الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الاستيعاب الشمولي

كان الكلام في كيفية إقامة حكومة ألف مليون مسلم بإذن الله .. وقلنا: إن ذلك يتوقف على وجود حركة عامة مبنية على أسس، هي:

الأساس الأول: التوعية.

والأساس الثاني: التنظيم.

والأساس الثالث: مراعاة أصول الحركة العامة.

والأساس الرابع: السلام.

والأساس الخامس: الاكتفاء الذاتي.

والكلام الآن في الأساس السادس: وهو منهج الحكم في أبعاده المختلفة. وهذا المنهج يجب أن يراعى أيضاً في الحركة التي هي مقدمة الحكم بإذن الله تعالى، وحديث هذه الحلقة يدور حول أن الحكم يجب أن يكون قادراً على استيعاب الناس السريع منهم والبطيء والمتوسط، البعيد والقريب، باتجاهاتهم المختلفة ومشاربهم المتنوعة، من في البلاد جميعاً من المسلم الكافر والكتابي.

يجب أن يجعل المنهج للحكم منهجاً استيعابياً، وأن يكون جذاباً إلى أبعد حد، حتى يفكر كل فرد في أنه يستطيع أن يعيش في ظل هذا الحكم في رفاه وسعة وحرية وكرامة واطمئنان، فإذا كان الحكم هكذا ـ وطبقت الحركة التي هي مقدمة للحكم هذا المنهج على نفسها ـ لا بد وأن يلتف الناس حول الحكم التفافاً يمكن بواسطته إنقاذهم من براثن الجهل والاستغلال والاستبدادية والدكتاتورية والاستعمار وما أشبه.

أما إذا كان الحكم بخلاف ذلك، والحركة على غير هذا المنهج، فمثل هذه الحركة لا تنجح ولا تصل إلى الحكم، ولو فرض أنها وصلت إلى الحكم في بقعة صغيرة من الأرض، فلا يمر زمان على هذا الحكم إلا وينهدم، فإن أي حكم لا تحمله القلوب لا بد وأن يتهاوى بسرعة.

والمنهج الذي نريد بإذن الله تعالى إقامته هوة منهج يتمكن أن يستوعب كل المسلمين في كل بلادهم، ثم يستهوي غير المسلمين حتى يدخلوا تحت ظل هذا الحكم وهذا النظام.

وقد ذكرنا سابقاً أن أحد الكتاب، ذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما تمكن من جمع أولئك المتنافرين المتخالفين، والمتحاربين، الذين سادت فيهم الأنانيات والقوميات والتفرقات والعصبيات.. وبذلك الوقت القصير جداً، لأنهم عرفوا أن حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حكم استشاري، عطوف، ورؤوف، رحيم، يتمكن أن يعيش حتى أعدى أعدائه تحت لوائه ـ إذا ألقى السلاح ـ بكل خير وسلام، بل ويعيشون في سيادة ورئاسة، لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) قال لهم ما مضمونه: اشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله تكونوا ملوكاً.

وهكذا تمكن الرسول (صلى الله عليه وآله) من جمع تلك القبائل العربية المتناحرة ومن مختلف الشعوب والأمم المتباعدة. فليست المسألة، مسألة أبيض وأحمر وأصفر وأسود، ولا مسألة عربي وأعجمي، ولا مسألة الحدود الجغرافية المصطنعة والعرقيات والقوميات وما أشبه، وإنما هي مسألة أُخوة إسلامية عامة.. ليس هذا فحسب.. بل الأمر أكثر من ذلك.. فحتى لو لم يكن مسلماً كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يأخذه في كنفه. مثلاً: لما فتح الرسول مكة، لم يسلم أهلها ـ إلا قليل منهم ـ والرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكره حتى واحداً منهم على الإسلام، وإنما عفا عن مسيئهم، بل وجعله يشعر أن الإسلام خير له من الجاهلية.. خير لعرضه، خير لماله، خير لنفسه، خير لسيادته.

وقد ذكر المؤرخون: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما فتح مكة جعل عليها حاكماً شاباً يسمى بـ(عتّاب) وقرر له راتباً متواضعاً ـ في كل يوم أربعة دراهم أي مثقالين من الفضة تقريباً ـ وقال له الرسول (صلى الله عليه وآله): (أحسن إلى محسنهم وتجاوز عن مسيئهم) وكان ذلك من الأركان التي سببت أن تتحول تلك البلاد ـ التي حاربت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشرين سنة وفيها الطغاة والمردة والكفار والقتلة والمجرمون ـ وعلى يد (عتاب) إلى بلاد متواضعة إلى أبعد حد، لأنهم علموا أنهم إذا أساءوا تجاوز عنهم، وإذا أحسنوا أحسن إليهم، وبفضل هذا الدستور لم تقم مكة ضد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبداً، مع العلم أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يجعل فيها جيشاً ولا رجال أمن ولا إرهاباً، وإنما أسر القلوب بعطفه ولطفه ومحبته وإحسانه.

إن الواجب أن نجعل هذا المنهج أمراً عملياً، لا شعاراً فحسب، فإن كثيراً من الجمعيات والحكومات والأحزاب ترفع شعارات لكن وراء تلك الشعارات أشياء أخر، مناقضة لتلك الشعارات... فالواجب أن نجعل منهج الحكم ودستوره: (أحسن إلى محسنهم وتجاوز عن مسيئهم) .

وكذلك الحركة الإسلامية، قبل الوصول إلى الحكم وبعده يجب أن تتخذ هذا الأمر شعاراً ودثاراً أي مخبراً ومظهراً وعملاً وقولاً، حتى يطمئن الناس إلى أنهم إذا فقدوا حكماً وجدوا أفضل منه.

