء لا يطمئنون إليهم، فأدى إلى أن انفضوا من حولهم، والنتيجة الفشل الذريع الذي أصاب التنظيم. والأمر الثاني: أنها كانت تزدري الناس والجماهير وتهزأ بهم وتغمزهم وتترفع عنهم، وهكذا كانت الجماهير تقابلهم بالمثل، والنتيجة الوحدة في الساحة، حيث لا قاعدة جماهيرية ولا أناس مؤيدين. إذن، إذا أردنا إقامة حكومة ألف مليون مسلم فعلينا أن نلتزم بمقومات التنظيم الجماهيري الواسع وعندئذ نتمكن من التقدم إلى الأمام. |
|
التنظيم وإرضاء الجماهير |
|
هذه الحلقة من الحديث هي ضمن السلسلة التي تناولت بحث مسألة التنظيم وضرورة جماهيريته والأسس التي يعتمد عليها، وسيدور البحث هنا حول (ضرورة إرضاء الجماهير) وطبعاً (رضا الناس غاية لا تدرك)، لكن المقصود من ذلك هو خدمة التنظيم للجماهير، ومحاولة جذب ودهم قدر المستطاع ضمن إطار رضا الله سبحانه. الجماهيرية شيء صعب، لكنها محمودة العاقبة، وصعوبتها تنبع من أن للجماهير حاجاتها، والتنظيم إذا لم يعط الجماهير مطاليبها فسرعان ما يخسرها، وإذا خسرها كان السقوط لا محالة. أما أن إعطاء مطاليب الجماهير أمر صعب فذلك أن الجماهير لها آراؤها وأفكارها وحاجاتها وأسلوب عملها واجتماعاتها وغير ذلك، وهذه الأمور تضغط على التنظيم ضغطاً كبيراً، لكنّ تحمّل صعوبة إعطاء مطاليب الجماهير أسهل من تحمّل وجود الأعداء. ولا بد للإنسان أن يواجه ضغطاً معيناً، إما ضغط الصديق وإما ضغط العدو، وضغط الصديق أسهل وأحمد عاقبة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الجماهير لا تنظر إلى الهدف غالباً، بينما التنظيم وقياداته ينظران إلى الهدف بصورة مستمرة، ونظراً لاختلاف النظرتين ينشأ التناقض فيعيقهما جميعاً عن التقدم إلى الأمام، فما العمل الذي يحصن التنظيم عن رفض الجماهير له؟ الواقع، يجب أن يكون التنظيم على قدر كبير من التعقل والحزم، حتى يتمكن من إطفاء النار - لو صح التعبير- التي تشب بينه وبين شرائح معينة من الجماهير، وبذلك يستطيع الجمع بين الجماهيرية وبين الهدف، وهذا ليس بالأمر السهل، إلا أنه ممكن، ولذا نجد في الحياة الإصلاحية كالأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين وغيرهم أمثلة لهذا الأمر. |
|
أمير المؤمنين (عليه السلام) والجماهير |
|
الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان هو الرئيس الأعلى لأكثر من خمسين دولة، حسب التقسيم الجغرافي الحديث، وكانت دولة الإمام (عليه السلام) أكبر دولة آنذاك، ورغم ذلك كان يخرج (عليه السلام) من (دار الإمارة) إلى الناس، ويتعقب أمورهم بنفسه، ويوفر لهم حوائجهم فرداً فرداً، ويتحرى رضاهم، وذات مرة كان يمر (عليه السلام) في إحدى أزقة الكوفة وإذا به يرى امرأة جالسة تبكي فتوجه إليها الإمام (عليه السلام) قائلاً: (يا أمة الله لم جلوسك هنا ومم بكاؤك) ؟ قالت: (يا هذا إن أهلي أرسلوني لأشتري التمر واشتريته وذهبت به إلى الدار، وإذا بهم يأمرونني برده، فرجعت إلى التمار وطلبت منه أن يسترجع التمر ويرد لي دراهمي، فلم يقبل بذلك، وأنا أمة مملوكة والآن أنا حائرة، فإن رجعت إلى أهلي غضبوا علي، والتمار لا يقبل الاسترجاع فلا أعلم ماذا أصنع) . قال لها الإمام (عليه السلام): يا أمة الله قومي معي إلى التمار. فقامت مع الإمام (عليه السلام) وذهبا إلى التمار، وكان شاباً مغروراً، فنصحه الإمام قائلاً: (هذه أمة لا تملك من أمرها شيئاً فخذ التمر ورد عليها الدراهم) . لكن الشاب أخذ الإناء من يد المرأة ونثر التمر في الطريق وسبّ الإمام (عليه السلام) ـ وهو لا يعرفه ـ وقال له: (ما أنت والتدخل بيني وبينها) ! فلم يتكلم الإمام شيئاً، وانصرف الشاب إلى عمله، وتحيرت المرأة إذ صار الأمر أصعب، فقد فقدت الدراهم والتمر، وفي فترة وجيزة حيث كان الشاب منشغلاً بعمله، مرت بعض شخصيات دولة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في السوق فلاحظوا الإمام واقفاً هناك، فأتوا ووقفوا إلى جانبه، وفجأة يلتفت الشاب إلى الرجل وإذا به يراه واقفاً وحوله كوكبة من شخصيات الدولة، فتحير من ذلك فمن هو هذا الرجل؟ ولماذا يجتمع هؤلاء حوله؟ وهم لا يتكلمون وكأن على رؤوسهم الطير. فسأل من أحد أصدقائه من هذا؟ ومن هؤلاء الواقفون حوله؟ فقال له: هؤلاء واقفون احتراماً لهذا الرجل. قال: ومن هذا الرجل؟ قال له: هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) . أخذ الشاب يرتعد ويرتجف، واصفر لونه وقفز من دكانه يقبّل قدم الإمام أمير المؤمنين ويقول: يا أمير المؤمنين ما عرفتك، اعف عني، ارض عني يا أمير المؤمنين. قال له الإمام (عليه السلام): اذهب وأقِلْ الجارية وأعطها دراهمها واجمع تمرك، أما ما طلبت مني أن أرضى عنك؟ فما أرضاني عنك! إن أصلحت أمرك(19). (هذه الكلمة الكبيرة سر النجاح، وهو دستور ليس للزعماء فحسب، بل لكل إنسان يريد أن يعيش بسلام ويكون محبوباً عند الجماهير: (ما أرضاني عنك! إن أصلحت أمرك) القائد، العالم، الخطيب، رئيس الدولة، الموظف، يجب أن يلاحظوا مسألة رضا الناس وإلا سقطوا)، ثم قفز التمار إلى الدكان وأخذ الدراهم وقدمها إلى الجارية، ثم جمع تمره وأرجعه إلى مكانه. إن الإمام (عليه السلام) كان يلاحظ ألا يكون حتى إنسان واحد غير راض على امتداد الوطن الإسلامي الرحب. فيجب على التنظيم أن يتخذ من هذا الأمر درساً لعمله الدائب في خدمة الجماهير. إن أصحاب النفسيات السلبية الذين يتصورون أنهم الأفضل، ويقول أحدهم: (إن هذا رأيي) أو: (أنا أكثر فهماً) أو: (إن الجماهير لا تفهم وهي غير واعية) أو: (ما للجماهير والتدخل في هذه الشؤون) وما أشبه ذلك، نتيجتها انفضاض الجماهير من حول تنظيمهم وعدم توسعة التنظيم ونموه، وعدم وصوله إلى المستوى المطلوب، فلا يتمكن من إنقاذ العالم الإسلامي ولا حتى بلد واحد. إن واجب التنظيم أن يلاحظ الجماهيرية على طول الخط، فإن الجماهير هي التي تتمكن من إنقاذ بلاد الإسلام لا جماعة خاصة من المثقفين فقط. إن مثل الجماهير كمثل الماء، إذا لم يكن ماء في البحر فلا تبقى الأسماك حية، والتنظيم مثله كمثل السمكة. وقد نقل لي أحد المراجع عن قائد ثورة العشرين الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي (رحمة الله عليه) الذي أسس أول دولة إسلامية في كربلاء المقدسة، (إن الإمام الثائر قد التفت حوله الجماهير بصورة غريبة، الشيوخ والعشائر، الكبار والصغار، ضد بريطانيا الغاصبة، وكان وراء بريطانيا في ذلك اليوم أكثر من ألف مليون ـ الهند بكاملها والصين والشرق الأوسط ومناطق أخرى من أفريقيا وغيرها ـ لكن القائد الإسلامي المحنك تمكن أن يطرد الاستعمار