| المؤلفات |
القانون ومراحله الأولية |
إذا شرّع مجلس الاُمّة قانوناً من دون أن يمرّ بالمراحل التي ذكرناها ـ في كيفية التقنين ـ في المسألة السابقة، أو انقسم المجلس، أو مجلس الوزراء، أو مجلس الأعيان، أو المدراء في وزارة واحدة، أو ما أشبه ذلك إلى قسمين متساويين بحيث لم تكن أكثرية متّبعة، فهناك سلطتان لهما الحق في الجرح والتعديل وفي اختيار أحد الطرفين: - الاُولى: شورى الفقهاء، لأنهم السلطة العليا في الدولة. الثانية: المحكمة العليا للقضاء، وهي تتشكّل من كبار الأخصائيّين الزمنيّين والدينيّين، والقضاة والفقهاء، ومن إليهم، للنظر في القضايا الرئيسية، ثم الحكم ـ مثلاً ـ بأنّ هذا القانون مخالف للموازين الإسلاميّة المذكورة في الأدلة الأربعة، أو موافق لها، أو الحكم لأحد الطرفين، أو بلزوم تعديله زيادة ونقيصة. وأما إذا وقع الخلاف في شيء بين شورى الفقهاء، والمحكمة العليا، فالمتبع هو شورى الفقهاء، لأنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسب قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « اللّهمّ ارحم خلفائي »(1) ووكلاء الأئمة المعصومين عليهم السلام من أهل بيته عليهم السلام حسب الحديث المأثور: « فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه عليهم »(2) وقد فرض انهم مراجع الاُمّة الذين قلّدتهم الاُمة، و فوّضت إليهم رعاية شؤون دينها ودنياها. أما حق شورى الفقهاء في مراقبة القوانين والحكم عليه، فلا اشكال فيه لما عرفت. وأما حق القضاء في ذلك فقد أشكل عليه: بأنه من التدخل في سلطة اُخرى، وكما لا يحق للسلطة التنفيذية التدخل في القضاء، فكذلك لا يحق للقضاء التدخل في السلطة التشريعية، فإذا جعلتم للقضاء حق التدخّل كان معناه: عدم الفصل بين السلطات، مع ان الفصل بينها هو اللازم، إذ بدون الفصل يلزم الإستبداد، وفي الإستبداد تضييع لحقّ اللّه تعالى حيث جعل الأمر شورى، وتضييع لحق الاُمّة حيث انهم اختاروا من يراعي مصالحهم، وقد قال علي عليه السلام: «أن يختاروا»(3) كما ذكرناه في «الفقه: الدولة»(4). ثم لتقريب ان للقضاء الحق في التدخّل نقول: هل من الصحيح ـ عقلاً ـ أن يكون للقاضي الحق في الفصل في القضايا الفردية، مثل دار متنازع عليها، ومشكلة عائلية اختلف فيها، وما أشبه ذلك، ولا حق له في الفصل في القضايا الإجتماعية، التي هذه الجزئيات من جزئيّاتها؟ هذا بالإضافة إلى ان دليل القضاء شرعاً وعقلاً مطلق يشمل كل أنحاء النزاع والقضاء، إذ ليست مهمة القاضي حل النزاعات فقط، بل النظر في غيرها أيضاً، مثل ان هذا الوقف ماذا ينبغي أن يعمل به؟ أو هذا الثلث كيف يتصرّف فيه؟ أو ما أشبه ذلك. |
الجواب على إشكال مقدر |
وانما قلنا باتساع دائرة عمل القضاء إلى مراقبة القانون لندفع به اشكالا مقدراً يقول: ان كلامكم سليم في تدخل القضاء في النزاعات التي تثار حول القانون، أمّا من أين له الحق في بيان ان هذا القانون مطابق لكليات الشريعة أو انه غير مطابق لها، مع ان المفروض عدم وجود نزاع حوله، وذلك كما إذا وضع مجلس الاُمّة قانوناً، أو وضعت الوزارة لائحة بالنسبة إلى موظفيها، مع فرض انه لا نزاع لأحد في ذلك القانون، وتلك اللائحة؟ وكيف كان : فقد ذكرنا إلى هنا نظريّتين ـ لأرباب القوانين العالمية ـ بالنسبة إلى القضاء: فنظرية تقول: بأنه يحق له التدخّل، واُخرى تقول: بأنه لا يحق له التدخّل، وانما ذكرناهما نحن لنرى ان أيّة واحدة منهما أقرب إلى الشريعة الإسلامية. وهناك نظرية ثالثة تقول: بالتفصيل بين شكلية القانون وبين موضوع القانون، فالقضاء له الحق في التدخّل في (شكلية) القانون لا في (موضوعه). مثلاً : إذا كان الكلام في شكل القانون أي: بأن لم يكن القانون مكتملاً، كما إذا لم تتمّ أكثرية في وضعه، أو انّ الأغلبية لم تصل إلى حدّ النصاب الشرعي، أو ان الّذين وضعوا القانون لا أهليّة لهم، أو ما أشبه ذلك، حق للقضاء التدخّل. وأما إذا كان الكلام في (موضوع القانون) أي: بأن كان الكلام في ان هذا القانون بنفسه صالح أم لا، فليس ذلك من شأن القضاء بل هو من شأن (شورى الفقهاء) و(مجلس الاُمّة). ومثال هذا الإختلاف في الشريعة، هو: انه قد يقال: (هذا البيع غير صحيح) من جهة ان قوله تعالى: (أحلّ اللّه البيع)(5) لا يشمله ـ وهذا كلام في الموضوع ـ. وقد يقال: (هذا البيع غير صحيح) من جهة ان أحد المتبايعين طفل، أو ان إحدى البضاعتين ليست لها مالية ـ وهذا كلام في الشكل ـ. فربما يقال : ان الأصل عدم الصحّة في كلا القسمين من البيع لاستصحاب عدم الإنعقاد. وربما يقال: بالصحّة في كليهما لأصالة الصحّة في المعاملات. وربما يقال: بالتفصيل، وذلك بالصحّة في الموضوع لا في الشكل ـ كما اختاره شيخنا المرتضى ـ قدّس سره . |
القانون لو اختلف فيه |
مجلس الاُمّة لا يحق له رفض ما قرّره شورى الفقهاء ـ لما تقدّم ـ أما شورى الفقهاء فلهم حقّ رفض ما قرّره مجلس الاُمّة. وأما لو اختلف شورى الفقهاء، والقضاء، فإن كان القاضي مقلّداً فلا حقّ له في الرفض والقضاء حسب ما يراه هو، لوضوح ان المقلّد لاشأن له في الإستنباط. وأما إذا كان القاضي مجتهداً فهو على قسمين: الأول : أن يرى خلاف ما يراه شورى الفقهاء، من جهة ما استنبطه هو من الأدلّة، وهنا يلزم عليه أن يحكم بما يراه شورى الفقهاء، لأن نظره حجّة بالنسبة إلى نفسه لا بالنسبة إلى المتنازعين الذين يقلّدان شورى الفقهاء كلاًّ حسب أكثرية الآراء، أو يقلّدان أحدهم ـ إذ يجوز في التقليد كلتا الصورتين ـ. الثاني : أن يرى خلافهم من جهة قَطْعِهِ باشتباههم، وحينئذٍ لا يحق له الحكم على خلاف قطعه، فإن القطع بالحكم كالقطع بالموضوع، فكما لا يحق له أن يأخذ المال الذي يقطع بأنه لزيد ويعطيه لعمرو، أو يحكم بأن زوجة زيد ـ وهو يقطع بأنها زوجته ـ لعمرو، كذلك في باب الحكم، بل باب الحكم أولى، إذ الحكم عام والموضوع خاص، فإذا لم يكن جائزاً في الجزئي وهو الموضوع لم يكن جائزاً في الكلي وهو الحكم بطريق أولى. هذا ولكن للقاضي في كلا الصورتين تفادي الأمر ومعالجته، وذلك بتحويل النزاع إلى قاض آخر، حتّى لا يقع في أيّ من المحذورين. |
القانون وكيفية انتخاب المجالس |
