| فهرس المبحث الأول | المؤلفات |
|
مفهوم الوجود |
|
(الفصل الأول) في الوجود والعدم وتحديدهما بالثابت العين والمنفي العين أو الذي يمكن أن يخبر عنه ونقيضه أو بغير ذلك أو يشتمل على دور ظاهر. بل المراد تعريف اللفظ إذ لا شيء أعرف من الوجود، والاستدلال بتوقف التصديق بالتنافي عليه باطل. أو بتوقف الشيء على نفسه أو عدم تركيب الوجود مع فرضه مركباً وإبطال الرسم باطل. وتردد الذهن حال الجزم بمطلق الوجود واتحاد مفهوم نقيضه وقبول القسمة يعطي الشركة. فيتغاير المهية وإلا اتحدت الماهيات أو لم تنحصر أجزاؤهما. ولانفكاكهما تعقلاً ولتحقق الإمكان وفائدة الحمل والحاجة إلى الاستدلال وانتفاء التناقض وتركب الواجب. وقيامه بالماهية من حيث هي هي فزيادته في التصور. وهو ينقسم إلى الذهني. والخارجي وإلاّ لبطلت الحقيقية، والموجود في الذهن إنما هو الصورة المخالفة في كثير من اللوازم، وليس الوجود معنى به تحصل المهية في العين. بل الحصول، ولا تزايد فيه ولا اشتداد وهو خير محض. ولا ضد له ولا مثل له فتحققت مخالفته للمعقولات ولا ينافيها ويساوق الشيئية فلا يتحقق. بدونه والمنازع مكابر مقتضى عقله. وكيف تتحقق الشيئية بدونه مع إثبات القدرة وانتفاء الاتصاف وانحصار الموجود مع عدم تعقل الزائد. ولو اقتضى التميز الثبوت عيناً لزم منه محالات، والإمكان اعتباري يعرض لما وافقونا على انتفائه وهو يرادف الثبوت، والعدم يرادف النفي فلا واسطة والوجود لا يرد عليه القسمة. والكلي ثابت ذهناً، ويجوز قيام العرض بالعرض، ونوقضوا بالحال نفسها والعذر بعدم قبول التماثل والاختلاف والتزام التسلسل باطل فيبطل ما فرعوا عليها من تحقق الذوات غير المتناهية في العدم وانتفاء تأثير المؤثر فيهما. وتباينها، واختلافهم في إثبات صفة الجنس وما يتبعها في الوجود، ومغايرة التحيز للجوهرية، وإثبات صفة المعدوم بكونه معدوماً، وإمكان وصفه بالجسمية، ووقوع الشك في إثبات الصانع بعد اتصافه بالقدرة والعلم والحياة وقسمة الحال إلى المعلل وغيره، وتعليل الاختلاف بها، وغير ذلك مما لا فائدة بذكره. ثم الوجود قد يؤخذ على الإطلاق فيقابله عدم مثله وقد يجتمعان لا باعتبار التقابل. ويعقلان معاً، وقد يؤخذ مقيداً فيقابله عدم مثله، ويفتقر إلى الموضوع كافتقار ملكته. ويؤخذ الموضوع شخصياً ونوعياً وجنسياً، ولا جنس له بل هو بسيط فلا فصل له، ويتكثر بتكثر الموضوعات، ويقال بالتشكيك على عوارضها. فليس جزءاً من غيره مطلقاً. والشيئية من المعقولات الثانية وليست متأصلة في الوجود فلا شيء مطلقاً ثابت بل هي تعرض لخصوصيات المهيات. |
|
(المقصد الأول في الأمور العامة) التي لا تختص بالمهية أو الوجود والواجب أو الممكن والجوهر أو العرض بل نتكلم في هذا المقصد عن أمثال هذه الأمور عامة (وفيه فصول) : (الفصل الأول في الوجود والعدم وتحديدهما بالثابت العين) في الوجود (والمنفي العين) في العدم كما حدّهما بهذين المتكلمون (أو) تحديدهما بما حددهما الحكماء من أن الوجود هو (الذي يمكن أن يخبر عنه و) العدم (نقيضه) فهو الذي لا يمكن أن يخبر عنه (أو بغير ذلك) كقولهم الموجود هو الذي يكون فاعلاً ومنفعلاً والمعدوم ما لا يكون فاعلاً ولا منفعلاً (أو يشتمل على دور ظاهر) خبر قوله : ( أو تحديدهما) بيان الدور : أن قولهم في تعريف الوجود (الثابت) عين الوجود فيتوقف معرفة الوجود على معرفة الثابت ومعرفة الثابت على معرفة الوجود، وقولهم في تعريف العدم (المنفي) عين العدم، وكذا قولهم في التعريف الثاني الذي هو عدم، عين العدم، وكذا قولهم في التعريف الثالث (ما يكون) (الذي) يرادف الموجود فإنه لا يشار به إلى معدوم مطلق ذهناً وخارجاً، وقولهم في العدم (لا يمكن) فإن الكون عين الوجود، وفي العدم (ما لا يكون) فإن عدم الكون عين العدم. أقول: لا يخفى ما في هذه الكلمات من التسامح فتأمل. وعلى هذا فليس مرادهم من هذه التعاريف الحد الحقيقي أو الرسم (بل المراد تعريف اللفظ) وشرح الإسم الذي هو عبارة عن تبديل لفظ بلفظ أوضح عند السامع كأن يفسر (الفدوكس) بالأسد، بل نقول : إنه لا يعقل تعريف الوجود أصلاً (إذ لا شيء أعرف من الوجود) ومن البديهي أن المعرِّف يلزم أن يكون أجلى من المعرَّف. وكذا لا يمكن تعريف الوجود لأمر آخر وهو أن الحد يلزم أن يتركب من الجنس الذي هو