البريطاني من العراق، وكان الازدحام هائلاً حول الميرزا محمد تقي الشيرازي ومن الطبيعي أن لا يتمكن المرجع ـ وهو كبير السن ـ أن يجمع بين القيادة الثورية وبين إعطاء حوائج الناس، وإنه (رحمه الله) قال لنا ـ نحن معاشر الطلبة وكنا صغاراً في ذلك اليوم ـ : (أيها الطلبة إني قبل الثورة كنت أتمكن من قضاء حوائجكم شخصياً وأما بعد الثورة فإني مشغول بالمسؤوليات، ولا أتمكن من قضاء حوائجكم شخصاً شخصاً، كما إنكم لا تتمكنون أن تصلوا إلي للازدحام الذي حولي، فإذا كانت لأحدكم حاجة فإني في كل يوم بعد صلاة الصبح أخرج إلى الشوارع الممتدة في أطراف كربلاء المقدسة، فيتمكن كل طالب علم أو أي شخص آخر يريد لقائي على انفراد، أن يأتي في ذلك الوقت لأقضي حاجته) . هذا العالم الراوي للقصة يقول: إني شخصياً ذهبت إليه مرات عدة، وعندي حاجة مادية أو معنوية، وكنت أرى الإمام يمشي وحده، على النهر أو في الشارع المحاط بالأشجار، وأحياناً يذهب إليه فقير أو طالب أو جماعة لأخذ حاجاتهم وهكذا. هذا الإمام الثائر، القائد الأعلى للمسلمين في ذلك اليوم كان يعطي وقته لفرد فرد من أفراد الأمة ويقضي حاجاتهم، وهذا هو سبب تمكنه من طرد بريطانيا من بلد المقدسات العراق، تمكن أن يطرد هذا الاستعمار من العراق، للمحبوبية المنقطعة النظير التي اكتسبها جراء أخلاقه الطيبة وجماهيريته الواسعة. إذن، فإذا أردنا إنقاذ ألف مليون مسلم يجب علينا أن نؤسس أسساً قائمة على التوعية والتنظيم، والتنظيم يجب أن يكون جماهيرياً ومحبوباً، ويجب أن نجعل كلمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) التي يقول فيها: (ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك)، شعاراً عملياً دائماً كي نصل إلى الهدف. |
|
تنظيم المؤسسات والجمعيات |
|
تكثر التنظيمات في الوقت الحاضر في الهند، والباكستان، وبنغلادش، وأفغانستان، والعراق، ومصر، وفلسطين، والخليج، وأندونيسيا، وتركيا، وغيرها . والى جنب هذة التنظيمات يوجد مفكرون كثيرون، ومكتبات، ودور نشر، ومطابع، ومجلات، وجرائد، وأحياناً مؤسسات إذاعية وتلفزيونية، وقد تمكن الشرق والغرب من جعل هذة التنظيمات والأجهزة الإسلامية متفرقة، كل واحد منها في ميدان بمفرده، فالشرق والغرب مجتمعون والتنظيمات الإسلامية متفرقة، ودائماً المُجتمِع يغلب المتفرِّق، وهذه سنة الله من القدم إلى الآن . ولذا فمن الضروري على التنظيم الإسلامي الواعي الذي يريد إقامة حكم الله تعالى في الأرض، وإقامة حكومة ألف مليون مسلم أن يعمل جاداً لأجل أن يصب كل هذة الأجهزة الإسلامية في تيار واحد عام، من جنوب بلاد الإسلام إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها، حتى تكون حركة واحدة وأمة واحدة كالبنيان المرصوص وتتمكن من أن تقاوم المستعمرين سواء الشرقيون منهم أو الغربيون أو وليدتهما - الصهيونية العالمية ـ وذلك ممكن بالكيفية التالية: أن تجعل أولاً مسودة تعاون، على أساسها تتوحد كل القوى الإسلامية من منظمات وجمعيات وحركات.. وفي المرحلة الثانية، تنتخب جماعة من المثقفين الذين يحملون الفكر الإسلامي حملاً جيداً ويلتزمون بالإسلام سلوكاً ومنهاجاً في حياتهم، وتكون مهمتهم صب طاقات الأحزاب والمنظمات والمكتبات ودور النشر والمؤلفين وما أشبه في تيار