ومما يذكر في التاريخ أن أحد العلماء كان وزيراً لأحد الملوك الكبار، وكان هذا العالم يصرف الأموال في سبيل الأمة الإسلامية التي تعيش في ظل ذلك الملك، فوشى به الوشاة: بأن هذا العالم يصرف الأموال بلا حساب، فأحضر الملك ذلك العالم وقال له: يا فلان ماذا تفعل بالأموال؟ فانتبه الوزير العالم إلى الوشاية وقال: أيها الملك أنت شاب جميل، إذا باعوك في سوق العبيد والنخاسة، تسوى قيمتك ستين درهماً، وأنا شيخ كبير ضعيف إذا باعوني في سوق النخاسة لا تصل قيمتي إلى أكثر من عشرين درهماً.. هذا بالنسبة إلى قيمتك وقيمتي.. وأما جنودك فرمحهم لا يعدو ذراعين، وسهمهم لا يتجاوز أكثر من مئة ذراع، فهل بالإمكان أن نقبض على أطراف هذا الحكم الواسع بقيمتك أو قيمتي أو برماحنا وسهامنا، مع كثرة الأعداء؟.. وإني هيأت لك جيشاً في الليل وآخر في النهار.. جيش الليل يرفعون إلى الله سبحانه وتعالى أيديهم بالدعاء والتوسل، وجيش النهار يدافعون عنك وعن سياستك وحكومتك ويدافعون عن الإسلام والمسلمين، وإني أصرف المال في هذين الجيشين: جيش الليل والنهار، وذلك هو سبب رسوخ الحكم وبقائه في تلك المدة الطويلة.

فاقتنع الملك بكلامه، وقربه أكثر مما كان سابقاً.

نعم، الحكم لا ينضوي تحته الناس بالسيف والسهام والحراب والسجون والمعتقلات والمشانق والسباب والتهم وتبعيد الناس، وإنما يلزم أن تنضوي تحت لواء الحكم: القلوب، فإذا حملت القلوب الحكم بقي راسخاً، دائماً، ثابتاً، مستقراً، مستمراً، ولم يتمكن الأعداء من زحزحته.

إن المسلمين محاطون بأعداء ألداء من صليبيين وصهاينة، وشيوعيين وعملاء لهم في الداخل وفي الخارج، فهل بالإمكان أن يقام الحكم بغير منهج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟

إن من الواجب أن يتخذ الحكم هذا المنهج الذي يجمع القلوب، ويجمع المختلفين، ويخفف من عداوة الأعداء.

مبدأ العفو عما سلف

من الضروري أن يتخذ الحكم سياسة (العفو عما سلف)(1) منهجاً للحكم فيعفو عمن كانوا يوالون الحكومات السابقة إذا أصبحوا حياديين غير مرتبطين بالأعداء.. فإن ذلك مما يسبب التفاف الناس حول الحكم الجديد.. وتأييدهم له.. وهذا الأمر لا يقتصر على ما بعد الحكم فقط.. بل إنه يشمل ما قبل الوصول إليه..

فيجب على الحركة أن تكون رحبة الصدر بالنسبة إلى المناوئين وبالنسبة إلى الحياديين، فإن هذا أولاً أسلوب عقلي، فإن الإنسان لا يصل إلى هدفه إذا فـــكر في منــــاوأة المناوئين، وقد قـــال أمير المؤمنين (عليه السلام): (آلة الرسائة سعة الصدر)(2) فسعة الصدر كناية عن سعة النفس، في العفو، في الإغماض، في البذل، في الكرم، في التحمل، في الحلم، في التحلم، في المكاره والمصائب وغير ذلك.

فإذا عرف الناس أن شعار الحركة هو (عفا الله عما سلف) وإنها لو وصلت إلى الحكم لا تتخذ من أسلوب الانتقام والتشفي منهجاً لها، فإنهم يلتفون حول هذه الحركة من ناحية، ومن ناحية ثانية لا يخاف الذين كانوا في الحكم السابق على أنفسهم حتى يضعوا العصي في عجلة الحركة لكي لا تتقدم، وإنما يفكرون في أن الحركة إذا انتصرت لا تنهب أموالهم ولا تصادر أراضيهم وثرواتهم ولا تزجّهم في السجن والتعذيب، ولا تقابلهم بالإساءة، ولا تعدم من يستحق الإعدام منهم، ولذا فهم يتحولون تدريجياً إلى أنصار للحركة وأنصار للحكم الإسلامي.

هناك كثير من الناس يخافون من حكم الإسلام، لأنهم لا يعرفون من الإسلام إلا العنف والعقوبات الصارمة ويقولون: إذا قامت حركة إسلامية لا بد أن تنتهي إلى حكومة إسلامية، وإذا جاءت الحكومة الإسلامية انتقمت منهم، ونتيجة هذه المعادلة نراهم يميلون إلى جيش الأعداء، لا حباً بالأعداء وإنما خوفاً من الإسلام! أما إذا علموا أن الحركة والحكم يسيران حسب سيرة الأنبياء والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) وإنهم لا ينتقمون منهم، وشعارهم (عفا الله عما سلف) فستكتسب الحركة عدداً كبيراً منهم إلى جانبها.

ثم إننا لنفرض أنه يوجد الآن في بلاد الإسلام ما يقارب عشرين مليون موظف، فهؤلاء إذا لم يخافوا من الحركة ولم يخافوا من الحكم الإسلامي كم سيستفيد منهم الذين يريدون إقامة الحكومة الإسلامية؟ بينما إذا خاف هؤلاء من الحكم الإسلامي يكونون ـ أولاً ـ أعداءاً للحكم الإسلامي، ويقاومون بكل ما أوتوا من قوة وإمكانيات، وبطبيعة وظائفهم الحكومية تكون لهم إمكانيات كثيرة.. وثانياً يرتبطون بأعداء الحركة وأعداء الحكم الإسلامي، ويستجلبون الأعداء ضد الحركة، وأساساً لو لم نفعل ذلك فمعناه أننا خسرنا الهدف لأجل شيء بسيط، ولذا نرى أنبياء الله (صلوات الله عليهم أجمعين) كان برنامجهم الدائم (عفا الله عما سلف) .

وقد جاء في حديث عيسى (عليه السلام) أنه أبى أن يجري الحد على مومسة، فقد كان عيسى (عليه السلام) يلاحظ هذا الشيء ولم يرد تعطيل حكم الله، إنما لاحظ الأهم والمهم.

وكذلك لما وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الحكم قال: (الإسلام يجبُّ ما قبله)(3) يعني: إن فعل قبل ذلك سيئة، من إراقة دم، أو نهب، أو محاربة، أو انضواء تحت لواء المشركين، هؤلاء إذا أسلموا يعفى عنهم..

