المعاناة الكبيرة في مسيرة الجهاد |
وقد عانى السيد المرجع الكثير.. فى طريقه الجهادي الصعب حيث واجهه الاستعمار والحكومات الجائرة الدائرة في فلك الاستعمار بمختلف السبل وتصدت للقضاء عليه وعلى فكره بمختلف الطرق. ولقد كان ذلك طبيعياً جداً، حيث ان السيد يعد من جهة عدواً تاريخياً للاستعمار فعميد أسرته آية الله العظمى السيد ميرزا حسن المجدد الشيرازي تصدى للاستعمار الانجليزي في ايران حتى طرده في قصة التنباك المعروفة. وخاله آية الله العظمى الميرزا محمد تقي الشيرازي تصدى للاستعمار البريطاني في العراق حيث قاد ثورة العشرين المظفرة. ووالده آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي وابن عمه آية الله العظمى السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي- مع آية الله العظمى السيد محسن الحكيم- تصدوا لأمواج الشيوعية والبعثية والقومية و.. فترة طويلة من الزمان حتى اندحرت. وبعد ذلك واصل السيد الشيرازي المسيرة فتصدى للاستعمار وللحكومات الجائرة بمختلف أنواعها بكل قواه فقد قاد حملة فكرية، سياسية، اجتماعية واسعة ضد الاستعمار فمن جهة تأسست بتشويقه وتوجيهه العديد من المنظمات والحركات المناهضة للحكومات الجائرة ففي العراق تأسست خمس منظمات وحركات إسلامية مناهضة للحكومة البعثية الجائرة. وقد قامت هذه الحركات باصدار عشرات الصحف والمجلات والجرائد ضد الحكومة الجائرة في العراق ومن ثم ضد الاستعمار العالمي نفسه، كما قامت بتحركات سياسية ودبلوماسية و.. وكل ذلك أشهر من نار على علم معروف فى مختلف الأوساط . ومن جهة أخرى: فقد قام السيد الشيرازي بحملة فكرية توعوية تثقيفية كبيرة جداً ضد الاستعمار في العشرات من كتبه منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن وحتى الآن، ولم يكتف السيد الشيرازي بمجرد مهاجمة الاستعمار بالشعارات، بل انه قام بوضع برامج متكاملة وخطط شاملة لكيفية التصدي للاستعمار ويكفي للقارىء الكريم ان يطالع كتبه القيمة (السبيل إلى انهاض المسلمين) الذي يقع في514صفحة، (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام) الذي يقع في 733 صفحة، (ممارسة التغيير لانقاذ المسلمين) الذي تزيد صفحاته على الخمسمائة صفحة و.. ليعرف مدى تكاملية الأطروحة والمنهج الذي رسمه السيد المرجع لمعالجة أوضاع المسلمين وتحريرهم من سيطرة القوى العظمى ومن تحكم الطغاة والجائرين. ونحن ندرج هنا مقتطفات سريعة مما جاء في كتبه حول ذلك: مقتطفات من كتب السيد المرجع : فعن الطرق الجديدة للحروب الصليبية وعن الانماط المختلفة للاستعمار عن أساليبهم الجهنمية قال: (وإنما القصد التنبيه على المؤامرات الاستعمارية المتمثلة في فتنة القوميات، والشيوعيات، والبعثيات، والديمقراطيات- على الأسلوب الغربي- هذه الأمور التي فرقت بيننا وجعلت منا أمماً بعد أن كنا أمة واحدة..) السبيل: ص 105. (.. واستطاعوا تقطيع البلاد الإسلامية عن بعض، بحدود صطنعة. كما استطاعوا نسخ القانون ، الاسلامي،وابداله بالقوانين الشرقية أو الغربية، السبيل إلى انهاض المسلمين ص 29- 30 . (والحروب والانقلابات تقع بكثرة في البلاد الإسلامية وهي ليست إلا أحابيل المستعمرين، والمستكبرين، فقد جاؤوا إلى بلادنا لتقطيعنا، وتمزيقنا، ونهب خيراتنا، وسفك دمائنا، وتعذيينا في السجون والمعتقلات). السبيل إلى انهاض المسلمين ص 10. وتحدث عن (القوميات والقبليات و...) باعتبارها جاهلية، وكونها سبباً لضياع فلسطين فقال: (… فالتفاخر بالقوميات، أو بالقبليات، أو بالأقليميات، أو باللغات هذه كلها أعمال جاهلية، القومية ليست إلا دين أبى جهل، وأبي لهب، وكفار الجاهلية، فلماذا اتخذها قسم من المسلمين، شعاراً ومنهجاً؟. القومية العربية-التي دامت إلى الآن- القومية الفارسية، في زمان الشاهين، القومية التركية في زمان اتاتورك،القومية الكردية… وإلى آخر القوميات، هذه القوميات هي التي سببت ضياع فلسطين. قتلونا في فلسطين، ولبنان، ومصر، والأردن، والجزيرة العربية (البريطانيون وعملاؤهم قتلوا في وجبة واحدة في أطراف الجزيرة العربية أكثر من مائة وخمسين ألف إنسان مسلم)، (وقتلونا في الفلبين، وكشمير،وارتيريا، والاوغادين، وبورما، والباكستان الشرقية والغربية يوم انفصال الباكستان شرقها عن غربها، وقتلونا في اليمن وشطروها نصفين). السبيل: 9-10. وتنبأ السيد المرجع بمصير لبنان- قبل الأحداث- مبيناً السر في ذلك وكان مما قاله: ( لقد قلت لبعض مسلمي لبنان- قبل عشر سنوات أو أكثر: إنكم ستواجهون مصيراً سيئاً إن لم تنظموا أنفسكم). قالوا: ومن أين تقول ذلك ؟! قلت: من منطق التاريخ، ومنطق الأحداث . قالوا: وكيف ؟! قلت: إنكم محاطون بتنظيم صليبي في داخل لبنان، وبتنظيم صهيوني في إسرائيل، فأنتم بين تنظيمين معاديين، ومع ذلك فإنكم مبعثرون، ومن الطبيعي أن ينتصر من له تنظيم على من لا تنظيم له، ولا يكفي أن يقول أحد: انني مع الحق، ولا يعمل شيئاً، لأن الحق يأمرك بالتنظيم، يأمرك بأن تعلو ولا يعلى عليك،يأمرك أن تأخذ بالأسباب الطبيعية لا ان تجلس وتكسل وتقول: (انني على صراط الله، والآخرون على صراط الشيطان !