انتخاب المجالس يتمّ بالكيفية التالية:- أما مجلس الاُمّة : فيكون بانتخاب الشعب. وأمّا شورى الفقهاء : فيكون بسبب تقليد الناس لهم بعد أن كانوا مؤهّلين للتقليد، أما اجتماعهم فهو يكون بينهم، حيث يلزم أن ينفـّـذوا أوامر الشرع والعقل بالإجتماع المسبّب للقوّة، وقد قال سبحانه: (وأمرهم شورى)(6). وأمّا مجلس الوزراء : فيكون بانتخاب مجلس الاُمة، وذلك بالتعاون مع شورى الفقهاء، فيكون مجلس الوزراء منتخباً للاُمة انتخاباً ـ غير مباشرـ بطريقين، وهذا في الإتقان أقوى من الديمقراطية. وأما أعضاء المحكمة العليا: فينتخبهم (شورى الفقهاء) و(مجلس الاُمّة) و(وزارة العدل، أو مجلس الوزراء). أما اشتراط انتخاب الأوّلَين لها فواضح، وأما اشتراط الثالث، فلأنه الخبير بموازين القضاء عملاً. وحيث ان القضاء علمي وعملي، ومرتبط بالاُمّة ككل، لأنه يتدخّل في الشؤون التي ترجع إلى الاُمّة بالأخرة، مثل فضّ النزاعات الرفيعة فيما بين الأوّلَين، ومثل: بيان ان هذا القانون الأصلي، أو الفرعي المرتبط بمجلس الاُمّة هل هو صالح أم لا؟ ومثل: حلّ ما يقع من المنازعات بين الوزارات ومنتسبيها، لذلك يلزم اشتراك الكل في اختيارها. والأفضل ـ إذا اُريد الإتقان ـ أن ينتخب أعضاء المحكمة العليا، من أفراد ينتمون إلى كل من المجالس الثلاثة: الشورى، والاُمّة، والوزراء، بإضافة أفراد من (مجلس الأعيان). وإن رأوا من الصالح ادخال بعض الأفراد من الخارج عن المجالس الأربعة فلا بأس بذلك، كما ان عددهم ومدّة بقائهم يرجع إلى ما تراه هذه المجالس الأربعة. |
الشرائط المعتبرة |
هذا ويشترط فيهم العلم، والعدالة، والخبروية، وحُسن السمعة ذاتاً ونفوذاً. أمّا العلم : فلوضوح ان القضاء محتاج إليه. وأما العدالة : فلوضوح ان القاضي العادي لا يصح أن يكون غير عادل فكيف بهذا القاضي الرفيع المستوى؟ وأما الخبروية : فلأنه بدونها لا يتمكّن من القضاء، وقد ذكروا مثله شرطاً في الفقيه المجتهد، وكذلك في إخبار الشاهد مضافاً إلى العلم والعدالة. وأما حسن السمعة ذاتاً : فلأن الإنسان السيّء السمعة لا يعتمد عليه حتى وإن كان له المواصفات السابقة، وذلك لأنه نقض للغرض حيث ان الاُمة وكذلك السلطات تريد تسليم دينها ودنياها إليهم. ويدلّ على اشتراطه جُملة من الروايات، مثل قوله عليه السلام : «اعتمدا في دينكما على كل مسنٍّ في حبِّنا، كثير القدم في أمرنا»(7) ومثل روايات (المروّة) الواردة في العدالة ـ وإن لم نقل باشتراطها فيهاـ. وأما حسن السمعة نفوذاً ـ بمعنى: أن يكون ذا نفوذ في الاُمور، مقابل الإنسان الضعيف الذي لا يتمكّن من تنفيذ الاُمور ـ: فلأنه إذا لم يكن ذا نفوذ يكون نقضاً للغرض، وورد في الروايات ذكر (الشجاعة)(8) والنفوذ من الشجاعة. ولو قيل: بعدم اشتراط هذا الشرط ـ لأنه لا دليل كاف له ـ فلا إشكال في أنّه أفضل، وبعد ذلك يرجع الإختيار على ما تقدّم إلى المجالس. وإن شئت قلت: ان أعضاء المحكمة العليا يشترط فيهم ما يشترط في مرجع التقليد، على ما ذكره الفقهاء، اللّهم إلاّ أن يقال: ان القاضي لا يشترط فيه الإجتهاد، فيكون المقام منه أيضاً، فتأمّل. |
الإستشارة |
وغنيّ عن البحث ما يُشترط على المحكمة العليا من أن تستشير في الاُمور الإختصاصية أهل الخبرة فيها، مثل ما إذا كان القانون المحتاج إلى البتّ فيه، مربوط بالشؤون الإقتصادية، أو الشؤون الدولية، أو الشؤون الإدارية، أو ما أشبه ذلك، وللمحكمة الحق في ان تطلب من بعض الموظفين الكبار ـ المرتبطين بهذه الشؤون ـ أو غيرهم الإشتراك معها عند إرادة فصل النزاع والبتّ في الأمر. |
