الفهرس

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

دفع شبهات حول القانون الإسلامي

ممّا يؤخذ على القانون الإسلامي: ما يزعم من كبته لبعض الحريّات التي يمنحها قانون الأنظمة الديمقراطية للإنسان، من قبيل تنفيذ الإنسان ما يشتهيه لنفسه: كشرب الخمر، والزنا، والسحق، واللواط، والقمار، والربا برضى الطرفين، والغناء وما أشبه ذلك.

وتقريره لقانون الإسترقاق والرقّية وإلغاء الغرب ذلك حيث ألغاه إبراهيم لنكولن.

وحرمانه المرأة من حقّها المساوي لحقّ الرجل في بعض الشؤون.

وشدّته في بعض القوانين الجزائية كقانون الحدود والقصاص، والديات والتعزيرات.

وقاطعيته في تطبيق الفرايض من الموجبات كالصلاة والصيام، والكف عن المحرّمات كالتظاهر بالفسق والخلاعات.

بينما اللازم أن يترك الإنسان وشأنه فيما لم يضر الآخرين، فإنّ هذه التشديدات - حسب ادعائهم - إضافة إلى انها كبت للحريات تضر التقدّم، إذ ليس للإنسان وقتان: وقت يصرفه على نفسه، ووقت يصرفه في تقديم الزراعة والصناعة والعمارة والتجارة وغيرها.

لكن كل هذه التي ذكرت في المؤاخذة على الإسلام هي في الحقيقة من مناقب الإسلام حتى مع قطع النظر عن وجوب اطاعة أوامر اللّه تعالى العالِم بما يصلح الإنسان ويفسده - كما نعتقد نحن المسلمين -.

وبيان ذلك وان احتاج إلى تفصيل في الكلام وذكر الشواهد والدلائل لكنا نقتصر في هذا المبحث إلى موجز الجواب ونقول:

كبت الحريّات

1 - اما انه كبت للحريّات، فلا شكَّ في ان الحرية يجب أن تكون في اطار مصلحة الإنسان بما هو إنسان، فلا يضرّ نفسه ولا يضرّ الآخرين، وإلاّ كان من الفوضى والخبال، فهل يصح أن يقال: بحرّية القتل وسفك الدماء وسرقة الأموال وهتك الأعراض والإنتحار وما أشبه ذلك؟

فإذا لم يصح ذلك لم يصح ما ذكر عن الحريات المزعومة ففوضى الجنس بالزنا واللواط والسحق والإستمناء كلّها توجب هدم العائلة، وعنس الفتيات، وضعف الأعصاب ومختلف الأمراض كالأمراض الزهرية والايدز وغيرها، كما ثبت كلّ ذلك علميّاً، حتّى الغناء ثبت انه يوجب ضعف الأعصاب وهو مبعث أمراض خطيرة ممّا ابتلى بها في الغرب، وإن كان يعلوه ظاهراً بريق الحضارة.

الإسترقاق

2 - وأما الإسترقاق والرقية: فقد ذكرنا في كتاب: «العتق من الفقه»: انه أفضل طريق عقلائي قرّره الإسلام لحفظ كرامة الإنسان.

لكن حيث يأتي في الأذهان اُسلوب الإسترقاق عند الخلفاء والاُمراء، الذي كان خلاف الإسلام مائة في مائة، ظهر بهذا المنظر البشع، حاله حال ما إذ غلّفت الديكتاتورية بغلاف ديمقراطي حيث يزعم الرائي، ان الديمقراطية سيّئة، بينما عمل الديكتاتور سيّء لا الديمقراطية نفسها.

وكيف كان: فقد ذكرنا هناك: ان أسرى الحرب يخيّر فيهم بين:

المَنّ.

والفداء.

والسجن.

والنفي.

والقتل لمجرميهم.

والإسترقاق مع إعطاء كامل الحريّة للرقّ ماعدا انه في ظل إشراف سيّده ومولاه.

فإن الإسلام يقرّ قانون الرق في اطار انساني عادل.

ومن ناحية اُخرى: عالج الإسلام مسألة الإسترقاق الذي كان أمراً متعارفاً في الجاهلية يحصلون عليه من كل طريق ويتعاملون معهم بأسوء ما يمكن، فحصر طريقه في أسرى الحرب أولاً، على انه سادس الخيارات كما مرّ.

ثم حاول حلّ مشكلة الإسترقاق وأكّد على حسن المعاشرة وبيّن حقوقهم ثانياً.

وحبّذ على عتقهم ورتّب عليه الثواب الكثير ثالثاً.

وما ظهر في الغرب من الغاء الرق المتواجد هناك حيث كان بنظر الإسلام من أشدّ أنواع التعامل الوحشي مع بني الإنسان باسم الرقّ، فإنهما يعود فضله إلى الإسلام، وذلك لأنّ عدالة الثقافة الإسلامية وتعامله الإنساني مع الرق سلطت أضواءها الكشافة على بشاعة الإسترقاق السائد في الغرب مما اضطرّ من أجلها لنكولن وأمثاله إلى إلغائه، ومطالعة كتاب: «تشريح جثة الإستعمار» يُعطي ما ذكرناه بجلاء.

