من تحوّلات الإعلام الشيعي خلال عقدين


من خطاب القيم إلى انتقائية المواقف

 

موقع الإمام الشيرازي

18/ رجب / 1447

 

 

شهد الإعلام الشيعي، خلال العقدين الأخيرين، تحوّلات عميقة لم تقتصر على الأدوات والمنصات وأساليب النشر، بل امتدت – وهو الأخطر – إلى المضامين والمعايير المهنية والقيمية التي تحكم خطابه. فالمسألة لم تعد تقنية أو شكلية، بل باتت تمس جوهر الدور الأخلاقي والإنساني الذي يُفترض أن يؤديه الإعلام بوصفه سلطة رقابية وشاهداً على الحق.

وقبل الخوض في هذا التحول، لا بد من التذكير بأن الإعلام المهني، أيّاً كانت هويته، يقوم على أسس واضحة وهي: الصدق، والتحقق، والاستقلال عن السلطة والمال، والانحياز للإنسان وكرامته، والجرأة في مساءلة القوي قبل الضعيف. أما الإعلام القيمي، فلا يكتفي بنقل الحدث، بل يضعه في سياقه الأخلاقي، ويرفض تبرير الظلم أو الصمت عنه. من دون هذه الأسس، يتحول الإعلام من ضمير عام إلى أداة تبرير، ومن سلطة رقابية إلى جزء من المشكلة.

من هذه الزاوية، يمكن ملاحظة أن الإعلام الشيعي – عموماً لا إطلاقاً – لم يعد ذلك الإعلام الذي كان يستحضر تجربة الإمام علي بن أبي طالب بوصفها مشروعاً إنسانياً متكاملاً للحُكْم والعدالة، بل بات يوظفها في كثير من الأحيان توظيفاً رمزياً أو انتقائياً. فالإمام علي بن أبي طالب، في الذاكرة الإعلامية السابقة، لم يكن مجرد أيقونة طقسية، بل معياراً أخلاقياً وسياسياً وإنسانياً يُقاس به الحق والباطل.

لقد اختصر الإمام فلسفته الإنسانية الخالدة بقوله: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق" (نهج البلاغة: خطبة 52)، وهي عبارة لا تمثل حكمة وعظية فحسب، بل تؤسس لرؤية شاملة تعلي من كرامة الإنسان قبل أي انتماء، وتجعل العدالة أساس العلاقة مع الآخر، لا الهوية ولا المذهب ولا القومية. اليوم، تكاد هذه المقولة العَلَويّة تغيب عن الخطاب الإعلامي الشيعي، أو تُستدعى في سياق إنشائي منزوع من دلالاته النقدية والسياسية والإنسانية.

وينسحب هذا الغياب على مفهوم العدالة الاجتماعية والاقتصادية الذي شكّل قلب تجربة الإمام في الحكم. فقد ربط بوضوح بين الوفرة والحرمان حين قال: "ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع" (نهج البلاغة: الحكمة 328). وذهب أبعد من ذلك عندما قرر: "ما جاع فقيرٌ إلا بما مُتّع به غني والله تعالى سائلهم عن ذلك" (نهج البلاغة: الحكمة 328). هذه النصوص ليست مواعظ أخلاقية عابرة، بل اتهام سياسي صريح لأي نظام يسمح بتراكم الثروة مقابل اتساع رقعة الفقر. ومع ذلك، تراجعت هذه الرؤية العَلَوية من واجهة الإعلام الشيعي، في وقت يتسع فيه الفقر داخل المجتمعات الشيعية بشكل خطير، في الوقت يُحاط الثراء الفاحش لطبقة الحكم والنفوذ بصمت مريب، أو يُبرَّر بوصفه واقعاً لا يُمَس.

أما القضاء، الذي اعتبره الإمام علي الركيزة الأولى للعدل، فقد كان ميداناً آخر لتجسيد النزاهة والمساءلة. فالقاضي في دولته لم يكن فوق الشبهة، بل خاضعاً لرقابة أخلاقية صارمة. خطابه إلى شريح بن الحارث، محذّراً إياه من شراء دار بمال مشبوه، لم يكن تدخلاً شخصياً، بل إعلاناً واضحاً بأن المنصب لا يمنح حصانة، وأن العدالة لا تنفصل عن السلوك الشخصي. والسؤال اليوم: أين هذا المبدأ من خطاب إعلامي شيعي يتجنب مساءلة القضاء حين يتورط في التسييس أو إظلام الحقوق؟!