ولما فتح الرسول (صلى الله عليه وآله) مكة قيل: (يا رسول الله ألا تنزل في بيتك؟) - لأن الرسول كان له بيت في مكة المكرمة - فقال الرسول: (وهل لنا بيت؟) يعني: أن الرسول أعرض حتى عن بيته الذي صادره الكفار قبل وصوله إلى مكة. ماذا لاحظ الرسول؟ إنه لاحظ أن الكافر الذي صادر بيته (صلى الله عليه وآله) لا بد من أنه أسكن أناساً في هذا البيت- إيجاراً أو قرابة أو ما أشبه ـ فإذا استرجع الرسول (صلى الله عليه وآله) هذا البيت فمعناه أنه يخرج هؤلاء الذين سكنوا هذه الدار، فلم يرد الرسول ـ وهو صاحب الحق ـ ذلك حتى لا يقول البعض: إن الرسول لما سيطر على مكة كنا ساكنين في هذا البيت، فأخرجنا من مسكننا ومأوانا.

هكذا كان يفكر (صلى الله عليه وآله) حسب ما يظهر من عمله الشريف. إن هذا من عقل الرسول الكبير المتخذ منهاجه من الله سبحانه وتعالى.

وهكذا فعل علي (عليه السلام) لما بويع بالخلافة فإنه لم يسترجع حتى (فدك) ـ التي كانت ملكاً شخصياً له ولأولاده بالإرث من فاطمة الزهراء (عليها السلام) ـ مع أن فدكاً في ذلك اليوم كانت تحت قدرة الإمام (عليه الصلاة والسلام)، وقيل له في ذلك بأن يسترجع فدك، فأجاب بأنه لا حاجة له في فدك وغيرها، في قصة مذكورة في نهج البلاغة. إنني أرى بأن الامام (عليه السلام) كان ينظر من هذا المنظار النبوي.

ثم إنه (عليه السلام) لم يكن من أهل الدنيا حتى يحتاج إلى أثاث ثمين ودور وقصور ودواب ومراكب وغير ذلك، أنه كان ينظر بعيداً، ينظر كيف يجمع المسلمين تحت لواء الإسلام، وكيف يأخذ بقلوب المسلمين وأنه لو استرجع فدكاً فلا بد وأن الذين كانوا ينتفعون بها ـ في زمان عثمان ـ هؤلاء سيحرمون من الانتفاع بها فيقولون: لو لم يكن علياً لكان أحسن لنا.

الحركة الإسلامية قبل الوصول إلى الحكم يجب أن تجعل منهجها (عفا الله عما سلف) والإبقاء على ما سبق وتسعى لتغيير المستقبل.

وسنذكر في كلام قادم بعض الأحاديث الواردة في هذا الشأن، إن شاء الله تعالى.

وهنا يتبادر سؤال هل الذين قتلوا والذين نهبوا والذين أفسدوا في الأرض هؤلاء لا يأخذهم العقاب؟

الجواب: نعم، لأن فعل الرسول (صلى الله عليه وآله) حجة، وفعل علي (عليه السلام) حجة، وفعل عيسى المسيح (عليه السلام) حجة ـ لأن فعل الأنبياء حجة حتى بالنسبة إلى ما بعد مجيء الإسلام كما ثبت في مسألة أصولية حول استصحاب الشرائع، وقد ذكرها الشيخ مرتضى الأنصاري (رضوان الله عليه) في الرسائل، وغير الشيخ من سائر العلماء في كتبهم الأصولية أيضاً -.

إن الواجب علينا أن نسلك السبيل الأكثر يسراً لإنقاذ المسلمين من براثن المستعمرين والمستغلين، والسبيل الأسهل والأيسر والأقصر هو لمن جعل منهاج الحكم (العفو عما سلف)، وللفقيه الشرعي ـ إذا كان قد انتخبته أكثرية الأمة، أو شورى الفقهاء الذين قلدتهم وانتخبتهم أكثرية الأمة ـ الحق في العفو عمن شاء، وإن رأى من الصلاح إرضاء أولياء المقتول أو المنهوب ماله أو المشرد أو المهتوك عرضه بإعطائهم شيئاً من بيت المال فهو المفروض.

الأدلة على عفو الإسلام عما سبق

هناك قاعدتان:

القاعدة الأولى: (إن الإسلام يجبّ ما قبله)(4) فلو أن كافراً لم يقم الصلاة ولم يعط الزكاة، واقترف الزنا، وشرب الخمر، وقتل النفس المحترمة وما أشبه، ثم أسلم وتاب إلى الله سبحانه وتعالى، فإن الإسلام يجبّ عما قبله، وهذا حديث وارد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) متواتر في كتب الفريقين ـ السنة والشيعة ـ ولهذا لم يأخذ الرسول (صلى الله عليه وآله) الكافر الذي أسلم بما اقترفه سابقاً، ولم يقل: له إقض الصلاة التي تركتها، أو إقض الصيام الذي تركته، أو أنك كنت قد زنيت وارتكبت الفاحشة فيجب أن تحد، أو أنك قتلت فيجب أن تقتل، أو أن تعطي الدية. ولهذا لما أسلم كفار مكة وكفار الطائف وغيرهم تركهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشأنهم، وهناك خلاف بين الفقهاء في أنه هل يجب على الكافر الذي يسلم أن يغتسل، وأن يطهر ثيابه التي كانت نجسة قبل الإسلام أم لا؟ فالبعض يقول: لا، لا غسل عليه ولا جنابة ولا نجاسة، إلا إذا كانت عين النجاسة موجودة، مثل عين الدم، أو عين الغائط، أو عين البول.

هذه قاعدة ويتمسك بها الفقهاء من أول الفقه إلى آخره.

أما القاعدة الثانية: فهي أن الدولة الإسلامية إذا قامت فرئيسها يتجاوز عما سلف ـ وإن صدرت الجريمة من مسلم ـ وفي حديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) يذكره الشيخ، ذكر (عليه السلام) أنه لو أفضى إليه الحكم لأقر الناس على ما في أيديهم إلا بما حدث في سلطانه، وذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم ينظر في حدث أحدثوه وهم مشركون، وإن من أسلم أقره على ما في يده.

