الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

ضرورة ملء الفراغ السياسي

من الضروري على القائمين بالحركة ـ الذين يريدون الوصول إلى حكومة إسلامية عالمية ـ ملاحظة أن الحكم هدم وبناء هدم، لما سلف، وبناء الحكومة الإسلامية ذات الألف مليون مسلم، وإذا كان الهدم والبناء يتكونان من مائة عنصر، فواحد للهدم وتسعة وتسعون للبناء، فمن الضروري ملاحظة أن البناء يحتاج إلى أفراد يقومون بملء الفراغ الذي سببه ذهاب الأنظمة السابقة، فإن الأنظمة السابقة لا بد أن تكون لها تشكلات وأسس وأفراد وكوادر ومؤسسات وما أشبه، فإذا فرغ البلد من تلك المؤسسات فلا بد أن تقوم مقامها مؤسسات أخرى تملأ الفراغات التي حدثت بسبب سقوط الأنظمة البائدة، وليس هذا بالأمر السهل.. فعلى القائمين بالحركة أن يمِّهدوا لذلك بأمرين:

الأمر الأول: أن يهتموا بتربية الأفراد كحكومة كاملة.. مجموعة للأمن، ومجموعة للشرطة، ومجموعة للوزارات، ومجموعة للسفارات، ومجموعة لقيادة الجيش، ومجموعة للنجدة، ومجموعة للإعلام، ومجموعة للتخطيط وهكذا.. فيشكلون حكومة تظل متمكنة ـ إذا ذهبت الحكومات السابقة ـ من ملء الفراغ في المراكز والقيادات والجيش والشرطة والأمن والنجدة والإعلام والبنوك وغيرها.

الأمر الثاني: أن يستقطبوا العناصر الحميدة في الحكم السابق والأفراد الذين لم يكونوا أعضاءً في الحركة حتى يشغل الفراغ، ولا يسبّب الفراغ سوء نظر الناس إلى الحكم الجديد فيقولون إن الحكم القديم خير من الحكم الجديد.

وهذا الأمر بكلا بنديه ـ أي تربية الأفراد من ناحية واستقطاب أفراد آخرين ـ يحتاج إلى تخطيط سليم وتفكير شمولي واسع وسعة صدر.. وإلا كان الحكم محفوفاً بخطرين:

الخطر الأول: عدم رضا الناس، حيث يرون أن الحكم لم يتمكن أن يقوم بمصالحهم حتى بمقدار الحكومات السابقة.

الثاني: تقوم الحكومات الاستعمارية الشرقية والغربية بملء الفراغ، فإن الحكم مثله مثل الإناء، فلا يمكن أن تخلو الآنية من هواءٍ أو سائلٍ أو جامدٍ أو ما أشبه، فإذا لم يتمكن الإنسان من ملء الإناء، لا بد وان يملأه الهواء أو غير الهواء كما إذا كان في مصب المياه.

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية هناك تناقض بين المثالية والواقعية، فإذا لم يطبق الحكم هذا الأمر كمنهاج بل طبّقه كأمر اعتباطي سبّب أيضاً الفساد وضجر الناس، إن المثالية يجب أن تكون في التفكير، أما الواقعية فهي في الخارج، فالإنسان يجب أن يكون جامعاً بين المثالية والواقعية يعني أن لا يكون مثالياً فقط، لأن المثالية شيء لا يتوفر بسرعة.

وفي بعض الأحاديث إشارة إلى ذلك، حيث يقول (صلى الله عليه وآله): (المؤمن أعز من الكبريت الأحمر)(1)، الكبريت الأحمر كناية عن المادة الكيمياوية التي يحول بها النحاس إلى الذهب كما هو عند الكيميائيين القدماء، فالمثالية لا تنزل دائماً إلى ميدان العمل، فإذا كان الإنسان مثالياً ولم يتمكّن من تطبيق مثاليته في ميدان العمل كان معناه الفشل، وينقلب الأمر بذلك أسوأ مما كان سابقاً.

ولذا نرى أن الرسول (صلى الله عليه وآله) استفاد في حكومته المباركة من علي (عليه السلام)، من حمزة، من أسامة، من زيد، من أبي ذر، من سلمان، من مقداد، من عمار ومن غيرهم ممن ربّاهم نفس الرسول (صلى الله عليه وآله)، والى جنب ذلك استفاد من أمثال أبي سفيان وغيره، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) رأى الأمر دائراً بين أن يبقى الظرف فارغاً فيستغله الفرس والروم والأعداء، أو أن يملأ الفراغ موقتاً حتى يفرج الله، وحتى يتكون الأفراد المثاليون الذين يملؤون الفراغات، فرأى أن اللازم تقديم الأهم وترك المهم.