حرمان المرأة

3 - أما حرمان المرأة من بعض الحقوق: فقد أشرنا إلى جوابه فيما سبق، وفصلناه في: «الفقه» وفي بعض الكتب الخاصة التي كتبناها حول المرأة، مما خلاصته:

ان الإسلام أخذ بعين الإعتبار صلاح المرأة وكرامتها، وسنَّ لها من الحقوق ما يتفاوت مع حقوق الرجل حفظاً لفطرتها وعواطفها، وابقاءاً على شخصيتها وكرامتها، فلا حاجة إلى الإعادة تفصيلاً.

القوانين الجزائية

4 - أمّا شدّته في القوانين الجزائية:

فإن اُريد ما هو في الزنا، فإنه لا يثبت إلاّ بقيود كثيرة لا تتوفّر غالباً مثل: أربعة شهود عدول يشهدون انهم رأوا ذلك كالميل في المكحلة، أو أربع مرّات من الإقرار مع كامل الإختيار، ولا يتفق وقوع مثل هذا إلاّ نادراً ولا يكون في كل عقد من الزمان إلاّ مرتين أو ثلاث، فوضع مثل هذه العقوبة أقرب إلى التخويف من التحقيق وصيانة المجتمع وحفظه.

وإن اُريد ما هو في السرقة، فإنه لا يثبت إلاّ بعد توفـّر زهاء خمسين شرطاً كما ذكرناه في بعض مباحث الفقه.

ولذا ذكر بعض الكتاب المصريين: انه لم يتفق قطع اليد في السرقة، طوال مائتي سنة في الدولة الإسلامية إلاّ ثمان مرّات فقط، ولنفرض ان في هذا العدد اشتباه وتقليل، لكن ذلك الماع إلى قلّة ذلك، قلّة كبيرة فهل في هذا مأخذ؟

وإن اُريد ما هو في القصاص: فإنّ القصاص قد قرّره حتّى بعض بلاد الغرب الذين يعدّون أنفسهم متحضّرين.

هذا مضافاً إلى أنّ للإمام العفو في كلّ ذلك إذا رآه صلاحاً، كما ذكرناه في «الفقه»، وإن كان المشهور لا يقولون بهذا الإطلاق، لكن الدليل دل عليه حسب استظهارنا من النصّ.

وقد ذكر عبد الرزاق عودة وغيره شيئاً من فلسفة العقوبات في كتابه: «التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي» ما يلقي بعض الضوء على هذا الجانب من التشريعات الإسلامية.

ويفيد مطالعة مثل هذا الكتاب رفع الإلتباس والإشتباه، وحيث انا لسنا في هذا الكتاب بصدد فلسفة التشريع نتركها لموضعها.

الواجبات والمحرّمات

5 - وأما قاطعيته في تطبيق الفرائض الواجبة والكفّ عن المحرّمات: فقد ثبت علميّاً ان الواجبات وكذلك المحرّمات قد شرّعت كلها بفلسفة دقيقة وحكمة بالغة، وان القانون الوضعي الذي لم يُراع هذه الاُمور قد أخطأ وذاق وبال عدم رعايته لها.

مثلاً: التخلّي عن الواجبات، كالإيمان باللّه تعالى يقلق الروح ويزرع فيه الخوف والإضطراب، ويبعد الإنسان عن الإطمينان والسكينة، ويورده موارد الدمار والهلكة من الإبتلاء بالأمراض العصبيّة والروحية، ويجرّه إلى الإنتحار والموت.

وما أكثر هذا البلاء اليوم في العالم الناتج من جرّاء ترك الواجبات وارتكاب المحرّمات، فإن ارتكاب المحرمات أيضاً كذلك.

مثلاً: الزواج بالمحارم يسبب ضعف النسل وقلّته، وإصابته بالأمراض والعاهات، ولذا ضعف نسل المجوس إلى حدّ الابادة والإنقراض أحياناً.

إذن: فليس المهم أن لا يضر الإنسان الآخرين فحسب، بل المهم أن لا يضرّ نفسه أيضاً، ولذا حرّم الإسلام الخمر والقمار والغناء لأنها تضرّ النفس، كما ملأ العلماء بذلك الكتب، وهكذا حرّم المخدّرات وما إلى ذلك.

ثم هل يقال: انه ليس للإنسان وقتان: وقت لاتِّباع القوانين الموضوعة - وما أكثرها - ووقت لمواصلة طريق التقدّم؟

فإنه إن لم يلاحظ المحرّمات والواجبات، لا يبقى انسان ملتزم، ولا مجتمع واق حتّى يتمكّن من التقدّم؟

إذن: فمثل هذا الإشكال هو أن يقال: لماذا وضعت المناهج الصحّية، أو مناهج المرور، أو مناهج رعاية الصيف والشتاء، والأكل والشرب، والرياضة الجسمية والتربية البدنية، وغير ذلك، إذ ليس للإنسان وقتان.

ولا يخفى ان المقصود من هذه المسألة الإلماع لا الاستيعاب، وإلاّ فهو بحاجة إلى اسهاب لا يناسب هذا الكتاب.

 

تتمة