أعم ذاتي والفصل الذي هو مساوٍ ذاتي، ومن الواضح عدم شيء أعم من الوجود ولا مساوٍ له. هذا وجه عدم إمكان تعريف الوجود، ثم إن الفخر الرازي تصدى لبيان وجهين آخرين لإبطال تعريف الوجود ونحن نذكرهما أولاً ثم نشرح العبارة فنقول : الوجه الأول بلفظ القوشجي أن التصديق بالتنافي بين الوجود والعدم ـ أعني قولنا الشيء إما موجود وإما معدوم ـ بديهي ويتوقف على تصور الوجود والعدم ضرورة توقف التصديق على تصور أطرافه وما يتوقف عليه البديهي أولى بالبديهية وإليه أشار المصنف (ره) بقوله : (والاستدلال) الذي ذكره الرازي لإبطال تعريف الوجود (بتوقف التصديق بالتنافي) بين الوجود والعدم الذي هو بديهي (عليه) أي على تصور الوجود والعدم فيكونان بديهيين (باطل) وجه البطلان : أن التصديق البديهي لا يجب أن يكون تصوراته بديهياً ولذا نرى أن التصديق بعدم اجتماع الحر والبرد بديهياً ومع ذلك لا نعرف حقيقتهما، وكذا التصديق بأن لنا خالقاً بديهي مع عدم بداهة ذات الخالق. والحاصل أن التصديق متوقف على تصور الطرفين إجمالاً لا معرفتهما بالكنه : الوجه الثاني أن تعريف الوجود إما بالحد أو بالرسم والأول مستلزم للدور أو الخلف والثاني مستلزم للدور، وحيث استحالا يستحيل تعريف الوجود، بيان ذلك : انه لو عرف الوجود لكان إما بجزئه أو بتمامه ـ في الحد ـ أو بأمر خارج عنه ـ في الرسم، فلو كان تعريف الوجود بنفسه لزم الدور، وإن كان بجزئه فتلك الأجزاء إما وجودات أم لا، فإن كانت وجودات لزم الدور أيضاً لأنه تعريف للوجود بالوجود، وإن لم تكن وجودات فعند اجتماعها إن لم يحصل أمر زائد كان الوجود محض ليس بوجود وهو خلف وإن حصل لم يكن التركيب في نفس الوجود وهو خلف أيضاً، وإن كان التعريف بأمر خارج عنه ـ وهو الرسم ـ توقف التعريف على اختصاص المرسوم به بالمرسوم وهو يتوقف على العلم بالمرسوم وهذا دور أيضاً. وإلى هذا أشار بقوله : (أو بتوقف الشيء على نفسه) إشارة إلى الدور اللازم من تعريف الوجود بنفسه ومن تعريف الوجود بأجزائه على تقدير أن تكون وجودات (أو عدم تركيب الوجود مع فرضه مركباً) إشارة إلى الخلف المستلزم من تعريف الوجود بأجزائه سواء حصل عند اجتماعهما شيء زائد هو الوجود أم لا (وإبطال الرسم) عطف على (بتوقف) يعني يلزم على سبيل منع الخلو إما أحد الإشكالين الأولين من الدور والخلف ـ على فرض التحديد ـ وإما الدور ـ على فرض الرسم ـ والأولى أن يقول ببطلان الرسم فتأمل (باطل) خبر قوله : (والاستدلال) وجه البطلان أنّا نختار الرسم وقوله : (بأنه يلزم الدور) غير صحيح إذ الناظر في اكتساب المهية إذا تصور عوارضها وعلم من بينها ما يخص بها فاستفاد من تلك الخاصة تصور المهية بنحو الرسم صح تعريفها بعد بتلك الخاصة كما لا يخفى. (مسألة) لما فرغ المصنف من البحث عن حد الوجود والعدم شرع في البحث عن أحكامهما وبدأ باشتراك الوجود بين أقسامه من الوجود العيني والذهني والواجب والممكن (و) استدل لذلك بأمور ثلاثة : الأول : (تردد الذهن حال الجزم بمطلق الوجود) فإنا قد نجزم بأصل الوجود ونتردد في خصوصياته. مثلاً إذا رأينا ممكناً تردد ذهننا بين أن يكون علته واجباً أو ممكناً وعلى تقدير كونها ممكناً نتردد بين كونه جوهراً أو عرضاً وهكذا فالأمر المقطوع به مع تردد الخصوصيات هو أصل الوجود فيكون مشتركاً بينها وإلاّ لم يعقل بقاؤه مثلاً لا يعقل أن نجزم بكون هذه اللفظة إسم مع التردد في كونها فعلاً أو معرباً. نعم يعقل ذلك مع التردد في كونها معرباً أو مبنياً. أقول : لا يخفى أن المجزوم به إنما هو المفهوم المنتزع وهذا لا يستلزم تشابه وجود الواجب والممكن فإنه قد ينتزع مفهوم واحد من أمور لا تشابه بينها. (و) الثاني ـ (اتحاد مفهوم نقيضه) أي العدم فإن مفهوم العدم واحد فلو لم يكن مفهوم الوجود أيضاً واحداً لبطل الحصر العقلي بين الوجود والعدم مع بداهة الانحصار لأن المفهوم إما موجود أو معدوم ـ فتأمل. (و) الثالث ـ (قبول القسمة فإن الوجود ينقسم إلى الواجب والممكن والجوهر والعرض وهكذا فلو لم يكن الوجود مشتركاً بينها لم يصح التقسيم كما لا يصح تقسيم الإسم على المعرب والفعل لما لم يكن مشتركاً بينهما، والحاصل أن هذه الوجوه الثلاثة (يعطي الشركة) وتذكير الضمير باعتبار كل واحد منها كما لا يخفى. (مسألة) هل الوجود مغاير