فهذه القاعدة يستدل بها على أنه لو قامت الدولة الإسلامية، يقول الرئيس الأعلى: (عفا الله عما سلف) ولننظر للمستقبل.

والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) طبق القاعدة الثانية عندما وصل إلى الحكم، فالكل يعلم أن المظالم قد كثرت ـ في الزمان السابق على حكومة الإمام (عليه السلام) ـ وفشا القتل والسرقة، والنهب، ومصادرة الأموال، ومع ذلك لم يغير الامام (عليه السلام) شيئاً كما هو معروف. وإنما ذكر كلمة بالنسبة إلى قطائع الخليفة السابق كما في نهج البلاغة وكان هذا الكلام للإعلام فقط، لا للتطبيق، بدليل أن الإمام (عليه السلام) لم يطبق كما يحدثنا التاريخ، وفرق بين بيان الحكم والعمل الخارجي، ولذا نجد في القرآن الحكيم العديد من هذا القبيل من الأحكام مما هو لبيان الحكم لا لبيان التطبيق، وفائدة بيان الحكم هو أن يرهب الذين سرقوا أو أساءوا حتى لا يسرفوا ولا يسيئوا في المستقبل.

يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)(5). والتاريخ لم يذكر حتى مرة واحدة جاهد فيها الرسول ضد المنافقين، فجهاده (صلى الله عليه وآله) مع الكفار واضح، أما هل جاهد الرسول المنافقين؟ كلا بالعكس: الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يداري المنافقين مداراة كبيرة، حتى أن (عبد الله بن أبي) - الذي كان من رؤساء المنافقين في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونزلت في شأنه سورة المنافقين ـ لم يتعرض له الرسول (صلى الله عليه وآله) .

وحينما جاء ابنه إلى الرسول قال: يا رسول الله إذا أردت أن تقتله فأمرني أن أقتله، منعه الرسول (صلى الله عليه وآله) من ذلك، ولما مات (عبد الله) جاء الرسول وصلى عليه ظاهراً، وأعطى ثوبه ليكون كفناً للرجل، وقام على قبره، مع العلم أن الله سبحانه وتعالى قال عن المنافقين: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره)(6) حتى أن بعض الرجال الذين كانوا مع رسول الله اعترضوا عليه وقالوا: إن الله نهاك عن ذلك، لكن الرسول كان أعلم بالحكم وأعلم بقانون الأهم والمهم ـ وهناك تفصيل ليس هذا محله - .

وعلى كل حال، ليس كلامنا هنا في المنافقين، وإنما أردنا أن نبين كلمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة حول قطائع من كان قبله، فإن ذلك كان أشبه بالتهديد لا بالتطبيق. كيف؟ لأن الإمام كما مرّ لم يسترجع فدكاً وهي ملك فاطمة (عليها السلام) ومن بعد فاطمة لعلي وبني فاطمة: الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم (عليهم السلام) .

إننا نرى ـ مستندين إلى الكتاب والسنة والعقل ـ إن منهج الحكم الإسلامي هو العفو عما سلف.. والحكم الإسلامي إنما ينظر في القضايا الحالية والمستقبلية لا في القضايا السابقة، إلا إذا استمرت القضية السابقة إلى الحال، كما مثلناه في الكفار إذا أسلموا، وكان على بدنهم نجاسة، أو في دارهم خمر، أو لحم خنزير، فهذا يؤخذ لأنه حكم المستقبل، أما حكم الماضي فعفا الله عما سلف.

والحقيقة أنه لو علم المسلمون المنحرفون أن منهاج الحكم في الإسلام هكذا، فلا بد وأن يأمنوا من عقاب الإسلام وينضووا تحت لوائه، وبذلك تتقدم الحركة الإسلامية وتتمكن من تجميع الناس حول نفسها حتى تصل إلى الحكم بإذن الله سبحانه وتعالى، وهذا ما يصطلح عليه في فقه الإسلام بقانون (الأهم والمهم)، والفقهاء يمثلون لذلك في كتاب الجهاد، بما إذا تترس الكفار بالمسلمين، فكان الأمر دائراً بين أن نقتل المسلمين الذين تترس بهم الكفار حتى نستطيع ضرب الكفار المعتدين، أو أن نترك الكفار حذراً من قتل المسلمين فيعيث أولئك الكفار في الأرض فساداً، ففي هذه الحالة يقول الفقهاء: إن المسلمين المتترس بهم يقتلون لغرض الوصول إلى الكفار المحتمين خلفهم، وهنا يكون القاتل والمقتول كلاهما في الجنة، يعني المسلم القاتل والمسلم المقتول المتترس به كلاهما في الجنة، لأن هذا قُتل في سبيل الله، وذلك قُتل أيضاً في سبيل الله.

ويمثل الفقهاء لهذه القاعدة أيضاً بأن الظالم إذا خير الإنسان بأن يقطع يده، أو أن يقطع رأسه، فعليه عقلاً وشرعاً أن يقدم يده، لأنه ليس في قطع اليد ذهاب النفس، أما تقديم الرقبة ففيها ذهاب النفس، فيقدم الأهم على المهم.. وهناك أمثلة أخرى كثيرة لذلك.

فاللازم أن نجعل منهج الحكم الإسلامي هو العفو عما سلف، كما قال الإمام الرضا (عليه السلام) وكما فعل الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وكما يقتضيه قانون الأهم والمهم ـ الثابت عقلاً وشرعاً ـ فإذا فعلنا ذلك اطمأن الذين يعيشون في البلاد الإسلامية ـ من الذين انزلقوا في انحرافات خلال العهود البائدة ـ ولم يعيقوا طريق الحركة.. بل ربما ساعدوها للوصول إلى الهدف..

الكفاءات والنهي عن سياسة التطهير

لا تطهير في الحكومة الإسلامية بالمعنى المتعارف في الحكومات الشيوعية والحكومات الانقلابية، على الأغلب، حيث إنهم إذا أتوا إلى الحكم يخرجون جماعة من الموظفين تحت شعار التطهير، وأحيانا يكررون هذا العمل في كل عامين مرة، كما صنعته روسيا الشيوعية والصين الشيوعية أيضاً، التطهير بهذا المعنى ليس موجوداً في الحكومة الإسلامية المرتقبة لألف مليون مسلم.

