| الفهرس | المؤلفات |
|
الدار الآخرة |
|
إن من ضيق النظر، وسفيف الفكر، وقصور العقل، وضنك الإدراك أن يتخيّل أحد أنه مادي محض، لا يربطه بالروح وشيجة، ولا يعلق بما وراء الطبيعة بعلاقة، ولا يجمعهما حبل، ولا تشملهما صلة. تبرهن العلوم الحديثة على أن الإنسان لم يخلق من مادة فقط، وإنما هو مزيج من مادة وروح. المادة تقوم بالواجبات المادية، والروح تقوم بالفكر والاختراع. إذا بطلت المادة، فبقيت هامدة، ولفظت جوهرها العلوي الشريف، فقد أثبت علم النفس أن الروح تبقى، ودعم العلم التجربة التي يقوم بها أصحاب التنويم المغناطيسي، الذي صار في عصرنا الحاضر من أوليات المعلومات، لا ترفرف حائمة الشك عليها، إن بقاء الروح لممّا يُدهش الإنسان. أترى تبقى في نعيم وسعادة، وتحلق في أجواء الهناء تحليق الحمامة البيضاء في القبة الزرقاء؟ أم تبقى في بؤس وشقاء وعذاب وألم؟ هذا هو الشغل الشاغل للعلماء الروحيين. كشف القناع عن وجه هذه المشكلة، وحل هذه المعضلة الشرائع الإلهية بما فيها من المجوسية واليهودية والنصرانية والإسلامية، حيث ترى هذه الديانات أن الروح تبقى في إحدى الحالتين: إما رَوْح وريحان، وجنة ورضوان، بين حور وغلمان، في بلهنة من العيش آمنة وادعة فاكهة، لا يُحزن صاحبها فزع، ولا ينتابه مضض، ولا يدخله هم، ولا يجد الألم إلى قلبه طريقاً، والمرض إلى جوارحه سبيلاً. وإما عذاب أليم، ونار وجحيم، في حزن وانكسار، وذلة وصغار، لا يُعرف له قدر، ولا يُقبل منه عذر. ثم إن الديانات لم تجعل هذه النتائج وليدة الصدفة، بل جعلتها نتيجة الأعمال، فإن طوى الشخص عمره فضلاً وكمالاً، وبراً وإحساناً. صدق، وأخلص وجد، وتواضع وواسى، وأحسن، ووفى بوعده، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وصلى وصام وحج، وأطاع، ولم يفسد في الأرض، ولم يسرق، ولم يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولم يزن ولم يسرق، كان من أهل النعيم، تتلقاهم الملائكة طيبين سلام عليكم طبتم فادخلوا الجنة خالدين، وهم على سرر متقابلين، لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، ودانية عليهم ظلالُها وذللت قطوفها تظليلاً. وإن أسلف سعادته في الفضائح، وباع نفسه بالضلال والآثام، وتبع شهواته، دؤوباً في الشر، بعيداً عن الخير، وظلم وأفسد، وبخل واستغنى، وكذب بالحسنى، وقتل ونهب، وسرق وسلب، وغشّ الناس، ومنع الماعون، وآذى جاره، وقطع رحمه، وعقّ والديه، كان جزاؤه ناراً تحيط به سرادقها، وإن استغاث يغاث بماء كالمهل، بئس الشراب وساءت مرتفقاً، وكلما نضجت جلوده بدلت بجلود غيرها ليذوق العذاب بما كان يصنع، يقول: ارجعوني لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها، ولو رُدّ لعاد لما نُهي عنه، فهو في غمّ وحزن، ونار ولهب، خالد، لا يخفّف عنه العذاب، وما له من أنصار، ولا حميم يُطاع، ولا شفيع يُسمع. هذه هي الدار الآخرة، وهذه صفتها، وهذه ما دعا إليها الأنبياء المصلحون (عليهم السلام)، والأئمة الهادون (عليهم السلام)، والعلماء