للمهية أو جزئها أو العكس أو عينها، المصنف وجماعة على أن الوجود مغاير للمهية. وقبل الشروع في الاستدلال لابد من التنبيه على مقدمة وهي أن المهية كما يأتي عبارة عما به الشيء يكون هو هو، مثلاً مهية الإنسان هو الحيوان الناطق ومهية الحمار هو الحيوان الناهق وهكذا. إذا عرفت هذا قلنا : إن المصنف استدل للمغايرة بوجوهٍ سبعة : الأول : ما أشار إليه بقوله (فيتغاير) الوجود (المهية وإلا) فلو لم يكن مغايراً لهما (اتحدت الماهيات) لو كان الوجود عينها (أو لم تنحصر أجزاؤهما) أي أجزاء المهية إن كان الوجود جزئها، بيان ذلك أن الوجود لو كان عين المهية لزم اتحاد المهيات بعد فرض أن الوجود مفهوم واحد لأنه حينئذ يتشكل قياس هذه صورته : المهية عين الوجود والوجود واحد فالمهية واحدة، وهذا ضروري البطلان إذ لازمه أن تكون حقيقة الماء والنار واحدة، ولو كان جزؤها لزم عدم انحصار أجزاء المهية بيان الشرطية انه لو كان جزءاً للمهيات لكان جزءاً مشتركاً ـ إذ لا اشتراك للمهيات في غير الوجود ـ ولو كان مشتركاً لزم امتياز بعضها عن بعض بأجزاء أخر ـ وتلك الأجزاء الأخر لابد من وجودها لامتناع تقدم الموجود بالمعدوم ـ وعليه فيكون الوجود جزءاً لتلك الفصول أيضاً فتلك الأجزاء لها أجزاء أيضاً وننقل الكلام في جزء الجزء وهكذا إلى أن يتسلسل، وحيث بيّن في موضعه بطلان التسلسل يبطل كون الوجود جزء المهية. بقي الكلام في أنه لو كانت المهية جزء الوجود ولم يتعرض له المصنف والظاهر أنه يلزم منه التسلسل أيضاً لأن المهية التي هي جزء الوجود إما موجودة أو معدومة، والثاني غير معقول لأنه يلزم منه تركب الوجود من اللاوجود، والأول موجب للتسلسل لأن المهية التي هي جزء يكون لها وجود فيكون للجزء جزء وننقل الكلام إلى الجزء الذي هو غير الوجود فنقول إما موجود وإما معدوم إلى أن يتسلسل. ثم اعلم إن هذه المسألة فرع المسألة الأولى إذ اتحاد مفهوم الوجود واشتراكه يوجب مغايرته للمهية وإلا فلو كان الوجود مختلفاً وكانت المهية عين الوجود لم يلزم منه محذور اتحاد المهيات. (و) الثاني : (لانفكاكهما) أي الوجود والمهية (تعقلاً) فإنّا قد نتعقل المهية مع الشك في وجودها كما لو شككنا في وجود العنقاء وقد نتعقل الوجود ونشك في المهية كما لو تعقلنا وجود العلة لهذا الأثر ونشك في أنها جوهر أو عرض، فهذا الإنفكاك في التعقل دليل المغايرة إذ لو كانت المهية عين الوجود لم يعقل الإنفكاك كما لم يعقل الإنفكاك بين الإنسان ونفسه. (و) الثالث : (لتحقق الإمكان) فإن ممكن الوجود محقق ضرورة، ولو كان الوجود نفس المهية أو جزؤها لم يتحقق ممكن الوجود. بيان ذلك : أن الواجب عبارة عما لا نسبة له إلى العدم أصلاً والممتنع عبارة عما لا نسبة له مع الوجود أصلاً والممكن عبارة عما له نسبة إلى الوجود والعدم على السواء فإن وجدت علته وجد وإن لم توجد علته عدم، فلو كان الوجود نفس المهية أو جزؤها لم يتصور هناك تساوي النسبة إلى الوجود والعدم كما لا يتصور تساوي نسبة الإنسان إلى الإنسان وعدمه ولا نسبته إلى الناطق وعدمه. وإن شئت قلت : الإمكان نسبة بين المهية والوجود والنسبة لا تعقل إلا بين شيئين. (و) الرابع ـ (فائدة الحمل) للوجود على المهية. وبيانه : أنّا إذا حملنا الوجود على المهية وقلنا : (المهية موجودة) استفدنا منه فائدة لم تكن حاصلة قبل الحمل، ولو كان الوجود عين المهية لم تحصل فائدة أصلاً كما لا تحصل فائدة في حمل الإنسان على نفسه. هذا بالنسبة إلى نفي العينية، وأما نفي الجزئية فإن يقال : أنا إذا حملنا الوجود على المهية استفدنا منه فائدة لا من قبيل الشرح، ولو كان الوجود جزءها كانت الفائدة من قبيل الشرح مثلما لو قلنا: (الإنسان ناطق). (و) الخامس ـ (الحاجة إلى الاستدلال) في إثبات الوجود للمهية، فأنا إذا قلنا: العنقاء موجود ـ مثلاً ـ كان إثبات الوجود له محتاجاً إلى الدليل ولو كان الوجود نفس المهية لم نحتج إلى الدليل، إذ إثبات الشيء لنفسه لا يحتاج إلى الدليل، وهذا الدليل كما ينفي عينية الوجود للمهية ينفي جزئيته لها إذ الجزء ذاتي والذاتي لا يحتاج إلى الدليل. مثلاً إثبات جزئية السكر للسكنجبين لا يحتاج إلى الدليل. (و) السادس ـ (انتفاء التناقض) فإن الوجود لو كان عين المهية أو جزؤها، ثم قلنا المهية معدومة لزم التناقض وكان