وفي إدارة المال العام، بلغت تجربة الإمام ذروة غير مسبوقة في النزاهة. فقد أطفأ شمعة بيت المال حين انتقل إلى حديثه الخاص، وأعلن بوضوح: "والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته" (نهج البلاغة: خطبة 15). لم يكن ذلك بلاغة لغوية، بل سياسة حكم، عبّر عنها أيضاً بقوله: "ليس لي دونكم إلا مفاتيح مالكم معي" (الكامل لابن الأثير: ج3 - ص193). هذا الفصل الحاسم بين الحاكم وبيت المال هو جوهر ما تسميه اليوم نظريات الحوكمة الرشيدة، ومع ذلك نادراً ما يُستدعى هذا المبدأ العَلَويّ في الإعلام الشيعي، وكأن استحضاره يحرج واقعاً يتعايش مع الفساد أو يبرره.

ويبقى مشهد رفضه إعطاء أخيه عقيل زيادة من بيت المال، وتذكيره بنار الآخرة عبر الحديدة المحماة، واحداً من أكثر المشاهد دلالة في تاريخ السلطة. إنه إعلان قاطع بأن القرابة لا تصنع حقاً، وأن العدالة لا تعرف استثناءات. ومع ذلك، يغيب هذا المشهد العَلَويّ الأخلاقيّ عن خطاب إعلامي شيعي يتسامح مع المحاباة، ويغض الطرف عن الامتيازات، بل يسوّغها أحياناً.

والأكثر لفتاً للانتباه أن تجربة الإمام علي بن أبي طالب في الحُكْم لم تسجل قتيل رأي واحداً، ولا سجيناً سياسياً واحداً. كانت المعارضة تُواجَه بالكلمة لا بالسيف، وكان (عليه السلام) يقول: "خير الملوك من أمات الجور وأحيا العدل" (غرر الحكم: 5005). وكان يرى الفقر جريمة لا قدراً، حتى قال: "لو تمثل الفقر رجلاً لقتلته" ، أي لاستأصل أسبابه. هذه الرؤية الجذرية للعدالة الاجتماعية تكاد تختفي اليوم من خطاب إعلامي شيعي يفصل بين الظلم السياسي والخراب الاجتماعي، أو يتعامل مع كليهما بانتقائية.

ومن المفارقات اللافتة أن حضور عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر شهد تراجعاً ملحوظاً في عموم الخطاب الإعلامي الشيعي خلال العقدين الأخيرين، على الرغم من أن هذا النص لا يقتصر على كونه توجيهاً إدارياً من والٍ إلى عامله، بل يُعَد وثيقة تأسيسية فريدة في الفكر السياسي والأخلاقي، تؤسس لفكرة إنسانية الدولة، ويمكن النظر إليه بوصفه أحد أقدم النماذج لما يشبه الدستور المكتوب القائم على كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية. ويثير هذا التراجع تساؤلاً نقدياً جوهرياً: كيف يمكن تفسير تجاهل الإعلام الشيعي، ولا سيما بعد انتقال الشيعة إلى موقع السلطة، لنص شامل في الحكم والسياسة والأخلاق والمجتمع والإدارة والاقتصاد، كتبه الإمام الذي يُعَد المرجعية العليا في تراثهم الفكري والسياسي والأخلاقي؟!!

وتأتي وصيته الأخيرة لولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) لتختصر المشروع كله: "كونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً" (بحار الأنوار: ج42 – ص256). وهنا يفرض السؤال نفسه: هل ما زال الإعلام الشيعي وفياً لهذه الوصية الإنسانية، أم بات يدين الظلم فقط إذا صدر من "الآخر"، ويصمت أو يبرر إذا جاء من سلطة "من داخل الطائفة؟"

المفارقة المؤلمة أن هذا الإعلام الشيعي، في كثير من الأحيان، لا يبدي حساسية كافية تجاه الشيعي الذي يُظلم أو يُعتقل أو يُغتال داخل بلاده، بينما ترتفع نبرته الأخلاقية حين يقع الظلم خارجها. كأن الظلم يفقد فداحته بتغير هوية فاعله، أو كأن العدالة أصبحت مشروطة بالانتماء. هذا ليس خللاً عابراً، بل انحراف معياري يُفرِغ تراث الإمام أمير المؤمنين من محتواه، ويحوله إلى زينة رمزية تُستَعمَل بلا التزام.

وهكذا، يظل السؤال الجوهري، البسيط في صياغته والثقيل في دلالته، معلقاً:

هل ما زال الإعلام الشيعي يتكلم بلسان الإمام أمير المؤمنين أم اكتفى بالحديث عنه؟!