فعلى القائمين بالحركة والحكومة أن يجعلوا من منهج الحكومة ومنهجهم عدم تطبيق هذا القسم من التطهير إطلاقاً، وأن يتحالفوا على ذلك قبل الوصول إلى الحكم، وأن يطبقوه عملياً أي أن لا يطهروا ـ بهذا المعنى ـ أحداً بعد الوصول إلى الحكم، وذلك لأن حكومة الإسلام ليس حكومة حقد وديكتاتورية وضغينة، والتطهير إنما هو من الحكومات الحاقدة أي الحكومات الديكتاتورية التي لا تتوفر فيها الأحزاب والحريات. أو الحكومات التي تريد بالتطهير أن تدخل أصدقاءها في الوظائف، وبذلك تخرج السابقين من الوظائف.

والإسلام ليس كذلك.. إنه دين عفو ورحمة وصفح واستقطاب وكفاءة ـ بالمعنى الإسلامي للكفاءة لا بالمعنى الذي اتبعته الحكومات-.. والإسلام يلاحظ الكفاءة أينما وجدت سواء في الموظف الذي كان في الحكم سابقاً، أو في الإنسان الذي يريد الحكم الجديد إدخاله في الوظيفة، هذه هي الملاحظة التي يلاحظها الإســلام، فإنه دين الكفاءات ولا فرق بين السابق واللاحق، ولذا نرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخل في حكمه جماعة من المشركين السابقين الذين أسلموا، وجعلهم أمراء في قبائلهم، ونرى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أبقى أيضاً جماعة من الحكام السابقين والأمراء والقضاة في مراكزهم، وإنما أخرج جماعة معدودة كان الشعب ضدهم، أولئك كانوا قد أثبتوا عدم كفاءتهم فالإسلام يلاحظ الكفاءات.

وقد ورد في حديث: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جيء إليه بكافر يستحق القتل فنزل جبرائيل وقال: يا رسول الله إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: اعف عن هذا، لأنه كريم. فقال النبي للرجل: يا هذا أنت معفو عنك. فاذهب حيث شئت، قال الرجل: ولماذا يا محمد؟ قال الرسول (صلى الله عليه وآله): لأن جبرائيل أخبرني أنك كريم والله يحب الكريم!.. وقد صار هذا الأمر سبب إسلام الرجل. فالرسول لاحظ في هذا الرجل الكرم ولهذا عفا عنه، وإن كان مشركاً، وكان قد اقترف ذنباً يستحق به القتل في الشريعة الإسلامية.

وعلى هذا.. فإذا كانت هنالك في الموظفين السابقين كفاءات إيمانية تلتزم بالدين في المستقبل ـ لأنه يعفو عما سلف ـ وتستطيع القيام بالمهمة الموكلة إليها، فهؤلاء يقرون في مراكزهم.

أما إذا كان بعض الأفراد النادرين معدومي الكفاءة فهم أيضــاً يقبلون، إنهم لا كفاءة لهم، ولا يتوقعون البقاء حتى في الحكومة غير الإسلامية، فكيف بالحكومة الإسلامية الجديدة؟

ثم إن الذي يخرج من الوظيفة يجب أن يشغله الحكم في شغل مناسب له، وإذا لم يتمكن من العمل فالدولة تساعده، ونشاهد هذا في عمل علي (عليه السلام)، فإنه لما جيء إلى المدينة بأسارى فارس، أراد الخليفة استعبادهم، لكن الإمام عليه السلام فوّت عليه ذلك ووهبهم حصته، فصاروا أحراراً بقدر حصة الإمام (عليه السلام)، ولما رأى بنو هاشم ذلك من الإمام (عليه السلام) وهبوا أيضاً حصصهم إلى أولئك الأسارى الفرس - .

ومن المعروف في الفقه الإسلامي أن الحرية إذا تشبثت بمكان تسري حيث لا يمكن أن يبقى نصف إنسان حراً ونصفه الآخر عبداً، ولذا تحرر هؤلاء الأسارى، ولما قال الخليفة للإمام (عليه السلام) أفسدت علي رأيي في هؤلاء! قال له الإمام: نعم، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (أرحموا عزيز قوم ذل)(7) وهؤلاء كانوا أعزاء في قومهم، فعملت فيهم بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

فهؤلاء الذين كانوا محاربين وكانوا كفاراً أطلق الإمام (عليه السلام) سراحهم، لأنهم أصحاب كفاءات وأعزة قوم.. وقد أثبت التاريخ في ما بعد أن كفاءات جماعة منهم بلغت شأناً كبيراً في قصص معروفة.

الإسلام يدور حول الكفاءات لا حول الديكتاتوريات والانتقامات والسوابق وإنما قاعدته (عفا الله عما سلف)، فمن له الكفاءة الإسلامية يبقى في الحكم، ومن ليست له الكفاءة فهو مقتنع بأنه لا ينبغي له أن يبقى في الحكم، كما يحال إلى التقاعد في الحكومات الحاضرة بعد عدم تمكنه من العمل في منصبه.

إن الإسلام جاء ليخرج عباد الله من عبادة الناس إلى عبادة الله، كما قال ذلك الرجل المسلم لذلك الأمير الفارسي في حرب اشتعلت بين المسلمين وبين فارس، حيث قال الأمير الفارسي للمسلم بعد قصة طويلة وحوار عريض: إذا آمنا نحن والتزمنا بأحكام الإسلام فهل ترجعون أنتم إلى بلادكم أيها المسلمون؟ قال الرجل المسلم: اي والله فنحن لم نأت إلى هذه البلاد لمال وجاه أو ما أشبه، وإنما جئنا لنخرج عباد الله من عبادة الناس إلى عبادة الله.. فالإسلام ليس ديناً استعمارياً، وليس دين أحقاد وضغائن ينظر إلى الوراء، إنما ينظر إلى الأمام ويغفر ما سبق ويعفو عما سلف، فلو كانت للإنسان كفاءة يبقى في منصبه.

وقد روي أنه جيء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) بأسارى في إحدى الحروب فتبسم الرسول (صلى الله عليه وآله)، فقال أحد الأسرى ـ متجرئاً -: يا محمد تأسرنا وتبتسم؟! قال له الرسول ما مضمونه: إنما تبسمت لأني أريد أن أجركم إلى السعادة والجنة، وأنتم تريدون الهرب إلى الشقاء والنار.

