![]() |
|
الدولة الصالحة .. الحياة الكريمة للإنسان معيار الحكم
موقع الإمام الشيرازي 21/ رجب/ 1447
صلاح الدولة لا يقاس بكثرة شعاراتها، بل بقدرتها على توفير حياة كريمة لمواطنيها، وصون حقوقهم وحرياتهم، وإدارة الأزمات بحكمة تمنع الانزلاق إلى الفقر وعدم الاستقرار والعزلة الدولية. فإن الدولة الصالحة هي التي تجعل الإنسان غايتها الأولى، لا وقوداً لمشاريع السلطة.
وقد لخّص الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(عليه السلام) هذا المعنى مبكراً بقوله: "إنما
عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة"
(نهج البلاغة: عهد الإمام للأشتر). فإن الشعب يريد أن يشارك في اتخاذ القرار، ويتطلع الى تحقيق أعلى مستوى من الحرية، والعيش بكرامة، ويطالب بالعدل والمساواة .. وهي تطلعات/حقوق تضمن استقرار البلاد وأمنها، وهي أيضاً تجعل الشعب يلتف حول الدولة. في هذا الإطار، يقدّم المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) تصوراً واضحاً للدولة الصالحة، يلتقي في جوهره مع خلاصات تجارب الدولة الحديثة. فإن الدولة، عنده، لا تكتسب مشروعيتها من القوة أو الادعاء الأخلاقي، بل من الغرض الصالح الذي تحققه في الواقع. يرى(قده) أن الدولة الصالحة هي التي تعمل وفق العقل والمنطق، فتمنع الاستبداد والتعسف، وتخضع للقانون دون تمييز. وهو تصور ينسجم مع ما عبّرت عنه حنّة أرنت (منظرة سياسية أميركية) حين فرّقت بين السلطة والعنف، معتبرة أن "السلطة تنبع من اجتماع الناس، أما العنف فيظهر حين تفشل السلطة". فإن الدولة التي تحتاج إلى القمع الدائم هي، في حقيقتها، دولة فاقدة للشرعية. كما يؤكد الإمام الشيرازي أن الدولة لا تُختَزَل في حفظ الأمن، بل تُلزَم بتأمين شروط الحياة الكريمة؛ مثل العمل، والسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، والأمن من الخوف والقلق. وهذا الفهم يقترب من روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ربط الكرامة الإنسانية بالحقوق الاجتماعية، لا بالحريات الشكلية وحدها. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عن هذا البعد الاجتماعي للسلطة بقوله (عليه السلام): "الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم" (نهج البلاغة: عهد الإمام للأشتر). جاعلاً معيار الحكم هو حال الأضعف، لا امتياز الأقوى. وفي مسألة الشرعية السياسية، يميّز الإمام الشيرازي بوضوح بين الديمقراطية الشكلية والدولة الصالحة. فإن الانتخابات لا تكفي إن لم يكن الشعب راضياً عن الحاكم ومؤيداً للقرار العام. وهو ما يلتقي مع نقد واسع في الفكر السياسي المعاصر، حيث حذّر جون رولز (فيلسوف أمريكي في القانون والسياسة) من أن حكم الأغلبية، إذا تُرك بلا قيود، قد يتحول إلى ظلم منظم، مؤكداً أن "العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية". أي أن العدالة الاجتماعية قيد أخلاقي سابق على القرار السياسي. أما الدولة الاستبدادية، فيحكم الإمام الشيرازي بعدم قابليتها للصلاح، لأنها منفصلة عن المجتمع وتفرض القرار من أعلى. وقد أثبتت تجارب القرن العشرين صحة هذا الحكم، إذ تحولت الدول الديكتاتورية إلى أنظمة قمعية عاجزة عن تحقيق الاستقرار أو التنمية، مهما رفعت من شعارات قومية أو أيديولوجية. وكما قالت أرنت بوضوح: "حيث يسود الخوف، يغيب الفعل السياسي الحر". وفي المقابل، لا يمنح الإمام الشيرازي صك البراءة التلقائي للدول الديمقراطية، إذ يرى أن صلاحها مرهون باحترام الحقوق والحريات، وضمان عدم سحق الأقليات باسم الأغلبية. وهو ما حاولت الدساتير الحديثة معالجته عبر الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية حرية التعبير والاحتجاج. ويؤكد الإمام الشيرازي أن حقوق الإنسان ليست منحة من الدولة، بل هي أصل التشريع ومرجعيته. فالإنسان محور القانون، وكرامته سابقة على السلطة. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن هذا المبدأ بعبارة بالغة الدلالة: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق" (نهج البلاغة: خطبة 52). وهي صيغة أخلاقية تلتقي اليوم مع جوهر الفلسفة الحقوقية الكونية. وهكذا، يربط الإمام الشيرازي صلاح الدولة بـ حسن التدبير؛ أي إدارة رشيدة، ومؤسسات كفوءة، وخيارات سياسية واقتصادية متزنة تتجنب الأزمات بدل صناعتها. فإن الدولة التي تسيء إدارة مواردها، أو تدخل صراعات غير محسوبة، أو تهمل الخدمات الأساسية، لا تفشل إدارياً فحسب، بل تفقد مبرر وجودها الأخلاقي. بالتالي، الدولة الصالحة، في المحصلة، ليست حلماً طوباوياً ولا شعاراً دينياً أو حداثياً، بل معياراً عملياً بسيطاً: هل تحمي كرامة الإنسان؟ هل توفر له حياة كريمة؟ هل تحترم حريته وتستمد شرعيتها منه؟ كل دولة تعجز عن ذلك أو تعجز عن بعض ذلك، تفشل – مهما كانت تسميتها – في أن تكون دولة صالحة. |