ذلك مثل أن نقول : (الإنسان ليس بإنسان) أو (الإنسان ليس بناطق)، فعدم لزوم التناقض عند حمل العدم على المهية دليل على مغايرة الوجود للمهية. (و) السابع ـ (تركب الواجب) إذ لو كان الوجود جزء المهية كان وجود الواجب جزءاً فكان هناك كلا أحد أجزائيه الوجود، وحيث إن تركب الواجب مستحيل كان جزئية الوجود للمهية مستحيلاً. مثاله: أن الحيوان حيث كان جزءاً من أنواعه كان كلما تحقق الحيوان تحقق المركب الذي هو عبارة عن الحيوان وفصله، فلو كان الوجود كالحيوان كان كلما تحقق الوجود تحقق المركب وهو مستلزم لتركب الواجب. ثم اعلم إن هذه الأدلة السبعة بعضها لإثبات عدم عينية الوجود للمهية وبعضها لإثبات عدم جزئيته لها وبعضها لإثبات كليهما. (و) إن قلت : إذا كان الوجود غير المهية وكان قائماً بها فإما أن يقوم بالمهية حال وجود المهية، وإما أن يقوم بها حال عدمها والقسمان باطلان : أما الأول فلاستلزام أن تكون المهية موجودة قبل وجودها، وأما الثاني فلاستلزام قيام الصفة الوجودي بالمحل العدمي ـ مع أن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المُثبت له ـ وإذا بطل القسمان كان اللازم القول بكون الوجود عين المهية. قلت : ليس قيام الوجود بالمهية المعدومة ولا بالمهية الموجودة، بل (قيامه بالماهية من حيث هي هي) يعني أن الذهن يرى مغايرة الوجود للمهية واتصافها بها لا أنه في الخارج مهية موجودة ثم تتصف بالوجود أو مهية معدومة ثم تتصف بالوجود حتى يرد أحد الإشكالين. توضيحه : أن من شأن الذهن الحكم بمغايرة بعض الأشياء عن بعض إذا رأى الإنفكاك بينهما. مثلاً : الذهن حيث يرى عدم التلازم بين العدد والزوجية ـ لإمكان الفرد ـ ولا بين العدد والفردية ـ لإمكان الزوج ـ يحكم بمغايرة العدد للزوجية والفردية وإنما يلزم أحدهما على سبيل منع الخلو. إذا عرفت ما ذكرنا فقس المهية والوجود والعدم عليه، فحيث إن الذهن يرى عدم التلازم بين المهية والوجود ـ لإمكان عدم المهية ـ ولا بين المهية والعدم ـ لإمكان وجود المهية ـ يحكم بمغايرة المهية للوجود والعدم وإنما يلزم أحدهما على سبيل منع الخلو (فزيادته) أي الوجود ومغايرته للمهية (في التصور) لا في الخارج، فإن قيام الوجود بالمهية ليس من قبيل قيام السواد بالمحل. (مسألة) (وهو) أي الوجود (ينقسم إلى الذهني) وهو الأمر المتصور في الذهن (والخارجي) وهو الموجود في الخارج، وهذا القسم الثاني من الوجود لا إشكال فيه لأحد وإنما الخلاف في القسم الأول فجماعة منهم نَفوه والمحققون أثبتوه، واستدل المصنف (ره) لتحققه بقوله : (وإلاّ) يكن الوجود الذهني متحققاً (لبطلت) القضية (الحقيقية). بيان ذلك : أنه لو لم يكن الوجود الذهني متحققاً لزم أن تكون القضايا كلها خارجية، مع أنّا نرى بصحة القضايا الحقيقية حيث نحكم بالأحكام الإيجابية على موضوعات معدومة في الأعيان. مثال القضية الخارجية (قتل من في العسكر)، ومثال القضية الحقيقية (الإنسان حيوان ناطق) حيث نحكم بالمحمول على طبيعة الإنسان وحقيقته سواء وجد في الخارج ـ حين الحكم ـ أم لا. (و) إن قلت : إنه لو كان لنا وجود ذهني ـ بمعنى حلول المهية في الذهن وتلبّسها بلباس الذهن ـ لزم أن يتصف الذهن بالحرارة والبرودة وأن يكون معوَّجاً مستقيماً مرتفعاً منخفضاً وهكذا، مع أنه باطل ضرورة. قلت : (الموجود في الذهن) ليس نفس حقيقة الشيء حتى يلزم اتصاف الذهن بهذه الصفات الحقيقية، بل (إنما هو الصورة المخالفة في كثير من اللوازم) إذ من المعلوم أن الصورة والشبح تخالف ذي الصورة، فمثل الذهن مثل المرآة وإن كان بينهما عموم من وجه كما لا يخفى. (مسألة) (وليس الوجود معنى) زائداً على الحصول العيني بحيث (به تحصل المهية في العين) لأنه مستلزم للدور إذ قيام هذا المعنى ـ أي الوجود ـ بالمهية التي هي في الأعيان يستدعي تحقق المهية في الخارج وللفروض أن تحقق المهية إنما هو بهذا المعنى وهو دور صريح (بل) الوجود عبارة عن (الحصول) الخارجي فالمهية الخارجية ينتزع منها الوجود باعتبار خارجيته. (مسألة) (ولا تزايد فيه) أي في الوجود (ولا اشتداد) الزيادة والنقصان من مقولة الكم، والشدة والضعف من مقولة الكيف، فالتزايد عبارة عن زيادة الكم والاشتداد عبارة عن زيادة الكيف. مثلاً : لو كان النخل ذراعاً ثم صار ذراعين قيل إنه تزايد كما