…) السبيل إلى انهاض المسلمين ص 53. وعن دور ألمخطط الاستعماري وعن الحرب العراقية الإيرانية تحدث قائلاً: (نعم ان عفلق وحزب البعث ما هم الا ثمار تلك الجهود الثقافي لآ التغييرية، التي بذلها الاستعمار البريطاني، فأصبح السادة الأعزة عبيداً أذلة للمستعمرين! 000) السبيل إلى انهاض المسلمين ص 42. كما نجد السيد الشيرازي (دام ظله) يقول تحت عنوان (الأمة بين المأساة والعلاج ): (…وما الحرب العراقية- الإيرانية، التي شنها البعث ضد الأمة في العراق وفىايران، الا لعبة استعمارية راح ضحيتها الشباب العراقي المسلم والإيراني المسلم، لماذا يحدث هذا؟ الجواب: ان البعث هو الذي أشعل هذه الحرب وأمريكا واسرائيل وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين يدعمونه، ويمدونه با لخطط والأساليب، والمال والسلاح …) السبيل إلى انهاض المسلمين ص 9. وعن البهلوي الأول والثاني تحدث الكثير الكثير وكان مما ذكره: (البهلوي الأول- رضا شاه- كان من عملاء الاستعمار.. وعندما وصل الى الحكم عمل على تحطيم إيران:سياسياً، وثقافياً، واقتصادياً، ودينياً و... وكان ضمن ما عمل: أن هدم المساجد وجعلها اسطبلات،وهدم المدارس العلمية، وجعلها مراقص، وملاهي، ومخامر، ومقامر، وفرض السفور الاجباري على النساء السبيل إلى انهاض السملمين ص 65. وتحت عنوات (التعامل مع السلطات) ذكر سماحة السيد: (الحكومات في بلاد الإسلام مكروهة عند الشعوب عادة وخصوصاً في هذا القرن الأخير لأن هذه الحكومات مستبدة (أولاً) وعميلة للغرب والشرق على الأغلب (ثانياً).. وسبع ضار- حسب تعبير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ): - بالنسبة الى الأمة (ثالثاً)، وغير عاملة بقوانين الإسلام، وهو دين الناس (رابعاً)، وعليه فكل اقتراب من الحكومة يوجب انفضاض الناس من حول المتقرب فردا كان أو هيئة، أو جماعة، أو جمعية، او منظمة، أو حزباً أو ما أشبه…) الصياغة: ص 643. وتحت عنوان (الحقد الصهيوني ضد الإسلام) قال السيد الشيرازي: (وعندما دخلت قوات اسرائيل القدس عام 1967م تجمهر الجنود حول حائط المبكى وأخذوا يهتفون مع موشي دايان: (يوم بيوم خيبر) (يالثارات خيبر) وتابعوا هتافاتهم: (حطوا المشمش عالتفاح دين محمد ولى وراح)، وهتفوا أيضاً (محمد مات خلّف بنات )، الصياغة الجديدة ص 572. وتحت عنوان (اميركا تخطط لتحطيم الإسلام). وذكر سماحة السيد: (امريكا تخطط لتحطيم الإسلام): يقول (أبو جبين روستو) رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية لامريكية، ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1967 يقول: (يجب أن ندرك ان الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية، ليست خلافات بين دول أو شعوب بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، لقد كان الصراع محتدماً ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى، وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة). الصياغة : ص 570- 571. وقال: (وهكذا نجد الأمر في الحروب الحديثة، بل وأسوأ من ذلك: فأمريكا قتلت بالقنبلة الذرية ربع مليون إنسان في اليابان في ظرف ساعات وأحرقت كل شيء. ولما جاء البريطانيون إلى العراق عاملوا الناس أسوأ معاملة، وكانوا يقتلون الجرحى ولا يرحمون الأسير ويخرجون الجثث من القبور طمعاً في الثياب والملابس. وفي السودان كانت الجيوش البريطانية تقطع رؤوس المقتولين وترسلها إلى لندن ليجعلوا الجماجم مطفئة سجائر حقداً على المسلمين… وكذلك صنع الفرنسيون بالجزائر فقتلوا من تسعة ملايين مليوناً ونصف المليون وبعض الاحصاءات تقول انهم قتلوا منهم مليونين وكانوا يمثلون بالجثث ويعذبون الاحياء تعذيباً قاسياً قليل النظير.. والروس قتلوا من المسلمين في تاجكستان وتركمنستان وغيرهما من البلاد الإسلامية التي استولوا عليها خمسة ملايين من المسلمين بمختلف أنواع القتل من الاحراق والغرق والتعذيب إلى حد الموت والرمي بالرصاص وغير ذلك. كما ان الروس في الوقت الراهن قتلوا أكثر من مليون إنسان في أفغانستان… كما قتل الامريكيون في فيتنام وغير فيتنام عدداً هائلاً يعد بالملايين وكانوا يعذبون الاحياء ويحرقون المحاصيل. وهكذا يرى العالم في العصر الحديث أبشع أنواع (القتل والتعذيب والحرق والاهانة لكرامة الإنسان…) الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام ص 356- 357. وقد ركز السيد على الاكتفاء الذاتي كأسلوب رئيسي في محاربة الأستعمار فقال : (ينبغي أن يهتم المسلمون بأن تكون حوائجهم عند أنفسهم، فلا يطلبون من الشرق والغرب حاجة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، وذلك ممكن، فالبلد الإسلامي إذا صار يداً واحدة من غير فرق بين السودان، وليبيا،والمغرب، ومصر، والأردن، وسوريا، والعراق، ايران، وا