إن الرسول (صلى الله عليه وآله) يريد سحب الناس إلى خير دنياهم وآخرتهم، ولا يريد الديكتاتورية والاستبداد والمال والجاه، أو أن يعظم شخصه في غير سبيل الإسلام مثلما يفعل الأكاسرة والقياصرة والحكام من أجل الدنيا، فما دام الإسلام دين الكفاءات، فإنه إذا وصل إلى الحكم يجب أن يجعل من منهجه العفو عما سلف، وملاحظة الكفاءات في المستقبل، فليس في الإسلام عمليات تطهير للموظفين حسب الاصطلاح القمعي الحديث، والذي كثيراً ما يكون التطهير فيه سحقاً للكفاءات، وإتياناً بالمرتزقة والعملاء والمصفقين للحاكم الديكتاتور.. وليس هذا من خلق الإسلام.

أبعاد منهج الحكم الإسلامي

منهج الحكم يلزم أن يكون:

أولاً: استشارياً، فليس الحكم في الإسلام ديكتاتورياً واستبدادياً، وإنما يجب أن يستشير المسلمون بعضهم بعضاً ويدلوا بآرائهم حول مختلف شؤون هذا الحكم، وينتخبوا الحاكم الذي اجتمعت فيه الشرائط التي قررها الله تعالى.

ثانياً: أن تكون السلطة العليا في مثل هذا الحكم في يد (الفقهاء العدول) فالفقهاء العدول هم الذين عينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعينهم الأئمة الطاهرون (عليهم السلام) لأجل الحكم.

وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (اللهم ارحم خلفائي قيل يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي)(8)، فإذا كان مثلاً في الباكستان عالم، وفي إيران عالم، وفي العراق عالم، وفي مصر عالم، وهكذا.. فهؤلاء وبعد انتخاب الأمة لهم يشكلون المجلس الأعلى لإدارة البلاد الإسلامية بأكثرية الآراء بينهم.

وليس المقصود بالصلاحية فهم الأحكام الشرعية فقط، فإن الأحكام الشرعية واضحة، وإنما في تطبيق الأحكام الإسلامية على القضايا المستحدثة أيضاً، وتحت قيادة هؤلاء العلماء الاستشاريون تتكون الأحزاب الحرة الإسلامية، يعني هناك أحزاب إسلامية حرة تعمل في الإطار الإسلامي مائة في المائة وإن كانت مختلفة من حيث الاجتهادات في الأمور التطبيقية، مثلاً: يرى هذا الحزب أن الأفضل: الحرب، ويرى هذا الحزب أن الأفضل: السلم، مع جار معتد، أو يرى هذا الحزب أن الأفضل أن نتقدم إلى تقوية الاقتصاد الصناعي، وهكذا الاختلاف في الاجتهادات المؤطرة بالإطار الإسلامي، كالاختلاف بين المراجع الفقهاء في الأحكام الفقهية حسب فهمهم من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهذا يجب أن يكون حسب الموازين التي يعترف بها الإسلام.

وهذه الأحزاب الحرة الإسلامية الموجودة في كل العالم الإسلامي تكون مدرسة للسياسة الإسلامية والرقي الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي.. إذن، فبعد الاستشارة في أصل الحكم وتشكيل المجلس الأعلى للفقهاء الذين هم السلطة العليا يأتي دور الأحزاب الحرة ودور الانتخابات لمجلس الأمة ومجلس الشيوخ ونريد بالشيوخ: الفقهاء الكبار العارفين بالسياسة أو السياسيين الكبار المتدينين، حيث يشكل لهؤلاء مجلس الشيوخ أيضاً ضمن موازين إسلامية. أما مجلس الشيوخ في بريطانيا، أو في أمريكا، مثلاً فليس إلا ألعوبة بيد الدولة.

وعلى أي حال، هذا هو المنهج بالنسبة إلى الحكم الاستشاري ومجلس الفقهاء، والأحزاب الحرة التي لها صحف، ومجلات، وجمعيات، وبرامج إذاعية وتلفزيونية وغير ذلك، وتراقب تلك الأحزاب بعضها بعضاً في سبيل تقوية البلاد الإسلامية وعدم الإجحاف بالناس والحرص على جلب رضاهم واستقطاب الشباب وغير ذلك.. هذا من ناحية.

ومن ناحية ثانية: منهج الحكم الإسلامي المرتقب لألف مليون مسلم قوامه الحرية في العقيدة، وفي إبداء الرأي، وفي العمل، إذ الإسلام ليس ديكتاتورياً وقد قال سبحانه: (لا إكراه في الدين)(9) وقال: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)(10) وكلنا يعلم أن الكفار كانوا يأتون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويناقشونه وهو يجادلهم بالتي هي أحسن، كما قال الله سبحانه: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(11) وكذلك كانوا يناقشون الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ويناقشون الأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام)(12).

فالإسلام فيه حرية العقيدة وحرية إبداء الرأي، وحرية العمل والزراعة، والتجارة، والصناعة، وحيازة المباحات، وحيازة الأرض، والصيد، والسفر، والإقامة، والبناء والعمران، وصنع البساتين والى آخره... فهذه الحريات يجب أن يوفرها الحكم للناس.. نعم يجب مراعاة القوانين الإسلامية في أبواب الحريات مثل قوانين إحياء الموات وغيرها.

إن اللازم أن يكون منهاج الحكم الذي يطبق عند قيام الدولة الإسلامية العالمية بإذن الله تعالى هو إطلاق حريات الناس كافة، حتى أن المشرك لا يجبر على ترك شركه، عباد البقر، عباد الوطن، عباد الصنم، عباد النار، لا يجبرون على ترك عقائدهم بالسيف والسجن، ولم يكن رسول الله يجبر أحداً من هؤلاء ولا علي (عليه السلام)، وقد ذكرنا بعض الحريات في (الفقه ـ كتاب الجهاد) وكذلك ذكرنا بعضها في كتبنا: (الحكم في الإسلام) و(إلى حكم الإسلام) و(هكذا الإسلام) و(نريدها حكومة إسلامية) و(إلى حكومة ألف مليون مسلم) وغير هذه الكتب.