واحد. أما في المرحلة الثالثة، فيتحركون لتشكيل قيادة واحدة، ويتم تشكيلها بانتخاب الأكثرية، فتتخذ قرارات مناسبة لتكوين الحركة الإسلامية الواحدة، وكل القوى والأحزاب والمنظمات الإسلامية وغيرها تصب في هذا التيار الواحد، ويكون مثله كمثل النهر الكبير الذي يبتدئ بقطرات ثم تصبح عيوناً ثم أنهار صغيرة ثم أنهار متوسطة تصب في النهر الكبير. وهذا الأمر ممكن ويسير إلا أنه يحتاج إلى حركة عاقلة وحازمة ومفكرة ومخلصة ومضحية قادرة على توحيد هذه الجهود. لقد فعل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) نفس الشيء ولكن بشكل آخر، كانت القبائل العربية قبل عهده (صلى الله عليه وآله) متنافرة وأحياناً متناحرة، فجاء الرسول (صلى الله عليه وآله) وأخذ يجمع القبائل حول كلمة (لا إله إلا الله) و(محمد رسول الله) وما يتبعها من وجوب تطبيق شرائع الإسلام، فوحد القبائل والمدن وجعلها كلها في تيار واحد. ومن يطالع حروب الرسول (صلى الله عليه وآله) يرى فيها الاتساع البشري، مثلاً في حرب بدر وهي أولى حروب الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت الجماعة المسلمة التي خرجت للحرب زهاء ثلاثمائة، فأصبحوا للحرب التي تلتها ألفاً، وفي الحرب الثالثة ألفاً وثلاثمائة تقريباً، ثم ألفين ثم ثلاثة آلاف، وفي حرب أخرى بلغ عددهم سبعة آلاف، وفي فتح مكة عشرة آلاف مقاتل، وفي حرب حنين بلغ عدد الجيش الإسلامي إثني عشر ألفاً، ثم تصاعد عددهم إلى ثلاثين ألفاً في حرب تبوك، وأخيراً نرى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما عزم على حجة الوداع تجمع حوله ـ كما تشير بعض الروايات ـ مائة وثلاثون ألفاً، وهذا التصاعد يعطينا دليلاً على إمكانية تصعيد التجمعات الإسلامية في العصر الحاضر. في ذلك اليوم كانت القبائل وهي عبارة عن تجمع طبيعي للإنسان، مصدره الولادة والانتساب، أما اليوم فالتجمعات أصبحت ثقافية على شكل جمعيات وأحزاب وتنظيمات، وهذه المؤسسات في الإمكان أن نجمعها في تيار إسلامي واحد منظم وقوي، وذلك باجتماع منظمة إلى أخرى إلى ثالثة ورابعة و....، إلى أن يأتي يوم يكون لنا فيه تيار إسلامي واحد من أقصى بلاد الإسلام إلى أقصاها. وهذا التيار الإسلامي الواحد يتمكن من التصرف في البلاد الإسلامية تصرفاً واحداً، ويلتف حوله المسلمون، وبعد ذلك فالويل للمستعمر الشرقي والغربي لو أراد مواجهة هذا التيار، لأن هناك ـ بالإضافة إلى القوة الإسلامية العددية ـ تكون القوة الكيفية (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)(20). هذه القوة الكيفية غير موجودة لا في الشرق ولا في الغرب، فإذا جمعنا إلى هذه القوة الكيفية والقوة العددية أيضاً حسب قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(21) توحدت بلاد الإسلام تحت حكم الله تعالى الذي ينضوي تحت لوائه آنذاك ألف مليون مسلم، وآنئذ يرجع المسلمون إلى ما كانوا عليه من السيادة والسعادة والقوة ويتمكنون من إنقاذ المستضعفين من براثن المستغلين سواء في داخل بلاد الإسلام أو في خارجها، كما قال ذلك القائد الإسلامي لرستم ـ القائد الفارسي ـ في حرب وقعت بين المسلمين والفرس حيث سأله رستم ماذا تريدون؟ فأجابه القائد الإسلامي: إننا نريد أمرين: الأول: أن ننقذ أفكار البشر من الخرافة إلى الحقيقة، عبادة الملك، عبادة النار، عبادة البقر، عبادة الصنم، نريد إنقاذ الأفكار من هذه الخرافات الزائفة إلى عبادة الله الواحد القهار الخالق الرازق المحيي المميت الذي بيده كل شيء. قال رستم: ما أجمل هذا الشيء وما أجمل ما تدعون إليه، ثم ماذا هو الأمر الثاني؟ أجابه القائد الإسلامي: الأمر الثاني: (أن نخرج عباد الله من ضيق الأرض إلى سعتها) . ماذا تعني هذه الكلمة: (أن نخرج عباد الله من ضيق الأرض إلى سعتها) ؟ أنت إذا أردت السفر من بلدك إلى بلد آخر تحتاج إلى جواز و(الروتينيات) الإدارية المعقدة. أليس هذا ضيقاً. وإنما الإسلام يقول: الأمة واحدة، والأرض لله. ثم إنك إذا أردت التجارة، أو الزراعة، أو الصناعة، أو العمل، أو العمارة، أو إبداء الرأي، أو إصدار صحيفة. فإنك تحتاج إلى الإجازة، والرواح والمجيء، والرسوم، والجمارك، والمكوس، و... وكل هذه الأمور تضييق على الإنسان.. لقد أصاب الإنسان الضيق حيث أعرض عن ذكر الله تعالى - يقول القرآن الحكيم:- (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لِمَ حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)(22). لقد وقعنا في ضيق الأرض بعد تركنا أحكام الله سبحانه، ولا يمكن أن نخرج أنفسنا من الضيق إلى السعة إلا إذا أطعنا الله في توحيد بلاد الإسلام، وتوحيد الأمة المسلمة تحت لواء (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وصار القرآن الكريم والسنة المطهرة دستوراً لحياتنا. قال رستم للقائد الإسلامي: وما أجمل هذا الأمر الثاني أيضاً. ثم وجه رستم كلامه للقائد الإسلامي وقال له: إذا قبلنا هذين الأمرين، فهل تتركونا، وتعودون إلى بلادكم؟ أجاب القائد الإسلامي: نعم والله، إننا لا نحارب من أجل المال والسلطان والأرض.. وإنما نحارب لإنقاذ البشر من الخرافة إلى الحقيقة، ولإنقاذ المستضعفين من ضيق الأرض إلى سعتها. فقال رستم: وما أجمل هذا أيضاً.. ولكن قومي لا يقبلون ذلك.. ثم وقعت الحرب، وكانت كلمة الله هي العليا.. إننا إذا تمكنا من توحيد القوى الإسلامية المختلفة في تيار واحد عالمي فإننا نستطيع عندئذ إنقاذ أنفسنا.. فلا ترى أثراً لإسرائيل الغاصبة، ولا للشيوعية المعتدية، ولا للغرب المستعمر.. ولا شيئاً من المشكلات التي يواجهها المسلمون اليوم..
|
|
1 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم رقم161. 2 ـ سورة البقرة: الآية 233. 3 ـ البحار: ج2 ص111 ح25. 4 ـ البحار: ج100 ص220 ح24. 5 ـ سورة المائدة: الآية 51. 6 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم رقم147. 7 ـ سورة التوبة: الآية 118. 8 ـ الكافي: ج1 ص23 ح15. 9 ـ نهج البلاغة: الخطبة:138. 10 ـ سورة الصف: الآية 2. 11 ـ نهج البلاغة: الخطبة: 129. 12 ـ أنظر الفقيه: ج3 ص66 باب38 ح1. 13 ـ الوسائل: ج14 ص12 باب4 من أبواب مقدمات النكاح، ح5. 14 ـ البحار: ج14 ص319 ح21. 15 ـ العراق جمع عرق: الأمعاء؛ المجذوم: المصاب بمرض الجذام، وهو تناثر اللحم من أطراف الجسم. 16 ـ نهج البلاغة: قصار الحكم236. 17 ـ سورة البقرة: الآية 237. 18 ـ سورة الأعراف: الآية 199. 19 ـ بحار الأنوار: ج37، ص48. 20 ـ سورة آل عمران: الآية 139. 21 ـ سورة الأنفال: الآية 60. 22 ـ سورة طه: الآية 124 ـ 126. |