| المؤلفات |
|
الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) والرأي العام |
|
عن بكر بن كرب قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فسمعناه يقول: (أما والله، عندنا ما لا نحتاج إلى الناس، وإنّ الناس ليحتاجون إلينا... )(1).. ومن الواضح أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وآل بيته الأطهار عليهم أفضل الصلاة و السلام، لا يحتاجون إلى أقوال الناس وآرائهم، لأنهم معصومون مُسدّدون بالغيب، ولكن جميع الأعمال والأقوال التي اعتمدوا بها على الرأي العام هي من باب التعليم والتسديد للناس. وما دام النبي (صلى الله عليه وآله) والمعصومون (عليهم السلام) أنفسهم يولون أهمية للرأي العام، ولا يتجاوزونه في كثير من الأعمال، فمن الأولى أن يأخذ الإنسان العادي بالرأي العام ويعتمد عليه، ففي غزوة تبوك مثلاً، وعند رجوع الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من الغزوة، كَمَن له نفر من المنافقين في العقبة ليفتكوا به (صلى الله عليه وآله)، فأخبره الله تعالى، عن طريق جبرئيل، بما يكنّه المنافقون له، فقبض عليهم ولم يقتلهم(2). وجاء في بعض كتب الأخبار في سبب نزول قوله تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)(3)، قيل: نزلت في اثني عشر رجلاً وقفوا للرسول (صلى الله عليه وآله) في العقبة لما رجع النبي (صلى الله عليه وآله) من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها ومعهم رجل مسلم يخيفهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبرئيل (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما قدروا، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاهم، فلما نزل قال: (يا حذيفة من عرفت من القوم؟) قال: لم أعرف منهم أحداً، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (فإنه فلان وفلان، حتى عدهم كلهم). فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال (صلى الله عليه وآله): (أكره أن تقول العرب لما ظفر محمد بأصحابه أقبل يقتلهم... )(4). أنظر إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أكره أن تقول العرب...) فهنا رغم استحقاق هؤلاء المنافقين للقتل، فإنه (صلى الله عليه وآله) لم يقتلهم، وذلك لعدة أسباب من ضمنها عدم إثارة الرأي العام ضد المسلمين، فعندما يقدم الرسول (صلى الله عليه وآله) على قتل هؤلاء، فربما يتبادر إلى أذهان بعض الناس بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما ظفر واستقرّ له الأمر أعمل السيف بأصحابه، وهذا ما لا يرتضيه رسول الله (صلى الله عليه وآله). فالرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بعظمته وقدرته لا يعاقب هؤلاء، لأنّه قدّم الأهم وهو وحدة الصف الإسلامي على المهم، وهو معاقبة هؤلاء المنافقين المعاندين. |
|
1ـ بصائر الدرجات: ج3 ص142 ب12 ح1. 2ـ أنظر الصراط المستقيم: ج3 ص44 إلحاق في المنافقين من أهل العقبة وهي عقبة أوس ويقال اسمها عقبة دقيق، أنظر الخرائج: ص504، وفيه: (سئل أبو عبد الله (عليه السلام): هل علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حذيفة أسماء المنافقين؟ فقال: لا، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما كان في غزوة تبوك كان يسير على ناقته والناس أمامه، فلما انتهى إلى العقبة وقد جلس عليها أربعة عشر رجلاً ستة من قريش وثمانية من أفناء الناس، أو على عكس ذلك، والشك من الراوي، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: إن فلاناً وفلاناً وفلاناً قد قعدوا لك على العقبة لينفروا ناقتك، فناداهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فلان، ويا فلان بن فلان، أنتم القعود لتنفروا ناقتي، وكان حذيفة خلفه فلحق، فقال: يا حذيفة سمعت؟ قال: نعم. قال: أكتم...). 3ـ سورة التوبة: 64. 4ـ العمدة: ص341 ح664. |