الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 السياسة والدولة

الصفحة الرئيسية

 

الاشتراكية والرأي العام

أمّا بعض الاشتراكيين فيزعم أنّ الاقتصاد أساس كلّ شيء في الحياة، فإنّ الدين والسياسة، والعلاقات الاجتماعية والصناعية، وجميع جوانب الحياة الأُخرى، تخضع للاقتصاد وتنقاد له، فهو البنية التحتية لكلّ شيء في الحياة، وعلى حدّ زعمهم فإنّ الإنسان مرّ بمراحل أربع:

المرحلة الأُولى: وهي مرحلة التكوين، يسمونها مرحلة الشيوعية الأُولى، أي أنّ الإنسان في نشأته الأُولى ـ حيث لا إنتاج، ولا أدوات إنتاج، ولا أبسط أنواع التقدم ـ كان يعيش في العراء، ويقتات على ثمار الغابات الطبيعية وأوراقها، فلا توجد في ذلك الوقت حكومة أو نظام أو سياسة أو رأي عام، أو غيرها من المصطلحات الموجودة عندنا اليوم، فهذه المرحلة يسمونها مرحلة الشيوعية الأُولى، فالشيوعية (حسب ادّعائهم) عدم تقييد الفرد بنظام أو حكومة أو قانون مهما كان شكله.

المرحلة الثانية: مرّ الإنسان (في نظرهم) بمرحلة ثانية يسمونها مرحلة السيد والعبد، أي إنّ الإنسان عندما اخترع بعض آلات الصيد، وطبعاً هذا الاختراع خاص بمجموعة من الناس لا جميعهم، فسيطرت هذه المجموعة على بقية الناس بحيث أصبحوا عبيداً لها مقابل إشباع بطونهم بواسطة آلات الصيد.

المرحلة الثالثة: ثم انتقل الإنسان إلى مرحلة أخرى، مرحلة الإقطاعيين، فعندما اكتشف الإنسان بعض وسائل الزراعة، وتعلَّم كيف يزرع، وسكن قرب المياه، واستحوذ هؤلاء المكتشفون لهذه الوسائل على أُمور الناس الباقية، وقُسّم الناس على أثر ذلك إلى طبقتين، الأُولى: طبقة الإقطاعيين، وهم المالكون لهذه الوسائل، والثانية: طبقة المزارعين وهم الطبقة المستغلَّة، وحصّن المالكون أنفسهم بكل الوسائل، لكي تبقى السلطة بأيديهم.

وفي هذه الفترة ظهرت الملكية الفردية، وعلى حدّ زعم بعض الاشتراكيين في هذه المرحلة، وبحيلة من المالكين ادعوا بأنهم أبناء الله، وهم خلقوا الآلهة، وهم يسيرون على خطى الآلهة، وأوجدوا الدين حتى يحافظوا على نمط الحياة في تلك الفترة.

المرحلة الرابعة: ثم مرّ الإنسان في الطور أو المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الصناعة، حيث اكتشف الإنسان في هذه المرحلة المكائن الصناعية والآلات، وسخرّها لخدمته، وفي هذه المرحلة تنازل بعض الملاّكين عن بعض مقاطعاتهم، مقابل كسب المال الوفير، حيث رأوا أن رأس المال لا ينمو إلاّ بإشراك أكبر عدد ممكن من الشعب، وهكذا وجدت على حدّ زعمهم مرحلة الاشتراكية في هذه الفترة.

وكل هذا التفصيل والتحليل هو غير صحيح، وقد انتهجه بعض المغرضين، والذين حاولوا من هذا كله خداع الرأي العام في بلدانهم، وفي البلدان المحيطة بهم، لكي يجذبوها إلى مبنى الشيوعية، ويصوروها بأنها هي المنقذة للشعوب، وفيها يأخذ الإنسان كامل حريته، وأخذ ماركس ولينيين وكاسترو وماو وغيرهم يُطَبِّلون لذلك.

ولكن جميع هذه التحليلات التي ذكروها غير صحيحة، وغير واردة، وذلك لأكثر من دليل:

أولاً: عدم استنادهم في ذكر هذه التحليلات إلى أدلة واقعية سوى التخيلات والأوهام.

ثانياً: فشلها في تحقيق متطلبات الشعوب، وانتشار الفقر والمجاعة في أغلب الدول الاشتراكية، وغيرها من الأدلة، والذي يريد أن يتوسع أكثر من ذلك يراجع كتابنا تحت عنوان (ماركس ينهزم)(1)، وكتاب (الفقه: الاقتصاد). وفيهما نثبت بأنّ الاقتصاد ليس هو المحرك الأساس لكل شيء في الحياة...

وبهذه العقلية سيطرت الشيوعية على أغلب دولها، وعلى الدول التي تعتمد عليها، مستغلة أفراد الشعب، ومصادرة حقوقهم، تحت غطاء حمايتهم، وسوف تواجه الشيوعية عما قريب إن شاء الله تعالى فترة عصيبة، تؤدي بها إلى الاضمحلال والزوال، لأنّ الباطل مهما طال أمده، مصيره الزوال(2). وإنّ الذين يضلون عن سبيل الله ويتبعون أهواءهم فإن الله تعالى يعذبهم عذاباً شديداً.

قال الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ... )(3).

يقع هذا الكتاب في (47) صفحة، طبع دار القرآن الحكيم/ قم إيران، وقد ترجم إلى الفارسية بعنوان (ماركسيسم در آستانه سقوط).

أُلقيت المحاضرة قبل سقوط الشيوعيّة.

سورة ص: 26.