أن البياض لو كان ضعيفاً ثم صار قوياً قيل إنه اشتد. والوجود غير قابل للتزايد والاشتداد، أما التزايد فلأن الزيادة إما وجود أو غيره فلو كان غير وجود لزم اجتماع النقيضين ولو كان وجوداً فإما أن يحدث في نفس المحل الأول فيلزم اجتماع المثلين أو في غيره فيكون هناك وجودان لا أنه تزايد في وجود واحد، وأما الاشتداد فقال في كشف المراد : لأنه بعد الاشتداد إن لم يحدث شيء آخر لم يكن الاشتداد اشتداداً بل هو باقٍ كما كان وإن حدث فالحادث إن كان غير الحاصل فليس اشتداداً للموجود الواحد بل يرجع إلى أنه حدث شيء آخر معه وإلاّ فلا اشتداد، انتهى. ولا يخفى سوق الدليلين في جانب النقصان والضعف. (مسألة) (وهو) أي الوجود (خير محض) والعدم شر محض للاستقراء إذ ما من شيء يقال له خير إلاّ كان وجوداً وما من شيء يقال له شر إلاّ كان عدماً، فإن القتل الذي حكم العقلاء بكونه شراً مشتمل على أمور وجودية وأمر عدمي وشرّيته بالنسبة إلى الثاني فإن قدرة القاتل وحدة الآلة وقبول عضو المقتول للقطع كلها كمال وخير وإنما شرّيته من حيث إنه إزالة كمال الحياة عن الشخص. أقول : لا يخفى أن الاستقراء الناقص لا يفيد النتيجة مع إمكان المناقشة في كثير من المصاديق. (مسألة) (ولا ضد له) أي للوجود لأن الضدين يقال لما اجتمع فيه أمور أربعة : الأول والثاني ذات وجودية الثالث والرابع ذات وجودية أخرى تقابلها والوجود ليس ذاتاً ولا وجودياً وليس هناك ذات وجودية أخرى تقابلها. (مسألة) (ولا مثل له) بذلك البرهان المتقدم، إذ المثلان ذاتان وجوديان يسد كل منهما مسد صاحبه ويكون المعقول من أحدهما عين المعقول من الآخر. وقد تقدم أن الوجود ليس ذاتياً ولا وجودياً ـ لأنه يلزم أن يكون للوجود وجود ـ وليس هناك شيء آخر يماثله إذ العدم والمهية ليسا ذاتيين ولا وجوديين ولا مماثلين له بحيث يكون المعقول من الوجود عين المعقول من أحدهما (فتحققت مخالفته للمعقولات) أي أن النسبة بين الوجود وبين سائر المعقولات هو نسبة أحد المتخالفين بالآخر، وهذا تفريع لقوله : (ولا ضد له ولا مثل). بيانه : أن المتكلمين حصروا النسبة بين المعقولات في ثلاثة أقسام : التضاد والتماثل والتخالف، فإذا انتفى الأولان بقي الثالث لا محالة (ولا ينافيها) أي أن الوجود لا ينافى المعقولات فإنه يعرض لجميع المعقولات حتى للأعدام المعقولة فإن تعقل العدم عبارة عن وجوده الذهني كما لا يخفى. (مسألة) (ويساوق) الوجود (الشيئية) فكلما صدق الوجود صدقت الشيئية وبالعكس إذ كل وجود شيء وكل شيء وجود (فلا يتحقق) الوجود (بدونه) أي بدون الشيء (والمنازع) لهذا التساوق (مكابر مقتضى عقله) فإنه قد ذهب بعض إلى نفي المساوقة وقالوا : إن للمعدوم الخارجي ذاتاً ثابتة في الأعيان وهو شيء ولكن لا وجود له لا خارجاً ولا ذهناً، ومن البديهي بطلان هذا المذهب إذ لا ذات للمعدوم حتى تتحقق الشيئية بدون الوجود. وربما استدل لهم بأنه يقال للباري (واجب الوجود) ولا يقال (واجب الشيئية). أقول : هذا اصطلاح لا يدل على مطلوبهم من المغايرة كما لا يخفى. (وكيف تتحقق الشيئية بدونه) أي بدون الوجود (مع) أنه لو كانت المهيات ثابتة في العدم ـ تصدق عليها الشيئية بدون الوجود ـ للزم أحد أمرين : إما عدم القدرة أصلاً وإما أن يكون اتصاف المهية بالوجود موجوداً. بيان التلازم : انه لو كانت الذات ثابتة في العدم، فالمؤثر إما أن يؤثر في المهية وهو غير صحيح ـ على هذا القول ـ إذ المهية ثابتة مستغنية عن المؤثر، وإما أن يؤثر في الوجود وهو باطل أيضاً على قولهم إذ يرون أن الوجود حال والحال غير قابل للتأثير كما سيأتي، فبقى أحد الأمرين على سبيل منع الخلو : الأول أن تكون القدرة مؤثرة في اتصاف المهية بالوجود وهو باطل إذ الاتصاف أمر اعتباري. الثاني أن لا تكون قدرة أصلاً وهو باطل ضرورة لوجود القدرة والتأثير بالضرورة كاف (إثبات القدرة وانتفاء الإتصاف) دليل على عدم ثبوت للمعدوم (و) أيضاً كيف تتحقق الشيئية بدون الوجود مع (انحصار الموجود مع عدم تعقل الزائد) هذا برهان ثانٍ دالّ على انتفاء المهيات في العدم وهذا البرهان مركب من ثلاث مقدمات اثنتان منها مسلمة عند الخصم وواحدة ضرورية، أما المسلمتان فالأولى أن الأشياء ثابتة في العدم، والثانية أن لكل مهية كلية في العدم أشخاص غير متناهية مثلاً أشخاص