وعدم الحرية إنما هو قانون استثنائي كسائر القوانين الاضطرارية مثل الاضطرار لأكل الميتة وشرب الخمر. فالحرية هي الأصل، وعدم الحرية أمر شاذ واستثنائي، وبطبيعة الحال في ضمن الأطر الإسلامية المعروفة، أي أن الحريات مسؤولة، وليست كالحريات الموجودة في البلاد الغربية والتي يسيطر عليها رأس المال ويفقدها واقعها، ولا مثل الكبت الموجود في البلاد الشيوعية والتي تحكمها ديكتاتورية الحزب الواحد وديكتاتورية الحكم وديكتاتورية طبقة العمال! على ما يقولون.. وهذا هو الشيء الثاني في منهاج الحكم في الإسلام.

الشيء الثالث: عبارة عن أن الحكومة لها وظائف:

الوظيفة الأولى: حفظ العدالة الاجتماعية كي لا يتعدى أحد على أحد.

الوظيفة الثانية: حفظ البلاد من الأعداء.

الوظيفة الثالثة: التقدم بالأمة إلى الأمام في جميع مرافق الحياة من حيث النظام، والنظافة، والعمل والصناعة والزراعة، والثقافة والاقتصاد والنفوس الرفيعة، والفضيلة والتقوى، والإيمان وغير ذلك.

فالحاكم في البلاد الإسلامية ليس ديكتاتوراً كما يقول الإمام أمير المؤمنين ليس سبعاً ضارياً، يعني أنه يصادر أموال الناس وحرياتهم ويكبت أنفسهم، ويحدد سلوكهم، .. ففي المنهاج الإسلامي: أموال الناس، وأعراضهم وأنفسهم، وحرياتهم- حتى الكفار الذين يعيشون في البلاد الإسلامية ـ في أمن وسلام ورفاه ورخاء.

وفي حديث: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسل خالد بن الوليد إلى جماعة من الكفار فأظهروا الإسلام ولكن خالد قتل جماعة منهم، فرفع الرسول يده إلى السماء وقال: اللهم إني أبرء إليك مما صنع خالد، اللهم إني أبرء إليك مما صنع خالد، اللهم إني أبرء إليك مما صنع خالد. ولما جاء خالد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال خالد: يا رسول الله إنهم أظهروا الإسلام كيداً ومكراً وكذباً، فقال له الرسول: (هلا شققت قلوبهم) يعني لماذا لم تشقق قلوبهم حتى تعرف هل الإسلام دخل قلوبهم كيداً وكذباً؟(13).

ثم أعطى الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) كمية من المال وقال له: اذهب إليهم وأعطهم دية قتلاهم، فجاء علي (عليه السلام) وأرضاهم وأعطاهم الدية، حتى أنه أعطاهم دية الحيوانات التي قتلت منهم، وأعطى كمية من المال لخوف النساء، وأعطى كمية من المال لما ضاع منهم حتى عقال البعير(14).

.. هكذا هو قضاء الإسلام وحكمه، لا أنه يقضي بما تشتهي نفس الحاكم من مصادرة وإرهاب وقتل وسفك، وليست الحريات الإسلامية كالحريات الغربية، فإنها محكومة لرؤوس الأموال، وليست كحريات الشرق المكذوبة والتي لا يضطهد فيها أحد أكثر من العامل والفلاح..

حل مشكلات الحكم

كتلة من الأزمات تواجه كل حكومة جديدة ولا شك أنها ستواجه حكومة الإسلام العالمية بعد قيامها.

فما هو الموقف الإسلامي من تلك الأزمات؟؟

الواقع أن الحركة الإسلامية الواعية لا تصل إلى الحكم إلا بعد أن تعرف الداء والدواء لكل مشكلة مستقبلية مُحتملة.. فإن كثيراً من الذين لا يعرفون مشاكل الحُكم سََلَفاً، ولا يعرفون حلولها يسقطون في مطبّات ومعاكسات لا نهاية لها، وأخيراً فكثيراً ما يسقطون أيضاً ويسقط الحكم معهم؛ كما حدّثنا بذلك التاريخ؛ وشاهدنا من قريب أمثلة لذلك.

المشكلة الأولى: المناقضات والتناقضات التي تواجه الحكم من داخل أجهزته التي جمعت فيما بينهم خلافات كبيرة وأحياناً تنتهي هذه الخلافات إلى إسقاط الثورات والتي عاصرنا بعضها.

والمشكلة الثانية: مشكلة القائمين بالحكم مع المؤسسات التي كانت سابقاً في البلاد. كمؤسسة الجيش، الشرطة، الأمن، الوزارات ونحوها، فإن بينها وبين الحكم الجديد تناقضاً طبيعياً.

المشكلة الثالثة: مشكلة الحكم مع الراكدين، والجامدين، الذين لا يوالون ولا يعادون، ولكن جمودهم يخلق مشكلة للحكم، حيث إن الإنسان الواقف والإنسان السائر يقعان في تناقض.

المشكلة الرابعة: مشكلة القائمين بالحكم وأعداء الحكم الداخليين، لأن هناك أعداءاً طبيعيين لكل حكم، وإن لم يمدّهم العدو الخارجي لاختلاف الأفكار ولوجود الحسد والبغضاء وما أشبه، حتى إذا كان الحكم صحيحاً مائة في المائة في الآية الكريمة: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)(15) وهذه مسألة طبيعية لفقدان التقوى، والشاعر يقول مخاطباً الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

إن يحسدوك على علاك فإنما          متسافل الدرجات يحسدُ مَن علا

المشكلة الخامسة: هي مشكلة الحكم مع أعداء الحكم المهاجرين إلى البلاد التي لا يسيطر عليها الحكم.