وفي المثل المشهور عند الحكماء: (الوجود الناقص خير من العدم التام) بل الوجود الناقص خير، والعدم التام شر كما هو معروف ـ فإن العدم شر - .

وكذلك نرى الرسول (صلى الله عليه وآله) يستفيد من زيد بن حارثة ومن جعفر بن أبي طالب والى جانبهما يستفيد من عمرو بن العاص ومن معاوية.

وهكذا نرى أن علياً (عليه السلام) استفاد في حكومته وفي منهجه من قسم من المثاليين مثل الحسن والحسين صلوات الله عليهما ومن مالك الأشتر وأمثاله كما استفاد في ذلك الوقت من أناس كان لا بد له أن يملأ الفراغ بهم أمثال الأشعث في قيادة الجيش، وأبي موسى في الإمارة، وشريح في القضاء ومن أشبه.. كل ذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله والإمام (عليه السلام) رأيا الأمر دائراً بين المثالية التي تسقط قبل توفّر الكوادر حتى تملأ كل الفراغات، والجمع بين المثالية والواقعية حسب قانون الأهم والمهم حتى يقيّض الله أناساً مثاليين يملؤون كل الفراغات، فاللازم الجمع بين المثالية والواقعية، والجمع بين الكوادر التي ربيت على أيديهم وبين الأشخاص الذين استقطبوهم من الخارج أفضل من العدم.. فإذا لم تجعل الدولة منهاجها الجمع بين المثالية والواقعية يبقى الفراغ الذي يستغله أعداء الإسلام لضرب الإسلام ودولته.

الحكم النموذجي

يجب على الحاكمين، أن يتحلّوا بأكبر قدر من المثالية، فإن المثالية ـ وبطبيعة الحال المثالية الممكنة التي لا تضر بالواقعية وإنما هي مزيج من الواقعية والمثالية، كما ألمعنا إلى ذلك سابقاً ـ توجب اطمئنان الناس بالحكم والتفافهم حوله، إضافة إلى أن غير المسلمين يلتفون أيضاً حول الحكم الإسلامي وهذا ربح لا للمسلمين فحسب، بل لغير المسلمين أيضاً، فإن الإنسان مفطور على اقتناء الشيء الحسن من فاكهة أو طعام أو شراب أو لباس أو دار أو مركب أو حكم.

فإذا رأى الناس نوعية الحكم الإسلامي وامتيازاته، وأنه مبعث الراحة والطمأنينة والرفاه والتقدم، فلا بد أن يلتفوا حوله ويدخلوا في دين الله أفواجاً، وحتى إذا لم يدخلوا في الإسلام حكموا قوانينه في بلادهم، وهذا ما يحدثنا به التاريخ، حيث إن الغرب والشرق حين رأوا بريق الإسلام وجماله وحسنه وعدالته أخذوا أشياء كثيرة منه، كالنظافة، والنظام، والجمال، والعلم، والثقافة، والتربية، والصناعة، مما كان المسلمون الأولون يتّصفون بها.

فمن الضروري، على القائمين بالحركة أن يخططوا ليكون منهج الحكم منهجاً مثالياً، والمنهج المثالي يتحقق بأمور:

الأول: تقشف الحكام، يعني أن يكون الحكام زاهدين في الدنيا غير راغبين في بهارجها، وأن يقتنعوا من الدنيا بالقدر الضروري، لأن الحاكم إذا كان بسيطاً ولم يكن باذخاً ولا مترفاً ولا راغباً في الدنيا اطمئنَّ الناس إلى حكمه. لا أن الحاكم فحسب يفعل ذلك بل وكذلك الطبقة العليا من المسؤولين. أما القصور والرياش والأثاث، وما إلى ذلك مما هو شأن الحكام الدنيويين المعرضين عن الله سبحانه وتعالى فإنها تزهِّد الناس عن الالتفاف حول مثل هذا الحكم.