لخليج، وا لباكستان، وإندونيسيا، وأفغانستان، وغيرها من الأجزاء المقطعة من الجسم الأسلامي الواحد.. إذا عادت هذه البلاد بلداً واحداً،أمكن أن يعطي كل بلد حوائج البلاد الأخرى…) السبيل: ص 233. (فمادام المسلمون محتاجين في لباسهم. وفي أدواتهم الكمالية، وفي المأكل، والمشرب، والمركب، وغير ذلك إلى امريكا وإلى فرنسا، وإلى بريطانيا، وإلى روسيا، وإلى الصين، وإلى اليابان، وإلى غيرها، فهم اسراء في أيديهم)السبيل ص 234. (الاكتفاء الذاتي يتركز على أمرين: ايجابي، سوف نتكلم عنه في بعض الحلقات القادمة بإذن الله تعالى، وسلبي، يدور كلامنا الآن حوله، وهو عبارة: عن تجنب الإنسان البضائع والأفكار الأجنبية مطلقاً، وانما يجب أن تكون الأفكار نابعة من نفس الإسلام وبلاد الإسلام. الأفكار الدخيلة يجب أن تنبذ كما تحدثنا عن ذلك في أحاديث سابقة ويجب أن تقاطع كل البضائع الأجنبية..) السبيل ص 238. كما ركز السيد على (الثقافة) كعامل هام من عوامل التحرر من الاستعمار فقال: (ونحن لا نستطيع تحرير العراق، فلسطين، لبنان، أفغانستان، مصر وكل الدول الإسلامية المستعمرة، إلا بتبديل ثقافة هؤلاء الرازحين تحت نير الظلم، والاستبداد إلى ثقافة إسلامية أصيلة يتمسكون بها بقوة وصلابة وفي كل الظروف، وتحت أية ضغوط…) السبيل الى انهاض المسلمين ص 27 و28 . )ان الغربيين والشرقيين عرفوا أن سر هذه الثورات، يكمن في الثقافة التي يحملها هؤلاء المسلمون ولذا حالوا تغيير هذه الثقافة، وبالفعل استطاعوا تبديلها إلى ثقافة استعمارية، أو مخلوطة على أحسن الفروض ولذا تسنى لهم استعمار البلاد الإسلامية سنين طويلة، وحتى الآن) السبيل ص 29. وقد عد السيد(الأمة الإسلامية)إحدى الأسس الخمسة إلى جانب( الدولة الإسلامية) و(الاخوة الإسلامية) و(الشريعة الإسلامية) و(الحرية الإسلامية) وقال: (ثانياً: الأمة الإسلامية: الأمة الإسلامية هي أمة واحدة،في جميع الشؤون، فلا حدود جغرافية أو لونية أو لغوية أو غيرها، وإنما هي أمة واحدة وكل فرد فيها مساو لأخيه كسائر الأفراد الآخرين…) الصياغة الجديدة ص 487. وأوضح ان السبيل الوحيد للخلاص هو الإسلام لا غير فقال: ( وإلى متى؟ لقد جربنا البعثيّة، وجربنا الشيوعية، وجربنا الديمقراطية الغربية، وجربنا سائر الأنظمة الغربية، والشرقية فلم تزدنا الا خسارة، وها نحن بقي أمامنا الإسلام، الاسلام الحقيقي الوارد في الكتاب، والسنة المطهرة…) السبيل ص 237. وعن داء الرأسمالية تحدث تحت عنوان (الرأسمالية: الصنم الجديد) قائلاّ: (وحتى أن حصر النفس في الرأسمالية المنحرفة التي ينتهجها الغرب والشرق هو أيضاً نوع من عبادة الأصنام، وتضييق لآفاق النفس، فإن معاني الرحمة والإنسانية والعطف والحنان وما أشبه، كلها تموت في نفس الرأسماليين، حيث انهم يرون آلاف الجائعين والأطفال الذين سقطوا ضحية الأمراض بسبب سوء التغذية، ومع ذلك لا يتعطفون عليهم، والأسوء من ذلك انهم يبنون معامل السلاح لقتل الإنسان، وجرحه، وتعويقه لمجرد أن ذلك يدر عليهم المال الوفير، وكذلك، البنوك الربوية والمرابون ونحو ذلك فإنها كلها نابعة من ضيق الأفق الذي يعود على الإنسان أولاً بالشر ثم على غيره، وقد قال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)، أليس سباق التسلح حالة مرضية أخذت بخناق العالم في الوقت الراهن، وكلما كان السلاح أفتك يكون سرور الرأسماليين به أكثر، لأنه أكثر إبادة لمن يتصورون من الأعداء، وأكثر دراً للربح،الصياغة الجديدة ص74- 75 . وعن الحرية في البلاد الغربية قال: (... مما يتلخص في إن الإنسان يتوهم الحرية، فيستغني عن الحرية ويكون مثله كالنائم، يرى في المنام أوهاماً، وهو بتلك الحالة يزعم أنها حقائق، فاذا انتبه عرف أنها كانت أوهاماً، كما نشاهده في البلاد الرأسمالية، وقد ذكرنا بعض تفاصيل الكبت في هذين البلدين في كتب الفقه:الاقتصاد، السياسة، الاجتماع..) السبيل الى انهاض المسلمين ص 330. وقد ذكر السيد الشيرازي في كتابه القيم (الفقه: السياسة )- ويقع في 590صفحة حسب الطبعة الأولى جانباً من المآخذ على الديمقراطية الغربية بقوله ص 292- 295). تحت عنوان (الأنظمة الغربية تسحق حقوق الإنسان): (أما الدولة الديمقراطية، فلم تصل الى الديمقراطية إلا بعد قرنين من الكفاح، والحروب، والثورات أي عبر القرنين: (السابع عشر والثامن عشر المسيحيين) ثم بعد ذلك الكفاح الطويل، لم يحصل الإنسان الغربي على حقوق الإنسان إلا مزيجاً بأخطاء كبار نلخصها فى خمسة: الأول: تقييد الحريات، فترى الشعوب الغربية مقيدة في أغلب شؤونها، فالسفر والافامة، والبناء، والزراعة، والصناعة، والتجمع.. وغيرها كلها مقيدة بالإذن والرخصة من الدولة، ولماذا الإذن؟ أليس ذلك تقييداً للحرية؟… الثاني: السماح لرأس المال بالتراكم الجائر حتى أوجب ذلك سيطرته على مختلف الشؤون السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، وغيرها، فحرية الرجل الغربي، وحقوق الإنسان بالنسبة إليه مثلهما مثل حرية الطائر وحقه، وهو في القفص انه حر هناك، وله حق في داخله بالحركة وهل مثل هذا يسمى حرية وحق؟