المشكلة السادسة: مشكلة الحكم مع البلاد المجاورة فإن هذه الدول لا تحتمل أن ترى الحكم المجاور لهم يتقدم إلى الأمام بينما هم متأخرون والناس بطبيعتهم يلتفون حول الحكم الجديد ولو بقلوبهم. فكيف يتمكن أن يرى حاكم خارج بلاد الإسلام أن قلوب رعيته مع الحاكم الإسلامي الجديد؟…

هذه مشاكل وكثيراً ما لا يحسب القائمون بالحركات لها حساباً أو يظنونها مشاكل وقتية، أو صغيرة، أو يجب ألاّ يُعتنى بها.. ولكن هذا غير صحيح ففي المثل: أن السيل يتكون من القطرات، والجيش يتكون من الأفراد، وفي حديث مشهور (ثلاثة، صغيرها كبير وقليلها كثير، العدو والمرض والنار)(16).

وعلى هذا فاللازم علينا ونحن في طريقنا إلى إقامة حكومة ألف مليون مسلم بإذن الله تعالى أن نفكر بهذه المشاكل تفكيراً جدياً واقعياً وأن نفكر في الحلول الصحيحة لها والتي يجب أن تكون ضمن هذه البنود:

الأول: ثورة ثقافية عامة تقنع الناس وتجذبهم إلى جانب الحركة والحكومة الإسلامية، فإن الثورة الثقافية توجب إثارة الناس، وبالنور يذهب الظلام ويذهب الظلم.

الثاني: يجب أن يتخذ القائمون بالحكم سياسة الإسلام في ما قال القرآن الحكيم (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)(17).

الثالث: المداراة مع الأعداء وتقليلهم مهما أمكن. وذلك بالمال، وبإعطاء المنصب، وبالتخفيف من حدة التوتر وتلطيف الأجواء وما أشبه، حتى لا يتمكن المعادون والراكدون والمؤسسات السابقة أو ما أشبه من تقويض الحكم.

الرابع: هو التدرج في الصعود، فإن بطيء النمو بطيء الزوال أيضاً بينما سريع النمو سريع الزوال كذلك وهذا يعني: ألاّ يفكر الحكم بأنه يتمكن بين عشية وضحاها أن يقلب الموازين ويضع كل شيء موضعه. ولنتّخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نموذجاً وقدوةً لإقامة أحكام الإسلام فإنه قد أقام الأحكام تدريجياً: وبذلك تمكّن (صلى الله عليه وآله) أن يقيم حكماً مستقر الأركان.

إن اللازم على الحكم الإسلامي، أن يلاحظ قانون الأهم والمهم في تطبيق بنود الإسلام تدريجياً حسب برنامج مدروس ومعقول، فإذا صنعنا هذا الصنيع وتمكّنا من جعل الحلول المعقولة لا بد وأن نتقدم إلى الأمام.

ثم من الضروري الالتفات إلى البند الخامس وهو جعل الحكم استشارياً واقعياً لا صورياً.. فصورة الأسد لا تفترس وصورة الحلوى لا تعطي الحلاوة، وصورة الدواء لا تشفي المريض وإنما الواقعيات هي التي تؤثر فإذا جعلنا الحكم استشارياً وأشركنا كل القوى الموجودة في الداخل التي هي موالية للإسلام من الزعماء، والــعلماء، والخطباء، والمثقفين، والمحامين، والمهندسين والأطباء وغيرهم، حينئذ لا تبقى إلا بعض المشكلات، وتلك المشكلات لا تستطيع تقويض الحكم ولا الذهاب بسمعته.

ونحن نرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) واجه مشكلات الحكم الإسلامي بهذه الصورة المعقولة الحازمة. ويروي أحد المؤرخين يقول: إن عدي بن حاتم لما رأى سيطرة الرسول (صلى الله عليه وآله) فرّ من الحجاز إلى الشام وهو يعادي الحكم الجديد القائم، لكن بعض أصدقائه كتب إليه وقال له: يا عدي إن محمداً نبي وليس بملك، والنبي يرحم ويعطف ويُحسن ويستشير وهو عاقل وحازم ومدبر فلا داعي إلى الفرار، فارجع إلى البلاد. فرجع عدي لأنه يثق بذلك الصديق. ولما رجع وقف خارج مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما خرج الرسول رأى عدي أن امرأة عجوزاً واجهت الرسول (صلى الله عليه وآله) وسألته سؤالاً فوقف (صلى الله عليه وآله) لها بكل لطف وحنان، وأجاب عن سؤالها وحَلَّ مشكلتها، فقال عدي في نفسه: ما هذا بملك وما هذه أخلاق السلاطين والملوك والأمراء، وإنما هذه أخلاق النبيين وسيرة المرتبطين بالسماء. ولذا دخل حب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قلبه وتقدم إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وعرَّف نفسه، ولما عرف الرسول أنه عدي أكرمه وأحسن إليه وتلقّاه بالبشر واللطف والكرامة واستصحبه الرسول إلى داره، فدخل دار النبي وأسلم على يده حيث رأى رحابة صدر الرسول وحسن أخلاقه ولما خرج قال له صديقه: كيف أسلمت؟ قال أسلمت لأني رأيت فيه أخلاق الأنبياء وصفات المرسلين.

وهكذا نتمكن أن نأخذ من سيرة رسول الله وسيرة عليّ وسيرة الأئمة الطاهرين ومن سيرة الأنبياء المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين درساً لكيفية حل مشكلات الحكم.

 

1 ـ إشارة إلى قوله تعالى: (عفا الله عما سلف)، سورة المائدة: الآية 95.

2 ـ كنز العمال: ج3 ص168 ح5995.

3 ـ غرر الحكم: ص73 ح53.

4 ـ غوالي اللئالي: ج2 ص54 ح145.

5 ـ سورة التوبة: الآية 73.

6 ـ سورة التوبة: الآية 84.

7 ـ بحار الأنوار: ج2، ص44، مؤسسة الوفاء ـ بيروت.

8 ـ الفقيه: ج4 ص302 ح95.

9 ـ سورة البقرة: الآية 256.

10 ـ سورة التوبة: الآية 6.

11 ـ سورة النحل: الآية 125.

12 ـ البحار: ج21 ص140 ح3.

13 ـ بحار الأنوار: ج97، ص423.

14 ـ بعض هذه الاحتجاجات مذكورة في بحار الأنوار قسم الاحتجاجات، والبعض الآخر مذكور في كتاب (الاحتجاج) للطبرسي.

15 ـ سورة النساء: الآية 54.

16 ـ الكافي: ج ص242 ح1.

17 ـ سورة النحل: الآية 125.