الثاني: بالنسبة إلى مثالية الحكم، بأن يكون الحكم في قضائه لا عادلاً فحسب، بل وإنما محسناً أيضاً، فلا إعدامات في الإسلام، ولا مصادرات ولا سجون ولا تعذيب وإنما كل ذلك بقدر الضرورة كأكل الميتة وشرب الخمر ـ بالشكل المفصل في الفقه الإسلامي ـ فإذا رأى الناس أن الإسلام رحيم وأنه لا يعدم، ولا يصادر، ولا يعذب، ولا يسجن، ولا ينفي، لا بد وأن يلتفوا حوله، ولذا نرى أن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) وعلياً (عليه السلام) انتهجا هذا المنهج مع أنه كان لهما أن يأخذا بالشدة والعنف ولكنهما رجَّحا جانب اللين وجانب العفو والصفح حتى بالنسبة إلى المجرمين في قصص معروفة.

الثالث: يجب أن يكون الحكم مثالياً من جهة إعطاء الحريات العامة لمختلف الأحزاب الإسلامية والتقدم بالمسلمين، وعدم تدخل الحكومة في شؤون الناس.. في تجارتهم، في زراعتهم، في صناعتهم، في سفرهم، في إقامتهم، في إبداء رأيهم، في اجتماعاتهم، في تأليفهم وكتاباتهم، في تدريسهم ونحو ذلك، فإذا كان الحكم هكذا مثالياً لا بد أن يلفت أنظار العالم إلى ما فيه من المزايا كما اٌلفتت أنظار العالم شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله) وشخصية علي (عليه السلام) مع كثرة المعارضين والمناوئين.

وهذا هو التاريخ يحدثنا: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بحفظ أسرى بدر، فحفظوا إلى الصباح فقال (صلى الله عليه وآله) لجماعة من الصحابة: إني ما نمت البارحة قالوا: ولماذا يا رسول الله؟ قال: لأن أحد الأسرى كان مشدوداً بحبل وكان يئن فاذهبوا وفكّوا حبل ذلك الأسير.

وكذلك نرى أن الرسول كان مثالياً في الزهد، فلم يكن يرغب في الدنيا. وفي حديث أنه ذات مرة غسل ثوبه وبقي بلا ثوب، أو أعطى ثوبه لفقير وبقي بلا ثوب لأنه لم يكن يملك ثوباً ثانياً فلفَّ على جسمه المبارك حصيراً، حتى ورد في بعض التفاسير أن المراد من قوله تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)(2) إنه ليس المطلوب منك أن تشدد على نفسك بمثل هذا التشديد حتى لا يكون لك ثوبان، فإذا أعطيت ثوبك فقيراً أو غسلته تبقى بلا ثوب، فتلف الحصير على جسمك، وكان هذا إلفاتاً من الله سبحانه وتعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) بأنه يرضى عنه بأقل من هذه المثالية التي كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يتوخاها.

وكذلك نشاهد أن علياً (عليه السلام) يوصي بالخوارج ـ الذين حاربوه بالسيف واللسان ـ خيراً، وقد قال كما في نهج البلاغة: (لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه)(3) يعني أنه يوصي بالذين جرّدوا السيف في وجهه وحاربوه وقتلوا جماعة من رجاله ونالوا من سمعته وعاثوا في بلاده الفساد.

كما أننا نرى أن المتآمرين لاغتياله (عليه السلام) كانوا خمسة ولكنه (عليه السلام) عفا عن أربعة منهم، مع أن أحدهم جرّ السيف وأراد أن يضرب رأس الإمام لكن السيف تعلق بسقف المسجد ولم يصل إلى رأس الإمام (عليه السلام) .

أما بالنسبة إلى الذي قتله هو ابن ملجم فكان الإمام (عليه السلام) يوصي به خيراً وكلما شرب شيئاً من اللبن قال الإمام (عليه السلام) لأولاده: اذهبوا ببقية هذا اللبن إلى أسيركم.

ولهذه المثالية نرى العالم التف حول الرسول والإمام عليهم السلام هذا الالتفاف الغريب في زمانهما، والى اليوم يذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) على لسان ألف مليون مسلم كل يوم صباحاً وظهراً ومساءاً وكذلك الإمام أيضاً عند نصف المسلمين في آذان الصباح والظهيرة والمغرب.. ومن أين ذلك؟ إنه من تلك المثالية التي توخوها في أيام حياتهم.