القانون والمصطلحات الموحّدة |
في الإسلام مصطلحات موحّدة في كل الأبواب، أخذاً من أبواب العبادات إلى أبواب العقود والايقاعات، إلى أبواب القضاء والشهادات، إلى أبواب الأحوال الشخصيّة، إلى أبواب الحدود والديات والقصاص، إلى أبواب الموازين والمكاييل، إلى أبواب النقود، إلى أبواب الأخلاق والآداب، وهكذا إلى أبواب الأفراح كالأعياد، والأحزان كالوفيات. ولا يختلف في ذلك الشيعي عن السنّي في الجوامع والكلّيات، وإن كان في المصطلحات اختلاف بينهم، ففي الفروع والجزئيات، مع احتفاظ عامة الشيعة باصطلاح خاص لهم، وعامة السنّة باصطلاح خاص لهم أيضاً. مثلاً : الشيعة والسنّة كلاهما جعلا السنة الهجرية والأشهر القمرية ميزاناً للاُمور الدينية المرتبطة بالزمان، كالصيام، والحج، والعيدين، والبلوغ، واليأس، وعدّة النساء، وتخميس رأس السنة، وسنة الزكاة للذهب والفضّة، نعم في الزكويّة المربوطة بالشمس، مثل الأنعام والغلاّت السنة شمسية، وقد نوّه سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم بالأشهر القمرية حيث قال سبحانه: (إنَّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً)(9) ثم ذكر تعالى أسامي بعض الشهور فقال سبحانه: (شهر رمضان الّذي اُنزل فيه القرآن)(10). أما الروايات الواردة في هذا الشأن: فهي أكثر من أن تحصى، وقد ذكرنا في بعض كتـبنا التاريخيــة: ان التاريخ الهجري بدء في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا ما بعده ـ كما قال بذلك بعض أهل التواريخ ـ. كما ان كل الشيعة لهم تاريخهم الزماني الهجري القمري فيما يرتبط باُمورهم الخاصة بالوفيات والأعياد، مثل أفراحهم بمواليد المعصومين عليهم السلام، وعيد الغدير والمبعث، ومثل أحزانهم بوفيات المعصومين عليهم السلام، ويوم عاشوراء، ويوم أربعين الإمام الحسين عليه السلام ـ نعم كل المسلمين يشتركون في مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما بين الثاني عشر من ربيع الأول وسابع عشره ـ. فاللازم ارجاع كل ذلك ـ في قوانين البلاد ـ وإلغاء الأعياد الوطنية، والسنوات والأشهر الميلادية، والشمسية، وما أشبه ذلك، فإنها من بنود القومية، أو من الثقافة الغربية التي شاعت في البلاد الإسلامية، إما بجهل أهل البلاد وإما بفعل المستعمر. وكان ذلك من الأسباب المهمّة لإسقاط التفاهم بين المسلمين، وتمزيق وحدتهم، كما كان ذلك من الحواجز النفسية التي أوجدوها في أنفسهم مقابل وحدتهم واعتصامهم بحبل اللّه جميعاً، إلى جانب الحواجز الخارجية الجغرافية، واللونية، واللغوية، وما أشبه ذلك، التي أوجدوها في بلادهم مقابل سواسيّتهم ووحدة أراضيهم. ثم بنوا على تلك التمزّقات إحياء الآثار القديمة السابقة على الإسلام وبلّغوا لها في كل بلد من بلاد المسلمين، مثل إحياء فرعون في مصر، ونمرود في العراق، وكورش في ايران، إلى غير ذلك. وحتى ان المرتبطين بالغرب غيّروا أسامي العبادات ومراكزها، مثلاً غيّر «اتاتورك» الأذان والصلاة إلى التركية، وغيّر «بهلوي» اسم المسجد إلى الفارسية، إلى غير ذلك مما هو كثير، ولو اريد كتابة كتاب بهذا الصدد لأمكن جمع معلومات كثيرة في الأبعاد التي ذكرناها تتجاوز مئات الصفحات. |
