الفهرس

فهرس المجموعة السابعة

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

أُمّي

كم أخجل - يا أماه - أني كنت في القديم، لا أعرف قدرك، ولا أنزلك منزلتك التي تليق بك، ولا أحترمك حق احترامك، ولا أكون عند أوامرك ونواهيك، ورغباتك وطلباتك، بل كنت قد أنظر إليك بنظر المهانة والازدراء، عوض أن أرمقك بالعظمة والكبرياء.

آه وما أكثر ما حملتِ من أجلي من التعب، وعانيت من النصب، فقد حملتني إبان كنت جنيناً في أحفظ عيبة عندك، بين حنايا ضلوعك، متصلاً بفؤادك الذي هو منبع الرحمة والخير، فكان ثقلي ينوء بك عن القيام والقعود، والذهاب والإياب، فكنت تحملين ذلك راضية مغتبطة، فرحة مستبشرة، فلم أكن أزدد - وأنا جنين - إلا ثقلاً على ثقلك، ووهناً على وهنك، وما كنت تزيدين، إلا رضاً على رضا، وصبراً على صبر.

فلما أن اقتربت ولادتي، وأزفت حياتي، تحملت من آلام الطلق والمخاض، ما لا يحمله بشر، ولا يدرك قدرك إلا أم مثلك، فكنت تتململين تململ السليم، تتنهدين مرة، وتكبين من شدة الوجع مرات، يندبك كل من يسمع صوتك، ويرى تغيرات لونك، ويصغي إلى آهاتك، حتى القابلة لم تكن تقدر على أن ترى حالاتك، وكنت مع ذلك كله، صابرة محتسبة، تتوسلين إلى الله تعالى في أن يسهل عليك الولادة، وتتضرعين إليه في أن ترين قرة عينيك، وثمرة فؤادك.

آه! ما أخجلني يا أماه، من هذه اللفظة: (قرة عينيك، وثمرة فؤادك).

وإذ سقطت إلى الأرض، وزرت هذا العالم لأول مرة، استبشرت وكادت غبطتك بي أن تنسيك آلامك، فعلق قلبك بي، وقرت بولدك عينيك، وثلج فؤادك، وبكيت فرحاً وسروراً، وغبطة وحبوراً، ثم كببت على رضاعي وحفظي، فكرست حياتك كلها علي، فكنت لا تنامين حتى أنام، ثم يوقظك من أعمق نومك اللذيذ، صوتي الذي يقرع مسامعك فتقومين راضية، لا ترين أذية من إزعاجي إياك.