إن المثالية تجذب القلوب في حياة الإنسان وبعد حياته فإذا كان الحكم الإسلامي ذو الألف مليون مسلم بهذه المثالية ـ من زهد القائمين وعدالتهم وعفوهم وإعطائهم الحريات لكل الناس في كل الشؤون حسب ما منحها الله سبحانه وتعالى ـ كان لا بد وأن يتوجه العالم كله إليه ويتخذ منه نموذجاً للاقتداء وبذلك ستكون الأمة الإسلامية مرة أخرى خير أمة أخرجت للناس وأعظم قوة على وجه الأرض.

حرية العلم والحكم والمال

من الضروري أن يوفر النظام الإسلامي للجماهير العلم والمال والحكم على حد سواء.. أي أن يكون الحكم الإسلامي بحيث يوفّر الأجواء الصالحة لأن يتمكن كل إنسان من التعلم بقدر ما يشاء، ومن أن يصل إلى الحكم كسائر من يصلون إلى الحكم، وأن يتمكن من الاستفادة من المال حسب طاقاته، فتكون هذه الأمور الثلاثة: الحكم، العلم، المال مَثَلُها مَثَلُ الماء والهواء والنور، فكما يتمكن كل إنسان من الاستفادة من الماء كذلك يجب أن يوفّر الحكم الجو الذي يتمكن كل إنسان فيه من أن يصل إلى ما يريد من العلم (الابتدائية، الثانوية، الجامعة، ما بعد الجامعة، الدروس الإسلامية الحرة، الاجتهاد وما فوق الاجتهاد للتضلّع كثيراً بالفقه، أو في التفسير أو في غيرها) .

وكذلك يجب أن يوفّر الحكم الإسلامي لكل واحد القدرة للوصول إلى المال حسب الموازين الشرعية، والعقلية، لا أن يتمكن إنسان، ولا يتمكن إنسان آخر من ذلك مع أن الكفاءة متساوية في كليهما، وذلك إنما يمكن في جو تكون فيه الحريات الكثيرة لجميع الناس وتكون فيه الدوائر قليلة إلى أبعد حد، لأن الدوائر كما نعلم تكبت حركة الإنسان وحريته، كما يجب أن تكون القوانين بالقدر المضطر إليه، فانه كلما كثر القانون حدَّ من نشاط الإنسان وتقدمه.. فاللازم أن تكون القوانين والدوائر بالقدر الضروري لحفظ العدالة والنظام والتقدم، وفي الدفاع إذا هاجم الأعداء الخارجيون أو الأعداء الداخليون.

وعلى أي حال، فإذا قَلَّت الدوائر إلى الحد الضروري، وقَلَّت القوانين إلى الحد الضروري، توفرت الحريات للناس، وإذا توفرت الحريات للناس تمكن كل إنسان من الصعود في قوسه ـ حسب كفاءته ـ سواء في العلم، أو في المال، أو في الحكم.

أما إذا لم يكن الأمر كذلك، لم تتقدم كل الكفاءات، مثلاً: لنأخذ العلم.. ولنفرض أمريكا التي تدَّعي الحرية نقول: هل يتمكن هناك كل إنسان من أن يصل إلى الجامعة وإلى ما فوق الجامعة؟ كلا، لأن الجامعة لها شروط ومن شروطها المال، والمال لا يتوفر لكثير من الناس.

وقد جاء في كتاب أصدره الرئيس الذي يترأس مجلس الأمن القومي الأمريكي: أن خمسة وعشرين مليون فقير في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يتمكنون من الوصول إلى الجامعة، وكثيراً ما لا يتمكنون من الوصول حتى إلى الثانوية، حيث تحتاج الثانوية أيضاً إلى المال، إلى الكتاب، إلى القلم، إلى الدفتر، إلى المختبرات، والى غير ذلك، فهؤلاء لا يتمكنون من الوصول إلى العلم الذي يبتغونه.

ولنأتِ إلى المال.. فهنالك الأجواء المالية اللاعبة بالمقدرات، والتي توجب جواً إكراهياً، وإن لم يكن إكراهاً شخصياً في الموضوع، وبذلك لا يتمكن الإنسان من التقدم المالي حسب قدرته..

مثلاً: لنفرض أن في البلد شركة احتكارية استولت على ألف دكان بقالة، وهناك ألف بقال آخر يعيشون عن طريق دكاكين يملكونها، فهذه الشركة تتمكن من أن تتلاعب بالأسواق صعوداً ونزولاً، فإذا كان سعر البضاعة مثلاً ديناراً، فهذه الدكاكين الحرة تتمكن من بيعها بهذه القيمة وتستربح شيئاً لتتقوّت به، أما هذه الشركة الاحتكارية فإنها تنزل الأسعار من دينار إلى ثلاثة أرباع الدينار، وذلك يوجب خسارة هؤلاء البقالين وسلبهم لقمة العيش.. فهذه أجواء إكراهية لا موازين لها، وإنما القانون الرأسمالي هو الذي سبّب هذا الأمر.