الإنسان في العدم غير متناهٍ وكذا أفراد الفرس والشجر وغيرهما والمقدمة الضرورية هي أن الموجود لا يعقل منه أمر زائد على الكون في الأعيان وإذا ثبتت هذه المقدمات لزمهم المحال. بيانه : أن لكل مهية أشخاص غير متناهية كائنة وكلما كان كائناً كان موجوداً فلكل مهية أشخاص غير متناهية موجودة، وهذا بديهي الاستحالة إذ غير المتناهي مستحيل، ثم إن للقائلين بثبوت المعدوم حجتان : (الأولى) أن المعدوم متميز وكل متميز ثابت فالمعدوم ثابت، أما الصغرى فلأن المعدوم معلوم وكل معلوم متميز، وأما الكبرى فلأن التميز صفة ثابتة للمتمــيز وثبوت الصفة يستدعي ثبوت الموصوف فإن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له (و) هذه الحجة باطلة إذ (لو اقتضى التميز الثبوت عيناً لزم منه محالات) فإنّا وإن سلمنا الصغرى وقلنا إن المعدوم متميز ولكن لا نسلم الكبرى وهي كل متميز ثابت فإن شريك الباري متميز وليس بثابت بالضرورة وكذا سائر الأمور المستحيلة. الحجة الثانية لهم أن المعدوم ممكن وكل ممكن ثابت فالمعدوم ثابت، أما الصغرى فلأن المعدوم لو لم يكن ممكناً استحال وجوده وكان كشريك الباري وهــو ضروري البطلان، وأما الكبرى فلأن الممكنية وصف للمعدوم وثبوت الموصف يستدعي ثبوت الموصوف إذ لا يعقل قيام الصفة بنفسها (و) هذه الحجة أيضاً باطلة إذ (الإمكان اعتباري) لا متأصل خارجي والصفة الخارجية تحتاج إلى الموصوف لا الاعتبارية الذهنية وإلا فلو احتاج الصفة الاعتبارية إلى المحل لزم ثبوت شريك الباري ـ لاتصافه بالإمتناع ـ. والحاصل أن الإمكان (يعرض لما) أي لشيء كشريك الباري الذي (وافقونا) هؤلاء القوم (على انتفائه) فليكن سائر ما يعرض عليه الإمكان من هذا القبيل أي لا ثبوت له خارجاً. (مسألة) ذهب جماعة إلى أن هناك أشياء متوسطة بين المعدوم والموجود وسمّوها الحال وعرفوها بأنها صفة لموجود ولكن لا يوصف بالوجود والعدم وعلى هذا فالثابت أعم من الموجود، إذ الثابت يشمل الموجود والحال ـ والمنفي أعم من المعدوم، إذ المنفي يشمل المعدوم والحال (و) هذا المذهب باطلاً إذ (هو) أي الوجود (يرادف الثبوت، والعدم يرادف النفي فلا واسطة) بينهما، ثم إنهم استدلوا لثبوت الحال بأمرين : الأول : إن الوجود ـ كما تقدم ـ مغاير للمهية وعليه فالوجود إما موجود وإما معدوم وإما لا موجود ولا معدم والأولان باطلان فثبت الثالث وهو المطلوب، أما بطلان الأول فلأنه لو كان الوجود موجوداً لزم التسلسل. بيانه : أن معنى موجودية الوجود اتصافه بوجود آخر فننقل الكلام في الوجود الثاني فهو إما موجود أو معدوم أو واسطة وهكذا، وأما بطلان الثاني فإنه لو كان الموجود معدوماً لزم التناقض (و) هذا الدليل باطل إذ (الوجود لا يرد عليه القسمة) بهذا النحو فإنه من قبيل تقسيم الشيء إلى نفسه ونقيضه ومثله قول من يقول : الأبيض إما أبيض أو أسود والإنسان إما إنسان أو حمار هذا جواب نقضي، والحل أن الشيء لا يردد بين نفسه وغيره إذ المردد يلزم أن يكون أعم من الفردين بالجنسية كالحيوان المردد بين الإنسان والفرس أو العرضية كالماشي المردد بينهما. الدليل الثاني للقائلين بثبوت الحال أن اللونية أمر ثابت مشترك بين السواد والبياض وكل واحد من السواد والبياض ممتاز عن الآخــر بأمر مغاير لما به الاشتراك، وحينئذ فهذان الأمران إن كانا موجودين فإما أن يكونا جوهرين وإما أن يكونا عرضين، والأول باطل للزوم كون الألوان جوهراً، والثاني كذلك للزوم قيام العرض بالعرض، وإن كانا معدومين لزم عدم وجود الألوان وهو باطل بالضرورة، (و) الجواب من وجهين : الأول : إن (الكلي) الذي هو اللون (ثابت ذهناً) وليس في الخارج موجوداً حتى تكون اللونية غير البياض مثلاً فالبياض أمر بسيط وكذا سائر الألوان وإنما ينتزع الذهن منها أمراً واحداً هو اللون، وحيث إن الدليل مبني على المغايرة بين اللونية والبياض كان إبطال المغايرة إبطالاً للدليل كما لا يخفى. (و) الثاني: إنه على فرض المغايرة نقول بأن البياض والسواد أعراض لا جواهر وقولكم بأنه يلزم منه قيام العرض بالعرض لا مانع فيه إذ (يجوز قيام العرض بالعرض) كما سيأتي، فإن الخط المنحني من هذا الباب إذ الانحناء عرض قائم بالخط الذي هو عرض (ونوقضوا بالحال نفسها) أي نقض القائل بنفي الحال القول بالحال بأنه لو كان الحال