، وقد ذكرنا في بعض الكتب الاقتصادية ومنها (الفقه: الاقتصاد) كيف ان رأس المال سلب الإنسان الغربي لا سيادته، وحريته، وحقوقه، بل وحتى صحته، وراحته فأورثه المرض الجسدي، والقلق النفسي وكتاب (دع القلق) يكشف الستار عن بعض جوانب هذا المرض والقلق، ولذا ندد بالحقوق القانونية والحقوق السياسية أمثال: (راسل) و(هاكسلي) وقد ذكر غير واحد من علماء الغرب وفلاسفته ان (ثورة فرنسا) والتي أسموها (كبرى) اسم بدون مسمى، إن الثورة وقفت في منتصف الطريق، أقول: بل اللازم أن يقال: انتكصت على عقبيها، بينما الإسلام قيد رأس المال بما لا يتمكن من الطغيان، وطبقأ لذلك لا يقدر رأس المال على تقييد الحريات وتضييق الحقوق. الثالث: الاستعمار للخارج فحقوق الإنسان في الغرب تنظر بعين واحدة حالها حال القومية وما أشبه فليست للإنسان وانما للسادة فقط، ولا فرق بينهما وبين (قانون سيادة السادة على استعباد العبيد) ولذا نرى أبشع استعمار عرفه العالم في تاريخه، مارسته فرنسا وبريطانيا، وأمريكا وسائر دول اوروبا بالنسبة إلى آسيا وافريقيا وغيرهما، بينما يرى الإسلام: (أن الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)- كما في نهج البلاغة. الرابع: رد الفعل للقوانين الموضوعة في الغرب، وللممارسات والتطبيقات لتلك القوانين حيث أن ذلك خلق الشيوعية مما أتت بأبشع الثمار. الخامس: الاضطراب الذي أوجدوه حول المرأة فمن ناحية جعلوا المرأة سلعة رخيصة وأداة إطفاء الشهوات فجعلوها وسيلة لجلب المال، وفتحوا لها المواخير ومراكز الفساد، وبذلك أهانوا المرأة أكبر إهانة، حيث سبب ذلك تبذلها ورخصها من ناحية وبقائها عانسة تتسكع في دروب الحياة الصعبة من جهة إلى أخرى ومن ناحية أخرى زعموا أنها تساوي الرجل في كل شيء فصار ذلك وبالاً عليها، حيث لم تتمكن أن تتقدم كما تقدم الرجل (في الوزارات والسفارات والنيابات ونحوها) لأنها بطبيعتها لشؤون غير هذه الشؤون بينما ألقيت عليها خشونة الحياة الصناعية مما أضرت بجمالها، وأنوثتها وسائر شؤونها الطبيعية التي خلقها الله سبحانه لها...) الفقه: السياسة ص 292- 295. وتحدث عن عالم اليوم بشكل عام فكان مما قاله: (...إذا كان العالم عالم العقلاء، فلماذا قتل الملايين خلال نصف قرن في حربين عالميتين؟ تركت العالم شظايا ورماداً ودماءاً ودموعاً وأشلاءاً ومعوقين وما إلى ذلك…) الصياغة ص 65. وتحدث عن (الصورة العامة لعالم اليوم ) فقال: وتحت عنوان (الجاهلية الجديدة): (…ان الدنيا الحاضرة دنيا مغلفة بالأنانية، والآثرة، والتفاوت الطبقي والموازين التي تحكمها هي موازين القومية والوطنية) و (المادة) و (اللغة) وما أشبه لا الموازين الإنسانية، ولذا تجد كل إنسان لا يرتبط بالوطن الخاص، والشعب الخاص ونحو هذين الأمرين غريباً ليس له أي حق في الحياة، فهو يولد في العالم الحاضر دون حق، وينظر إليه بالشبهة والريبة، ولا يروج ولا يتزوج منه، ويطرد من البلاد، ولا حق له في البيع والشراء إلى غير ذلك إلا في نطاق خاص وتحت شروط قاسية جداً لم يكن لها مثيل حتى في الجاهلية الأولى. وما دامت الدنيا لا تضع الحب مكان الكراهية، والاخوة مكان الطبقية، والوطنية والقومية ونحو ذلك، وحسن الظن بدل سوء الظن، وحب الإنسان بما هو إنسان بدل الروابط الأنانية والأرضية ونحوها، والتعاون بدل التقاطع، وأصالة الصحة في عمل الإنسان وفي قوله بدل أصالة الفساد، وأصالة البرائة حتى تثبت الجريمة بدل أصالة الشبهة، وأصالة الحرية في كل شيء بدل أصالة الكبت.. لم يكن للعالم خلاص من المشاكل، بل انها تزداد ضيقأ يومأ بعد يوم، حاله حال المريض فأنه إذا لم يستعمل الدواء يزداد مرضه يوماً بعد يوم حتى ينتهي به إلى الموت) الصياغة الجديدة ص 69-70 وذكر من المآخذ على الحضارة الغربية والشرقية: (فمثلاً ترى في البلاد الغربية كل الأجهزة منصبة على توجيه الناس الوجهة الرأسمالية وفي البلاد الشرقية ترى كل الأجهزة منصبة إلى توجيه الناس الوجهة الشيوعية، وفي بعض البلدان التوجيه إلى الوجهة القومية أو ما أشبه ذلك سبب انفصاماً في الشخصية، فمن ناحية للإنسان نداء ضمير وصياح فطرة، ومن ناحية يعمل الإعلام على خلاف ذلك…) الصياغة الجديدة ص 21. الحملة المضادة وكان من الطبيعي نتيجة لتلك الحملة التثقيفية والفكرية والعملية الواسعة ضد الاستعمار، أن يجند المستعمرون كل طاقاتهم وأجهزتهم للقضاء على السيد الشيرازي وتحطيم خطه و فكره. ونحن نذكر هنا بعض أقسام الحرب الإعلامية والسياسية والاجتماعية التي واجهه بها عملاء الاستعمار والحكومات الجائرة وذلك لكي يكتشف القارىء الكريم الأساليب المختلفة للحكومات الجائرة في مواجهة علماء الدين المجاهدين والخطط التي يحاول عبرها الاستعمار إسقاط العلماء عن أعين الناس وتحطيم شخصيتهم وتقليص دورهم الفاعل في حياة الشعب. ولكي يستلهم السائرون