لقد صدق الملك |
ومن باب اللطيفة، انّ ذات مرّة قال حاكم مغرور من حكّام بلاد الإسلام، لقد صار كل شيء عندنا من منتوجاتنا الوطنية، فكتبت إحدى الصحف تعليقاً على كلامه تقول: «لقد صدق الملك، فقد كنت ذهبت إلى زيارته في يوم عيد، فرأيت قصره مؤثثاً أحسن أثاث: بسجّاد ايطالية، وفُرُش امريكية، وأوان يابانية، وستائر روسية، وقنفات بريطانية، وأطباق صينية و... ولما جائوا بطعام الغداء، رأيت فيه: الارز التايلندي، والبصل الهندي، واللحم النيوزلندي و... نعم لقد صدق الملك». وهذا مثال لاصطلاحات المسلمين الحاضرة. وكذا الحال في أوزانهم، ومسافاتهم، وعملاتهم وأحزانهم، وأفراحهم، وسوابقهم الفرعونية والنمرودية وما أشبه، فهل تبقى اُمّة واحدة بعد ذلك؟ وهل تبقى اُخوّة إسلاميّة ـ غير لفظية للدعاية والإستهلاك ـ مع كل ذلك؟ وبهذا سقطت عزّة المسلمين وكرامتهم، كيف لا وقد أصبحوا كما قال الشاعر: وتفرّقوا شيعاً فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر هذا وقد قال تعالى: (العزّة للّه ولرسوله وللمؤمنين)(11). نعم ، لقد أصاب المصطلحات الموحّدة، ما أصاب غيرها من التغيير والتبديل، كما قد غيّروا القانون الإسلامي من قبل ونقلوا مكانه احياناً القوانين الغربية حرفياً، يقول البعض(12) في كتابه: «قد يكون التقنين وسيلة مهمّة للإستفادة من الشرائع الأجنبية، وذلك باقتباس أحكام شاملة من بعض المجاميع القانونية، كما حدث لمصر حينما وضعت قانونها المدني، إذ اعتمدت كثيراً على القانون المدني الفرنسي، كما ان تركيا قد نقلت القانون المدني السويسري نقلاً يكاد يكون حرفياً، وأسبغت عليه صفة رسميّة وجعلته قانوناً مدنياً تركياً...». ويقول في باب التقنينات الحديثة في العراق ما لفظه: أهم التقنينات الحديثة في العراق... تقنين أحكام العقوبات في قانون العقوبات البغدادي الذي سنّه القائد العام للقوّات البريطانية المحتلّة... وصار من اللازم قبولها الآن بعد أن خطا العراق خطوات لابأس بها في مضمار التقدّم الإجتماعي. |
القانون عند المسلمين |
قد عرفت أن لا قوانين تشريعية من صنع البشر عند المسلمين، وانما يصح عندهم القوانين التطبيقية، أي: تطبيق كليات الشريعة الإسلامية على الموضوعات، كتطبيق كلي (لاضرر) (13) على الشيء الفلاني، أو تطبيق (أوفوا بالعقود)(14) على عقد التأمين. فإذا لم يكن انطباق في زمان أو مكان، لم يكن لما قُنّن من القانون التطبيقي أثر، فإذا لم يكن مثلاً خروج البضائع أو دخول البضائع إلى البلاد ضررياً فإنه حينئذ لا يمنع بعد أن كان ممنوعاً فرضاً، علماً بأن المنع عنهما كان بسبب شورى الفقهاء حيث كان كل واحد منهما ضررياً، وإلا بأن كان المنع عنهما من غير شورى الفقهاء، فلا أثر للمنع. وكذا في الأضرار الفردية، فإنه إذا لم يكن ضرر، أرتفع التحريم، وذلك كالوقوف عند الإشارة الحمراء، (فيما لم يكن موضوعاً من قبل شورى الفقهاء) فإنه لم يحرم إذا لم يكن ضررياً فيجوز للسائق مخالفتها، وإن كان القانون الموضوع من قبل سلطة غير مشروعة يقول بالمنع عند مخالفتها(15). ولذا فلا قانون أساسي في الإسلام ـ إلاّ ما في الكتاب والسنّة ـ. وعليه : فلا حاجة إلى تفسير وشرح المصطلحات القانونية ـ غير ما في الكتاب والسنّة ـ مما يستشكل بذلك على القوانين الموضوعة بشريّاً، حيث انهم ـ مثلاً ـ وضعوا مصطلح (حسن النيّة) و(سوء النيّة) في شدّة العقاب وخفته، لمن أجرم، ثم يسأل: ما المراد بالأول والثاني؟ اما في الشريعة فإنه لا حاجة إلى مثل ذلك، لأنه إما القوانين الموضوعة تطبيقاً من قبل شورى الفقهاء، فشرحها موكول إليهم أنفسهم، وهذا ليس بإشكال، لأن الشورى قائم دائماً، ويمكن استعلام ما قصدوه من أنفسهم، وإما مصطلحات الكتاب والسنّة المذكورة في القوانين، فشرحها حسب نظر شورى الفقهاء، وإذا وضع الشورى اصطلاحاً، واختلف في تفسيره بينهم، فالمرجع هو الفهم العرفي من الكتاب والسنّة. كما انه لا يرد على القوانين التطبيقية اشكال جمود القانون، وانما يرد ذلك على القوانين الوضعية فقط، وذلك لأن القانون الوضعي لأجل محدودية الواضع يحدّ بطبيعته من التطوّر المواكب للزمان، فيلزم تعديله أو تبديله، لكن الواضعين ومن إليهم يحرصون على بقائها كي لا تُزيّف آرائهم، ولا يفقدون ثقة الناس بهم، فيرد عليه اشكال الجمود. وفي المثال القديم يقولون: لما وضع «جَستنان» مجاميعه منع العلماء من شرحها أو التعليق عليها، ولما وضع «نابليون» قانونه، كان يستغرب من أيّ شخص يحاول شرح قانونه أو البحث فيه. وفي المثال الحديث رأينا: ان «قوانين المشروطة» التي وضعت قبل نصف قرن كان الحكام يحاولون بقائها وعدم المساس بشأنها، مع ان الزمن قد تقدّم عليها فراسخ. |
القانون إذا كان فيه غموض |
لا يهم الغموض في القوانين الوضعية ـ عندنا ـ لأن واضعي تلك القوانين، سواء شورى الفقهاء، أم المجلس، أم الأعيان، أم الوزراء ومن إليهم، فإنهم هم المرجع في مرادهم مِن قَوانينهم الموضوعة التي سمّيناها (التأطيرية) وانما الذي يهم هو: الغموض في القوانين الشرعية الكلية، الموجودة في الكتاب والسنّة، مما يستدعي بسط الكلام حوله فنقول: ان الغموض فيها قد يرجع إلى اللفظ، مثل: اللفظ المشترك، أو المستعمل في المعنى المجازي حتى احتمل فيه الإشتراك، أو المبهم. فمن الأول (القروء) في الآية المباركة المشتركة بين (الطهر والحيض). ومن الثاني : صيغة الأمر المستعملة كثيراً في الندب، حتى قيل: انه أوجب الإشتراك بين (الواجب والمستحب). ومن الثالث : لفظ (الآنية) و(الوطن) و(الغناء) و(الكعب). وقد يرجع الغموض فيها إلى المعنى، بمعنى: ان اللفظ واضح وليس بمشترك ولا مبهم، وانما المعنى المراد منه غامض، فلا يعرف ماذا أراد الشارع منه، مثل لفظ (المروّة) فاللفظ بمعنى (ما يقتضيه الرجولة) وهو (ينشأ من الشهامة النفسية) ـ سواء في الرجل أم المرأة ـ ومثل لفظ (الأخلاق) و(الآداب) وهذا القسم قد يختلف في مقصود الشارع منه. ثم ان الفرق بين الأول والثاني هو: أنّ في الأول: لا يعلم هل المراد به هو هذا الجزئي أو ذاك؟ مثل زيد المشترك بين ابن خالد وابن بكر، ولا يعلم طلب المولى لأيّهما. وفي الثاني: كلي لا يعلم المراد من مصداقه، وذلك كما إذا قال: جئني بإنسان، فلا يعلم انطباق هذا الكلي على انسان مطلق أو انسان مقيّد ـ مثلاً ـ. وقد يرجع الغموض فيها إلى ان الشارع أراد الإبهام فيها، لا انه لم يكن مبهماً في زمان الشارع، وعرض الإبهام له في زماننا، وذلك كما تقدّم في مثال (الآنية) ونحوها. وإرادة الشارع الإبهام اما للتقيّة، أو لمحذور آخر، مثل ما ورد: من ان الإمام الصادق عليه السلام كتب لفظ (ج) إلى ثلاثة من أصحابه، ففهم أحدهم منه: انه اُريد منه أن يذهب إلى الجبال، وفهم الآخر: انه اُريد منه أن يظهر الجنون، وفهم الثالث: انه اُريد منه جلاء الوطن، ففعل كل منهم ما فهمه تخلّصاً من السلطة الغاشمة. وقد يرجع الغموض فيها إلى تعارض النصّين، حيث وردا في موردين غير متصادمين واقعاً، لكن خفاء الظروف والقرائن سبب ذلك، كما عالجه الاُصوليّون في باب التعادل والتراجيح. أما الغموض الذي منشأه الجهل والسهو والخطأ والنسيان، وما أشبه ذلك، فهو ليس إلاّ في القوانين الوضعية التأطيرية، لا في الكتاب والسنّة، حيث ان الكتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه)(16) والسنّة الواقعية صادرة عن المعصومين عليهم السلام الذين عصمهم اللّه تعالى من الزلل. والإستنباط من المجتهدين خاص بالكتاب والسنّة. أما القوانين التأطيرية التي يضعها شورى الفقهاء، فلا حاجة فيها إلى الإستنباط لوجود الواضعين لها، فيمكن استفسارهم عن المراد، وإذا تغيّر فقهاء الشورى ـ الواضعين لذلك القانون التأطيري حسب القوانين الثانوية ـ أو تغيّر افراد مجالس الأعيان والاُمّة والوزراء، فهم المفسّرون لأن الأمر لم يكن مقصوراً على الأولين فقط. مثلاً : إذا وضع شورى الفقهاء قانوناً يمنع الإستيراد للبضاعة الفلانية من خارج بلاد الإسلام، وذلك تطبيقاً لقانون لاضرر، ثم شك في حدود البضاعة الفلانية لتي منع استيرادها، وقد تبدّل فقهاء الشورى، فإن الأمر يرجع إلى فقهاء الشورى الجدد، وإلى انهم هل يرون تطبيق لاضرر في كل أقسام تلك البضاعة، أو بعض أقسامها، فإن الفقيه مرجع في أربعة اُمور: 1 - معنى لفظ الموضوع . 2 - حدوده . 3 - معنى لفظ الحكم . 4 - حدوده . مثلاً : إذا قال الشارع : (الكلب نجس) لزم معرفة: ما هو معنى الكلب؟ وما حدوده؟ هل يشمل الكلب الذي بقدر فارة صغيرة أو بقدر ثور كبير ـ وكلاهما موجود ـ أم لا؟ ثم ما هو معنى النجس؟ وما حدوده؟ هل يشمل تنجّس البصر بالنظر إلى النجس ـ كما ان النجس في شريعة الهندوس يشمل ذلك ـ أو تنجّس اليد إذا لمست النجس من غير رطوبة، أو لمسته بشبه رطوبة كالدهن ـ مثلاً ـ أم لا؟ وهكذا.
|
(1) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 287 ، ب 8 ، ح 10 . (2) بحار الأنوار : ج 53 ، ص 181 ، ب 31 ، ح 10 . (3) مستدرك الوسائل : ج 6 ، ص 14 ، ب 5 ، ح 7 . (4) موسوعة الفقه : كتاب الدولة . (5) سورة البقرة ، الآية : 275 . (6) سورة الشورى ، الآية : 38 . (7) و (8) راجع مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 18 ، ب 1 ، ح 41 . (9) سورة التوبة ، الآية : 36 . (10) سورة البقرة ، الآية : 185 . (11) سورة المنافقون ، الآية : 8 . (12) عبد الرحمان البزاز في كتابه : «مبادىء اُصول القانون». (13) مستدرك الوسائل : ج 17 ، ص 118 ، ب 9 ، ح 2 . (14) سورة المائدة ، الآية : 1 . (15) هذا في البلاد الإسلامية، أما غيرها فقانون الإلزام هو المحكم. (16) سورة فصلت ، الآية : 42 . |