ثابتاً لزم التسلسل. بيان ذلك : ان الأحوال متكثرة إذ كل من الوجود والسواد والبياض ونحوها حال، فهذه الأحوال تشترك في أصل الحالية وتختلف في بعض الأمور الأخر وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز، ثم إن ما به الامتياز إما موجود أو معدوم أو لا موجود ولا معدوم، فالأول والثاني باطلان باعترافهم فيبقى الثالث فيلزم أن يكون للحال حال، ثم ننقل الكلام في الأحوال الواقعة في المرتبة الثانية وهكذا. (و) إن قلت : هذا النقض غير وارد لأنه لا نسلم أن الحالات تتماثل وتشترك في أصل الحالية بل الحال لا تقبل التماثل والاختلاف، على أنه إن سلمنا ذلك نقول : إن لزوم التسلسل ليس بمحذور إذ التسلسل في باب الأحوال غير مضر. قلت : (العذر بعدم قبول التماثل والاختلاف و) الذهاب إلى (التزام التسلسل) في باب الأحوال (باطل)، أما الأول فلأن كل معقول إذا نسب إلى معقول آخر فإما أن يكون المقصود من أحدهما عين المقصود من الآخر ـ بقطع النظر عن العوارض المشخصة ـ وهما المتماثلان أو لا يكون كذلك وهما المختلفان، وحيث إن الحال من الأمور المعقولة عندهم لابد وأن تكون كذلك، وأما الثاني فلأن التسلسل مطلقاً باطلة كما سيأتي ـ تنبيهان ـ (فيبطل) ببطلان القول بثبوت المعدوم والقول بثبوت الحال (ما فرعوا عليها) أي على هذين الأصلين ونذكر ههنا (من) فروع القولين بعضها ونبدأ بفروع بثبوت المعدوم وهي أمور : (الأول) ـ (تحقق الذوات عين المتناهية في العدم) قالوا إن لكل نوع أفراد غير متناهية ـ كما تقدم. (و) الثاني ـ (انتفاء تأثير المؤثر فيهما) أي في تلك الذوات الثابتة في العدم فإن الفاعل لا يجعل الجوهر جوهراً ولا العرض عرضاً وإنما يجعل تلك الذوات موجودة. (و) الثالث ـ انتفاء (تباينها) فإن الذوات لا تباين بينها في العدم بل كلها متساوية وإنما الاختلاف بينها يحدث في حال وجودها. (و) الرابع ـ (اختلافهم في إثبات صفة الجنس) كالجوهرية والسوادية (وما يتبعها) كالحلول في المحل التابع للسوادية فإنهم اختلفوا (في) أنها ثابتة حال (الوجود) فقط أو هي ثابتة حتى حال العدم. (و) الخامس ـ اختلافهم في (مغايرة التحيز للجوهرية) وعينيتها لها وعلى تقدير المغايرة فهل يوصف الجوهر في حال العدم بالتحيز أم لا؟ وكيف كان فهل الجوهر حال العدم حاصل في الحيز أم لا؟ (و) السادس ـ اختلافهم في (إثبات صفة المعدوم بكونه معدوماً) فذهب بعضهم إلى أن المعدوم يتصف بكونه معدوماً ونفاه آخرون. (و) السابع ـ اختلافهم في (إمكان وصفه بالجسمية) فهل يقال للمعدوم جسم أم لا؟ (و) الثامن ـ اختلافهم في (وقوع الشك في إثبات الصانع بعد اتصافه بالقدرة والعلم والحياة) فإنهم لمّا جوَّزوا اتصاف المعدومات بالصفات الثبوتية ـ لكون المعدومات ثابتة ـ قال بعضهم : بأنه إذا علمنا بأن هناك ذاتاً ثابتة صانعة قادرة عالمة حية جاز لنا الشك في كونه موجوداً أم لا، إذ الثبوت لا يلازم الوجود ـ كما تقدم ـ . وكيف كان فحيث بطل أصل ثبوت المعدوم بطلت فروعه مع أن كلاً منها باطلة في حد ذاتها كما لا يخفى. (و) حيث فرغ من بيان تفاريع ثبوت المعدوم أشار إلى فرعين من تفاريع الحال : الأول ـ (قسمة الحال إلى المعلل وغيره) قالوا : الحال إما معلل أي يعلل اتصاف المحلل بالحال بصفة موجدة قائمة بما هو موصوف بالحال. مثلاً العالمية حال لزيد واتصاف زيد بهذا الحال ـ أي العالمية ـ معلل بالعلم القائم بزيد، وإما غير معلل وهو أن يكون الاتصاف بالحال لا لأجل صفة قائمة بالمحل، مثلاً الوجود حال للمهية واتصاف المهية بالوجود ليس بسبب صفة قائمة بالمهية. (و) الثاني ـ (تعليل الاختلاف) الحاصل في الذوات (بها) أي بالأحوال، فالذوات كلها جوهرها وعرضها متساوية في المهية وإنما تختلف بالأحوال الطارئة عليها (وغير ذلك) من الفروع الفاسدة (مما لا فائدة بذكره) والإضراب عنه أجدر. (مسألة) في الوجود المطلق والخاص ومقابلهما (ثم الوجود قد يؤخذ على الإطلاق) فيتصور نفس الوجود بلا تصور لمعروضه (ويقابله عدم مثله) مطلق غير مقيد بشيء أصلاً (و) الوجود المطلق والعدم المطلق (قد يجتمعان) في محل واحد لكن (لا باعتبار التقابل) فأنّا إذا تصورنا المعدوم المطلق، تصادق عليه العنوانان، الوجود المطلق لكونه في الذهن وكلما كان في الذهن فهو موجود، والعدم المطلق لأن المفروض