في طريق الحق والذابون عن حريم الديانة الأحمدّية (صلى الله عليه وآله) والوصـاية العلوية(عليه السلام)، دروساً ثرية في (الصبرعلى الأذى في سبيل الله) و(الاستقامة) و (المصابرة) رغم كل ما يقوم به الجبابرة، وكنموذج واحد من عشرات النماذج نجد صحيفة العرب (3/ 1/ 1991) المعروفة بارتباطها بحزب البعث العراقي تقول: (… اليوموإذ يعيد التاريخ نفسه ويظهر لنا أكثر من ابن علقمي وأكثر من هولاكو من نوع جديد على شاكلة بوش) وامثاله(!!) وتحاصر بغداد كما حوصرت من قبل… وأذ هي في هذه المحنة العصيبة ينبري لنا الشيخ (السيد) محمد مهدي الشيرازي… ويصدر رأيأ فتووياً غريباً في (محتواه) وفحواه لا نستطيع أن نجد له تفسيراً إلا اننا نشم منه رائحة النفط والحقد الشعوبي الدفين) ثم تهاجم الجريدة السيد الشيرازي وتتهمه بتهم عديدة وتدافع عن حزب البعث العراقي بقوة. ولنذكر الآن مقتطفات مما قام به حزب البعث الحاكم خلال ما يقارب العقد والنصف : الاول- تلفيق مختلف الاتهامات المتعلقة بشخص سيدنا المترجم له وكتبه ومشاريعه وأفكاره وزملائه. الثاني- محاول اغتياله عدة مرات وذات مرة: اقتحموا داره في وضح النهار، محاولين اغتياله، إلا انه لم يكن في البيت، فعادوا خائبين. الثالث- وضع العيون والجواسيس على بيته لمراقبة تحركاته، ومعرفة الشخصيا ت التي تفد إليه. وكان قسم من هؤلاء الجواسيس يختلطون بالناس، ويدخلون إلى الدار لمعرفة ما يدور فيها. الرابع-إصدار قرار بمنع بعض كتبه- أحياناً- وجميع كتبه- أحياناً أخرى- من الطبع، لما في هذه الكتب من التوعية والترشيد الفكري، ولاحتوائها على فضح الاستعمار وعملائه. وكان من جملة ما منع سلسلة التعريف بالشيعة ، التي كانت تطبع، وترسل مع الحجيج في موسم الحج إلى الديار المقدسة، من أجل التقريب بين المسلمين وتعريف بعضهم الى بعض وإزا لة، الاتهامات التي اختلقها المستعمرون وأذنابهم ضد الشيعة. الخامس-منع طبع الرسالة العملية، ومناسك الحج، والدورة الفقهية . السادس-إحراق بعض كتبه بعد مصادرتها من المطابع، تماماً كما كانت الكتب تحرق فى القرون الوسطى، وكما صنع الاستعمار الفرنسي بكتب آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين في لبنان. السابع- منع الناس من اقتناء كتبه، وانزا ل عقوبات باهظة بمن يعثر على هذه الكتب عنده . وفي الآونة الأخيرة اشتدت الملاحقة ووصلت إلى إصدار حكم على بعض هؤلاء بالإعدام! ولذا اضطر الناس إلى دفن هذه الكتب في بيوتهم، بعيداً عن أعين الرقباء و(زوار الليل)! حتى ما يرتبط منها بالمسائل الشرعية، أو ما يتعلق منها بالدعاء والزيارة! الثامن- ملاحقة المطابع التي كانت تطبع كتبه، وتهديد بعضها بالإغلاق، وسجن بعض من أصحاب المطابع، مما جعل بعض المطابع تعتذر عن طبع كتبه. التاسع- مصادرة مجموعة من كتبه المخطوطة التي لم تطبع لحد الآن، وهذه الكتب تربو على الثلاثين، ولازالت حتى الوقت الحاضر مجهولة المصير، وكان على الرقابة أن تعيد الكتب لأصحابها حتى لو حظرت طبعها.. ولكن الرقابة العسكرية لم تعد مجموعة من كتبه أبداً. العاشر- مصادرة الرسائل والبرقيات التي كانت تأتيه من داخل العراق وخارجه ومصادرة الرسائل التي كان يكتبها سماحته. الحادي عشر-التجسس على مكالماته الهاتفية. الثاني عشر- منع أصدقائه من السفر إلى الحج وسائر السفرات الى الخارج. الثالث عشر- تصعيب المعاملات الإدارية لأصدقائه وتعقيدها. الرابع عشر- وقد تكرر قول المسؤولين لأصدقائه: ان وجودكم بقرب (السيد) ! ضع علامة استفهام عليكم في كل الوزارات الرسمية، ويعرقل سير أموركم في الدوائر. الخامس عشر-القاء القبض على زملائه، وزجهم في داخل السجون، مثل آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي(قدس سره)، وفضيلة الخطيب المجاهد الشيخ عبد الزهراء الكعبي (قدس سره) وآخرين معظمهم من الاحياء المعروفين للكل. السادس عشر- تعذيب المسجونين بأشد أنواع التعذيبات في داخل السجن، وقد ذكر قسم منها في كتاب(آية الله الشهيد حسن الشيرازي فكرة وجهاد) وكتاب (الصياغة الجديدة) وغيرهما. السابع عشر - منع طلاب العلوم الدينية من الحضور في درسه، والناس من الحضور في صلاة الجماعة التي كان يقيمها صباحاً وظهراً وليلاً. الثامن عشر- عدم السماح له ببناء المدارس. التاسع عشر- منع أصدقائه عن ارتقاء المنبر، وعدم منحهم إجازة العمل. العشرون-إغلاق مستوصف القرآن الحكيم، ومصادرة كل ما فيه، وبيعها بالمزاد العلني. الواحدوالعشرون-اغلاق الصندوق الخيري الذي أسس لإقراض الناس، ومساعدة الفقراء، ونحو ذلك. الثاني والعشرون- نصب العيون على جميع المؤسسات. الثالث والعشرون-اخراج كتبه عن مكتبات المطالعة العامة. الرابع والعشرون- حظر تجديد عمارة بعض مؤسساته. الخامس والعشرون- منع تأسيس (دار الولادة). السادس والعشرون- محاولة التسلل في بعض المؤسسات، وتكثيف الضغط عليها لكي تصبح تبعاً للدولة. السابع والعشرون- حظر دخول كتبه في (المعرض الدولي للكتب) الذي