الأتقياء. إن الدنيا الحاضرة ليست أكثر من مدرسة، فكما أن الطالب لو أكمل دراسته الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والعالية، مما لا يطوي أكثر من ثلاثين سنة على الأكثر، فإذا به قد نال الشهادة الراقية، وتسنّم كرسياً مرموقاً، وانهال من أطرافه العز، ونال الوظيفة الفخمة، إن كان من أصحاب الوظائف، أو درّ عليه الرزق من مراجعيه، إن لم يكن من ذوي الرواتب، وقضى بقية عمره التي تتراوح بين الثلاثين والأربعين - على الأغلب - في هذه الرفاهية. وذلك بخلاف من كسل عن الدرس، وبطل عن الحضور، حتى آل أمره إلى الرسوب، فإنه لا يجزى بالحسنى، بل إما أن يبقى في فقر مدقع، وذلّ موجع، أو لابد له أن ينشط في عمل آخر حتى يتخذه سلماً إلى العيش، يستظل بظلاله من لفح الحياة. إن الدنيا كالمدرسة، والعمل الصالح كالدروس المتحضرة، والرجل الخير كالتلميذ النشيط، والرجل الفاسد، كمن جعل الدرس وراءه ظهرياً. منتهى الأمر أن الفرق بين المدرسة وبين الدنيا، أن الأولى تستغرق ثلاثين سنة، والثانية تستغرق ستين، ودار الجزاء للأولى هي الدنيا، وللثانية هي الدار الآخرة. ولكن هناك فروق لا تخفى، فإن جزاء النجاح في الدروس ضئيل وإن كثر قدره، وعزّ محدود وإن تعاظم شأنه، ولوقت قصير وإن طال أمده، مشوب بالكدرة وإن صفي مورده، وذلك على خلاف النجاح في الدنيا بأخذ الشهادة العالية للدار الآخرة، فأنعمه لا تُعدّ كثرة، وعزّه لا يُحدّ سعة، وأمده إلى غير النهاية، عذب رقراق خال عن الأعراض والأمراض والأحقاد، لا يصيبه نصب ولا ظمأ ولا مخمصة ولا يحزنه فزع، ولا يشوب قلبه غِلّ، ولا يحمل فؤاد أحد عليه موجدة، دار عجيبة، ورفاق متصافون، وأزواج متحابون. إن من البعد عن صوت الضمير أن يترك الإنسان مثل هذا الموصوف الذي لا يتقاضى من الثمن إلا ساعات قلائل، وصبراً يسيراً، ومخالفة للشهوات التي يغلب عليها كونها تهدد الكيان الفعلي، مثلاً: الخمر تورث الأمراض، والخداع يوجب النفرة، والكذب يُزيل الاعتماد، والزنا بؤرة الزهري، والربا محق للأموال، كما درسنا تاريخ اليهود وغيره وما أشبه. إن الحياة لابد وأن ينتهي شوطها، والآمال وإن بدت جساماً أمام عدسة الفكر، لكنها لا تلبث أن تنقلب مألوفة بعد الفوز بها، حتى أن ساكن القصر لا يتذوق من لذته شيء، بعدما كان يُخيل إليه شيء وألف شيء حينما كان يسكن الكوخ، وما إلى ذلك من سائر الملاذ.. فلو فُرض أن الداعين إلى الدار الآخرة، أخطأوا، ولم يصيبوا الرمية، لكان هذا الثمن الزهيد قبال هذا المثمن الذي دعَوا إليه ، مما يجب إعطاؤه احتمالاً للفوز بالثمن. أليس الإنسان يخاطر بمال ضئيل تجاه احتمال ربح كبير، وإن كانت النسبة المجوزة للفوز قليلة جداً، بل نراهم يخاطرون بالنفس التي هي أكبر مقومات الحياة، وفي هذا بلاغ لقوم مفكرين. ألا فمن شاء النجاح فليدخل هذه المدرسة، وإن مضى من عمره ما مضى، فإنها ترحب حتى بالكبير الذي أشرف على التسعين، بشرط أن يصفّي ما سبق، ويجدّ فيما لحق، ومن أراد الآخرة فليحسب الخسار المحتمل. |