أنه معدوم في الخارج فبالقياس إلى الخارج معدوم وبالقياس إلى الذهن موجود، وأما لو أخذا باعتبار التقابل فلا يعقل اجتماعهما إذ الوجود في كل مكان ليس معدوماً فيه وبالعكس (و) حينئذٍ (يعقلان معاً) مجتمعين في محل واحد كما تقدم (وقد يؤخذ) الوجود (مقيداً) أي منسوباً إلى مهية (فيقابله عدم مثله) منسوباً إلى نفس تلك المهية المنسوب إليها الوجود كوجود زيد وعدم زيد (ويفتقر) هذا العدم المقيد (إلى الموضوع) المنسوب إليه (كافتقار ملكته) فكما أن الوجود الخاص يحتاج إلى محل ومهية فالعدم الخاص يحتاج إلى محل ومهية. ثم لا يخفى أن تقابل الوجود المطلق والعدم المطلق هو تقابل السلب والإيجاب وأما تقابل الوجود والعدم الخاصين فهو تقابل العدم والملكة وعدم الملكة عبارة عن عدم شيء عن شيء آخر مع إمكان اتصاف الموضوع بذلك الشيء كالعمى الذي هو عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيراً فالجدار لا يسمى أعمى وإن لم يكن له بصر (ويؤخذ الموضوع) الذي يضاف إليه عدم الملكة (شخصياً) عند المشهور فعدم اللحية عند الأمرد عدم ملكة وعدمها عن الأنثى سلب وليس بعدم ملكة (ونوعياً) عند جماعة فعدم اللحية عن الأنثى أيضاً عدم ملكة فإن اللحية حيث كان من شأنها اتصاف نوع الإنسان بها ـ في الجملة ـ كان سلبها عن كل فرد من النوع عدم ملكة (وجنسياً) عند شاذ فعدم اللحية عند الحمار أيضاً عدم ملكة. (مسألة) في بساطة الوجود (ولا جنس له) أي للوجود إذ ليس شيء أعم من الوجود، ومن المعلوم أن الجنس ما كان أعم من الشيء (بل هو بسيط) لا جزء له أصلاً لا الجزء الجنسي لما تقدم ولا الجزء غير الجنسي (فلا فصل له) إذ الفصل هو الجزء المميز لبعض أفراد الجنس عن بعضها الآخر وحيث لم يكن للوجود جنس فلا فصل له. إن قلت : عرفنا عدم الجنس والفصل للوجود فَلِمَ لا يكون الوجود مركباً من شيئين كتركب السكنجبين من الخل والسكر؟ قلت : الجزآن إن كانا موجودين نقل الكلام فيهما وتسلسل وإن كانا معدومين ثم حصل الوجود من التركيب كان التركيب في فاعل الوجود أو قابله ـ كما تقدم في أول الكتاب فراجع. (مسألة) (ويتكثر) الوجود (بتكثر الموضوعات) فإن الوجود طبيعة واحدة كلية فإذا تحققت هذه الطبيعة في زيد وعمرو وبكر وغيرهم من الحقائق تكثرت إذ وجود كل واحد منهم غير وجود الآخر، ويصدق الوجود المطلق على هذه الوجودات صدق الكلي على جزئياته كما لا يخفى. ثم إن الوجود المطلق له نسبتان إلى هذه الأفراد ونسبته إلى عوارض هذه الأفراد ـ أي وجوداتها ـ نسبة الكلي المشكك إلى أفراده ونسبته إلى معروضات هذه الأفراد أي مهياتها نسبة العارض إلى معروضاته فلذا قال المصنف (ره) : (ويقال) أي يحمل الوجود المطلق ويصدق (بالتشكيك على عوارضها) أي الوجودات الجزئية العارضة للمهيات، وذلك لأن الكلي إن كان صدقه على أفراده على حد سواء بدون أولوية وأولية لبعض الأفراد على بعض كان الكلي متواطياً لتواطي أقدام الكلي بالنسبة إلى الأفراد كالإنسان فإنه متواطي بالنسبة إلى أفراده إذ زيد ليس أولى بأن يكون إنساناً من عمرو وهكذا، وإن كان صدق الكلي على بعض أفراده أولى أو أقدم أو أشد من بعض كان الكلي مشككاً وذلك مثل الوجود فإن الجوهر أولى بالوجود من العرض والوجود في الواجب أقدم من الوجود في الممكن، وحيث كان الوجود مقولاً بالتشكيك (فليس جزءاً من غيره مطلقاً) لا جزء أفراده أي الوجودات الجزئية ولا جزء المهيات المعروضة لهذه الوجودات. وإنما أتى بفاء التفريع لأن الكلي المشكك لا يكون جزءاً من أفراده لامتناع التفاوت في المهية فإذا ثبت كون الوجود مشككاً ثبت امتناع كونه جزءاً. والحاصل أن الوجود بالنسبة إلى المهيات الجزئية عارض وبالنسبة إلى الوجودات مشكك فلا يكون جزءاً أصلاً. (مسألة) (والشيئية من المعقولات الثانية) وهي ما لا يعقل إلا عارضاً لمعقول آخر مقابل المعقولات الأولية التي تعقل ابتداءاً كالإنسان والحيوان ونحوهما (وليست) الشيئية (متأصلة في الوجود) أي ليس لها وجود خارجي مقابل سائر المهيات وإلا لزم التسلسل لأنها تكون حينئذ لها شيئية أخرى وهكذا (فلا شيء مطلقاً) أي الشيئية المطلقة التي هي غير مقيدة بما يعرضها (ثابت) في الخارج (بل هي تعرض) عروضاً عقلياً (لخصوصيات المهيات) فزيد شيء وعمرو شيء، وهكذا، وليس هنا شيء مستقل غير عارض لغيره. |