عقد في بغداد. الثامن والعشرون- مطاردة الهيئات التي كانت تشكل في المساجد. التاسع والعشرون- المنع من إصدار المجلات والنشرات المرتبطة به، حيث إن غالب المدارس والمؤسسات كانت تصدر مجلة لأجل تعالج شأناً من الشؤون الدينية أو الاجتماعية، أو نحوهما. الثلاثون- والمجلات والنشرات التي منعت هي كالتالي. ا-مجلة (الأخلاق والآداب) الشهرية وقد أمرت السلطة باغلاقها وسجن عدد من القائمين بها ثلاثة أشهر حيث تهجمت المجلة في أحد اعدادها على الاستعمار بشكل صريح وسافر. ب- مجلة (اجوبة المسائل الدينية). ج- مجلة (القرآن يهدي ) الشهرية. د- سلسلة (منابع الثقافة الإسلامية) الشهرية. وقد قامت هذه المؤسسة بطبع ونشر ما يقارب المليون كتاب داخل العراق وخارجه. هـ - جلة (صوت المبلغين) الشهرية. و- سلسلة (أعلام الشيعة)، التي كان هدفها: التعريف بعلماء الشيعة وأعلامهم. ومجلات أخرى نخص منها بالذكر(نداء الإسلام) الصادرة من إدارة (مدارس حفاظ القرآن الكريم) و(مبادىء الإسلام)- باللغة الانجليزية- الصادرة من مدرسة بادكوبه، و(ذكريات المعصومين) (عليهم السلام)، ومقرها مدرسة ابن فهد الحلى و(صوت الإسلام ) من نفس المدرسة... إلى غيرها من المجلات الشهرية والموسمية. الواحد والثلاثون- سجن وتعذيب وتسفير ومصادرة أموال جمع من القائمين بشؤون هذه المجلات. الثاني والثلاثون- بعث رسائل السب والشتم والتهديد إليه، بمختلف التواقيع المصطنعة. الثالث والثلاثون- منع إرسال كتبه إلى الخارج، بمصادرة الكثير منها مما يرسل بالبريد. الرابع والثلاثون- مصادرة البضائع والمؤن التي كانت ترسل إليه لأجل الفقراء. الخامس والثلاثون- محاولة إلغاء دوره في إنقاذ بلاد الإسلام بمختلف السبل والوسائل ليس فقط في الكبير من الأدوار، بل حتى الصغيرمنها! يكفي أن نعلم: صادروا منشوراً كتبه ضد اليهود، وسجنوا الموزعين له! السادس والثلاثون- الحيلولة دون انعقاد جلسات (دروس الأخلاق) التي كان يلقيها على الناس في ليالي الخميس وليالي الجمعة. السابع والثلاثون- توجيه ضغوط مختلفة عليه حتى اضطر إلى تغيير مكان صلاته- ظهراً- من الحسينية إلى (مدرسة ابن فهد) . الثامن والثلاثون- عدم إعفاء طلابه من الخدمة العسكرية رغم استحقاقهم قانونياً لذلك. التاسع والثلاثون- عدم الاعتراف بمشروعية عقود الزواج التي كانت تجري لديه، مما كان يضطر الأطراف إلى ايقاع العقد من جديد عند شخص آخر. الاربعون- مطاردة أصدقائه في الخارج وتعقيد شؤونهم بواسطة سفرائهم في تلك البلاد من الدوائر الرسمية وشبه الرسمية . الواحدوالابعون- محاولة تشويه سمعته وسمعة أصدقائه في مجلاتهم، وجرا ئدهم. الثاني والاربعون- عدم منح (الإقامة) لأصدقائه. الثالث والاربعون- تحريك حكومة الشاه لإهانته وسجن جمع من أصدقائه الذي سافروا إلى إيران. الرابع والاربعون- إهانة واستجواب أصدقائه الذين كانوا يفدون من الخارج، وسجن بعضهم. الخامس والاربعون- التعاون مع حكومة الشاه للضغط عليه وتشويه سمعته. السادس والاربعون- إرسال الجواسيس ومعهم أجهزة التسجيل نحو أصدقائه، ومحاولة جرهم إلى حديث يعطي مبرراً بيد الدولة لسجنهم، أو تسفيرهم. السابع والاربعون- الحيلولة دون اتصاله هاتفياً بالخارج، ومنع الخارج من الاتصال الهاتفي به. الثامن والاربعون- تهديد المواكب لكي لا يأتون إلى بيته، رغم اعتيادهم على ذلك سابقاً. التاسع والاربعون- تهديد الهيئات الخيرية لكي لا يستمدوا منه العون الاقتصادي. الخمسون- عدم منح هيئاته الحسينية الأرز والسكر والشاي، ونحوها- في حين كانت الاشتراكية هي الحاكمة، وكان كل شيء بيد الدولة، مع انهم كانوا معطون كل ذلك الى سائر الهيئات. الواحدوالخمسون-حرمان المؤسسات التي كانت تحتاج للتعمير من الإسمنت والحديد وما أشبه. الثاني والخمسون-احتلال الموقع الذي كان يصلي فيه (صلاة العيد) وتسليمه إلى بعض (وعاظ السلاطين). الثالث والخمسون- إعدام مجموعة من أصدقائه. الرابع والخمسون- إصدار حكم الإعدام على مجموعات من أصدقائه حتى اضطروا إلى الاختفاء، أو النزوح إلى الخارج. الخامس والخمسون- إرسال مجموعة من عملائهم للتعاون مع السفارة العراقية في الكويت في التضييق عليه وعلى مقلديه وعلى مؤسساته في الكويت. السادس والخمسون- بث الإشاعات الكاذبة ضد مؤسساته في لبنان. وختاماً فإن من الواضح ان عملية (كيل التهم) للمصلحين ليست جديدة على التاريخ البشري، بل إن كبار العظماء والمصلحين وعلى رأسهم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) وجهت إليهم مختلف أنواع التهم والافتراءات. وهذه نماذج عابرة مما وجه إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما جاء في القرآن الكريم: (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر انك لمجنون) الحجر- الآية 6 . (أم يقولون افتراه) يونس- الآية 38، هود- الآية 13. (إذ يقول الظالمون ان تتبعون إلا رجلاً مسحورا) ا لا سراء- الآية 47. (وقال الذين كفروا ان هذا إلا إفك افتريه واعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلمأ وزوراً - وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرةً وأصيلاً) الفرقان- الأية4-5. (ومنهم من يلمزك في الصدقات) التوبة - الآية 58. وليس أنواع الأذى والتهم التي وجهت لسائر ،المعصومين(عليهم السلام) بقليلة بل هي أشهر من نار على منار. وإذا سلطنا الأضواء على تاريخ المرجعية الدينية نجد أن عملية كيل التهم وبث الأكاذيب- سواء في البعد الديني أو العلمي أو السياسي ليست جديدة على مراجع التقليد الكرام، إذ هي تمتد بامتداد عمر المرجعية الرشيدة مجسدة بسلسلة من الحلقات المتتالية منذ مئات السنين . فالشيخ البهائي (قدس سره) لم يتهم بالفسق فحسب بل ،ان قراءة كتبه كانت تعد سبباً كافياً لتفسيق قارئها ورد شهادته كما اتفق ذلك في بعض مجالس القضاء (!) (أعيان الشيعة ج 9 ص 168، ذيل حالات محمد بن الحسن الحر). ولقد كثر حسّاده
ومناوئوه ورشقوه بوابل التهم
والأكاذيب حتى تمنى ان والده لم
يخرج به من جبل عامل إلى الشرق
وحتى قال هو (قدس سره) (وآل الأمر
أن تصدى لمعارضتي كل جاهل وجسر
على مباراتي كل خامل) (أعيان
الشيعة ج 9 ص 240، ذيل حالات محمد
بن الحسين البهائي). والمولى محمد تقي المجلسي الأول (قدس سره) أتهم بالتسنن أيضاً بل صار ذلك عنه معروفاً وذلك رغم انه أول من نشر حديث الشيعة بعد ظهور دولة الصفوية كما اتهم بالتصوف أيضاً (أعيان الشيعة ج 9 ص 193، ذيل حالات محمد تقي المجلسي). اما الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) فقد قال عنه أعداؤه: (كان ضالاً مضلاً هو ومن قرأ عليه ومن رفع منزلته) (أعيان الشيعة ج9 ص 422، والروضات ج2 ص 118 رقم 147). والعلامة الحلي (قدس سره) لم يسلم هو الآخر من صنوف التهم وأنواع الأكاذيب حتى لقد قالوا عنه: (هدم الدين مرتين إحداهما يوم السقيفة وثانيتهما يوم ولد العلامة!! ) (أعيان الشيعة ج 5ص 401). وهذا هو ابن إدريس الحلي صاحب كتاب السرائر يتهم تارة بانه (مخلّط لا يعتمد على تصانيفه)(الروضات ج 6 ص 274) وأخرى يعبر عنه بانه (الشاب المترف)! حيث ان هناك قولاً بأنه توفي في الخامسة والعشرين من العمر وقيل في الخامسة والثلاثين وقيل غير ذلك فراجع الروضات ص 376، وهذا رغم مكانته الكبرى حيث قال عنه (منتهى المقال): (كان شيخ الفقهاء بالحلة متقنأ في العلوم كثير التصانيف) (الروضات خ 6 ص 277). وقال عنه العلامة المجلسي (رضوان الله عليه) (…وكتاب السرائر للشيخ الفاضل الثقة العلامة محمد بن ادريس الحلي) وقال: ( وكتاب السرائر لا يخفى الوثوق عليه وعلى مؤلفه على أصحاب السرائر)(الروضات ص 279) وقال شيخنا المنتجب صاحب الأمل: (وقد أثنى عليه علماؤنا المتأخرون واعتمدوا على كتابه...) (الروضات ج 6 ص274). والسيد هاشم البحراني- مؤلف كتاب المعالم الزلفى، والبرهان في تفسير القرآن وغيرهما- هاجم بعض كتابه (ترتيب ألتهذيب) مسمياً له بـ (تخريب التهذيب) قال في الروضات: (… غير انه كما قيل سماه بعض علماء تلك الديار وتلك الأمصار بتخريب التهذيب وليس ذلك من البلدي والمعاصر بعجيب) ( روضات الجنات ج 6 ص 230، في حالات الطوسي) . وفخر المحققين الحلي- ويكفيك لقبه كاشفاً عن الملقب- هو الآخر رشقوه بوابل التهم ونغصوا عليه أيامه ولياليه حتى اضطر للهجرة والنزوح إلى أراضى آذربايجان! وهذه هي نص عبارته رضوان الله عليه(… فبكيت بكاءاً شديداً وشكوت إليه- أي إلى والده العلامة الحلي- قلة المساعد وكثرة المعاند وهجر الإخوان وكثرة العدوان وتواتر الكذب والبهتان حتى أوجب لي ذلك جلاء الأوطان والهرب إلى أرض آذربايجان فقال لي اقطع خطابك فقد قطعت نياط قلبي قد سلمتك إلى الله فهو سند من لا سند له… ) ( روضات الجنات ج 6 ص 332، في حالات محمد بن الحسن فخر المحققين). واما في العصر الراهن فيكفي ان نذكر: أن آية الله العظمى السيد محسن الحكيم- المرجع الأعلى في زمانه- اتهم وعلى شاشة التلفزيون- بالارتباط بالاستعمار وبالتجسس كما اتهم نجله بذلك، وبدأوا يشيعون حوله مختلف الأكاذيب والتهم والافتراءات حتى لقد أصدروا منشوراً تحت عنوان (آراء الوهابية تتجلى في فتاوى الحكيم) ووزعوه على نطاق واسع. كما اتهم كاتب معروف في كتاب صدر له أخيراً: آيةالله العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (صاحب العروة) بتهمة الارتباط بالاستعمار الانجليزي(!!) . كما اتهم آية الله السيد الكاشاني بذلك… وما أسهل كيل التهم وما أصعب إقامة الأدلة عليها ومن الواضح أن من أساليب الاستعمار محاولة تشويه سمعة قادة الأمة ومرشديها كي تنفض الأمة من حولهم فتصبح غنيمة باردة لذئاب الاستعمار…؟! هذا كله من جهة ومن جهة أخرى فإن الكثير من كبار العلماء وجهوا بمحاولات التنقيص من مكانتهم العلمية أو ابتلوا بعدم معرفة الآخرين لمنزلتهم العلمية مما سبب مشاكل جمة ومصاعب عديدة ولنذكر بعضهم.. منهم آية الله العظمى السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة في شرحهم قواعد العلامة حيث (كان صاحب رياض المسائل رحمه الله ينكر فضيلته) (الروضات ج 2 ص 216 رقم 179). ومنهم: أستاذ الفقهاء والمجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سره) حيث انه حضر في أصفهان على آية الله السيد محمد باقر الشفتي صاحب مطالع الأنوار أيام رئاسته وطلب إجازة الاجتهاد منه عام 1344 تقريباً أو قبلها بقليل إلا أن السيد الشفتي امتنع من ذلك لكونه لا يرى اجتهاده! وذلك في ابان بلوغ الشيخ الأنصاري (قدس سره) درجة عليا من الاجتهاد حيث صرح آية الله الملا أحمد النراقي صاحب المناهج قائلاً فيما يقارب تلك الفترة:( لقيت في أسفاري إلى الأقطار- خصوصاً في سفري إلى مجاهدة بني الأصفر خمسين عالماً مجتهداً لم يكن أحدهم مثل الشيخ المرتضى) ورغم كون ذلك بعد تتلمذ الشيخ على شريف العلماء، وعلى السيد محمد المجاهد صاحب المناهل المتوفى عام 1242 وعلى الشيخ موسى بن الشيخ محمد حرز الدين وبعد صحبته للمولى أحمد النراقي التي طالت ثلاث سنين أو في أواخرها حيث توفي النراقي حدود 1244 وصدور ذلك التصريح منه، كما ان الشيخ (قدس سره)(كان يرمى من بعضهم باعوجاج السليقة ولا يبعد أن يكون ذلك لما كان بيديه من التحقيق ودقة النظر) (أعيان الشيعة ج 9 ص 47 عمود 2 ذيل حلات الشيخ محسن خنفر). ومنهم: العلامة الحلي (قدس الله نفسه الزكية) حيث طعن مجموعة في اجتهاده مستدلين بكثرة مؤلفاته واستعجاله في التصنيف (!)، وان ذلك مستلزم لعدم مراجعته ما سلف من كتبه فيقع لذلك له تخالف بين الفتاوى (!) فليس إذأ بمجتهد! (أعيان الشيعة ج 5ص 3 ؤكـ4 نقلاً عن اللؤلؤة). ومنزلة العلامة العلمية أشهر من نار على علم وأشهر من أن تذكر ويكفى بأن نعلم فقط أن كتابه (القواعد) كان محط أنظار كبار الفقهاء حتى الآن وكان شغل الفقهاء تدريسه وشرحه وتداوله وكذلك كتابه الآخر (ارشاد الأذهان) وان (التحرير) قد جمع فيه أربعين ألف مسألة هذا إضافة إلى ، النهاية و(التهذيب)اللذان كان عليهما مدار التدريس في الحوزات العلمية قبل المعالم و… (أعيان الشيعة ج 5ص 396). كما ان شيخ الطائفة الشيخ الطوسي (رضوان الله تعالى عليه) قد طعن عليه بما يقرب من ذلك حيث قيل عنه (كان كثير الاختلاق في الأقوال وقد وقع له خبط عظيم في تمحله للاحتمالات البعيدة والتوجيهات الغير السديدة وكانت له خيالات مختلفة في الأصول) (روضات الجنات ج 6 ص 217) و(ما وقع للشيخ المذكور- أي الطوسي- سيما في التهذيب من السهو والغفلة والتحريف والنقصان) ( روضات الجنات ج6 ص 218). وقال في السرائر (انه- يعني كلام الشيخ الطوسي- يضحك الثكلى يا سبحان الله من أجمع معه على ذلك؟ وأي اخبار لهم فيه… وهذا منه اغفال في التصنيف) (الجواهر ج 42 ص 394). ولنعم ما قاله ابن ادريس الحلى فى الدفاع عنه (والحق ان الشيخ صارت له حالات متناقضة وأمور متعارضة لانه كان حديد الذهن شديد الفهم حريصاً على كثرة التصانيف وجمع التواليف) ( الروضات ج 6 ص 218). وما قاله بعض أعاظم المعلقين على ترجمة هذا الشيخ العظيم (واعلم إن كل ما وقع من الشيخ الطوسي (رحمه الله) من السهو والغفلة، باعتبار كثرة تصانيفه ومشاغله العظيمة فإنه كان مرجع فضلاء الزمان…))الروضات ج 6 ص 219). ومنهم: ابن إدريس الحلي فقد قال عنه في المختلف (وهذا جهل منه- يعني من ابن إدريس- وقلة تأمل وعدم تحصيل وذلك لقصور فهمه وشدة جرأته على شيخنا) (الجواهرج 42 ص 395) وذلك رغم ما نقلناه عن منتهى المقال وعن العلامة المجلسي وغيرهما فليراجع ورغم كونه من مشاهير علماءنا الأبرار،(قدس الله أسرارهم) . ومنهم: (صاحب الجواهر): حيث شكك (بعض الفقهاء المعاصرين له- وهو من المدققين-) في اصل اجتهاد صاحب الجواهر وذلك رغم انه كان قد أتم دورة الجواهر حينذاك حيث رفض حكم صاحب الجواهر قائلاً له (ثبت العرش ثم انقش) (أعيان الشيعة ج 9 ص 48 عمود1 في حالات الشيخ محسن خنفر). وليس ذلك فحسب بل أن ذلك البعض- وهو الشيخ محسن خنفر- كان يقول لصاحب الجواهر : ( أعط جواهرك هذه لبائعى الفلفل والكمون)! وهكذا يكون (الجواهر)- وهو من أعظم الدورات الفقهية على الإطلاق- في نظر بعض المعاصرين! هذا علماً بان الشيخ خنفر- على وزن جعفر- كان من مدققي الفقهاء ومن مراجع التقليد حيث قالوا في حقه (الثقة الضابط التقي الورع العالم العلامة كنت لا أسأله شيئاً إلا وجدت له جواباً حاضراً وكان إذا درس أتى بماله دخل من سائر العلوم في المطلب... وكان لغزارة علمه وإحاطته وتفرده بذلك ربما أنكر فضيلة بعض الأساطين) وقال صاحب أعيان الشيعة أقول:(... وبعض الأساطين المشار إليه في كلامه هو صاحب الجواهر فيحكى عنه انه كان يقول له اعط جواهرك هذه... ) كما رجع إليه- أي إلى الشيخ خنفر- أكثر العرب بعد وفاة صاحب الجواهر وعن التكملة في وصف الشيخ خنفر (عالم علامة فهامه محدث كبير رجالي طويل الباع كثير الاطلاع متبحر قل في المتأخرين نظيره إلا الشيخ أسد الله صاحب المقاييس)(اعيان الشيعة ج 9 ص 48 و 49). |