ونأتي إلى الحكم، فهناك لا يتمكن كل أحد من الوصول إليه حتى إذا كان المتنافسون متساوين لأن الجماعات الضاغطة والرشوات والأجواء المصطنعة والدعايات المضللة تحول دون وصول الكفاءات إلى الحكم، وحتى إذا كان في البلد انتخابات حرة حسب الظاهر، ولكن الانتخابات ليست بِحَرّة في الواقع، وإنما هي في الأجواء المسمومة.

أما الإسلام، فإنه يمنع كل ذلك، ويوفّر الأجواء الصالحة للنمو الممكن في كل أفراد المجتمع علماً ومالاً وحكماً، كما ذكرناه في بعض مباحثنا الفقهية، وبصورة خاصة في كتب: (الحكم في الإسلام) (السياسة) (الاقتصاد) وما أشبه.

فمن الضروري، أن يكون منهج الحكم منهجاً إسلامياً مطابقاً للزمن، لأن النصوص الإسلامية تنطبق في كل زمان على ذلك المصداق المتوفر هناك، مثلاً يقول الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)(4) الاستطاعة كانت سابقاً بالقدرة على السفر على أظهر الدواب، واليوم توجد الطائرة، والسيارة، والباخرة، فالاستطاعة في ذلك اليوم كانت بذلك الشكل وفي هذا اليوم بهذا الشكل. أو مثلاً قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(5)، القوة كانت سابقاً عبارة عن السيف، ثم أصبحت البندقية، ثم الصاروخ، ثم الطائرات القاذفة للقنابل.. وهكذا في سائر المصاديق التي تتغير بتغير الزمن، وإن كان الكلي كما ذكره الإسلام لا يتغير فـ(حلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(6).

ولذا نجد الإسلام يرفع حكم الإكراه حتى إذا كان الإكراه عاماً لا إكراهاً فردياً، ففي الإكراه الفردي يرفع الإسلام الحكم، وفي الإكراه العام يرفع الإسلام الحكم أيضاً.

مثلا: جيء إلى علي (عليه السلام) بامرأة زنت، فاستفسر الإمام عن سبب زناها؟ فقالت: إنها كانت في الصحراء، وأشرفت على الهلاك من العطش، فوجدت إنساناً معه الماء فلم يستعد أن يعطيها الماء إلا في مقابل أن ينال من شرفها، قالت: فهربت منه ثم التجأت مرة ثانية، حيث بلغ بي العطش مبلغاً كبيراً فاشترط الرجل عليَّ نفس الشرط، فهربت منه، ثم لما كدت أن أموت تقدمت إليه فنال مني، وأخذت منه الماء، فقال علي (عليه السلام): الحد مرفوع عنك، ورفع عنها الحد، لأنها كانت مضطرة.

وفي الحديث: (ما من شيء حرّمه الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه) ومن أمثلة الجو الإكراهي إنه إذا كان القحط منتشراً، ولم يوجد الرزق، فإذا سرق إنسان الطعام لا تقطع يده، ولا يجري عليه الحد. لأن الحد إنما يجري إذا لم يكن الجو إكراهياً، ولم يكن الإنسان المرتكب للجرم مكرهاً، وإلا فإذا كان الجو إكراهياً، أو كان الإنسان مكرهاً، كرهاً شخصياً، أي أكرهه الإنسان على عمل سيئ، فإن الإسلام يرفع عنه الحد والعقاب.

وهكذا الإسلام توفر مناهجه وقوانينه الأجواء الحرة، لكي ينال كل إنسان القدر الممكن من العلم، ومن الحكم، ومن المال، وهذا من منهاج الحكم الإسلامي المرتقب.

 

1 ـ البحار: ج21 ص140 ح3.

2 ـ سورة طه: الآية 1.

3 ـ جواهر الكلام: ج21، ص333، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

4 ـ سورة آل عمران: الآية 97.

5 ـ سورة الأنفال: الآية 60.

6 ـ الحدائق الناضرة: ج9، ص424، جامعة المدرسين ـ قم.