![]() |
|
مستشفى الرشاد يكشف أزمة كرامة الإنسان في العراق (تقرير مع صور)
موقع الإمام الشيرازي 10/ جمادى الآخرة/ 1447 يقول الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(الحجر:92)
تتجاوز كارثة مستشفى الرشاد للأمراض النفسية (الشماعية) في بغداد كونها مجرد حادثة إهمال فردي، لتكشف عن انهيار هيكلي في القطاع الصحي العراقي، حيث يواجه المرضى النفسيون (1450 مريضاً بـ 11 طبيباً فقط وميزانية لا تكفي للطعام) ظروفاً لا إنسانية في مبانٍ تعود إلى الخمسينيات. هذا الواقع المزري يتناقض بشكل حاد مع الثروات الهائلة التي تمتلكها البلاد، ويُظهِر مفارقات تمويلية وسياسية مقلقة. تفاصيل المأساة .. اكتظاظ – نقص - مبان متهالكة كشف الإعلامي العراقي علي الخالدي هو من كشف عن تفاصيل صادمة عن واقع المستشفى، مشيراً إلى نقص كارثي في الموارد والموظفين، حيث غرّد بالنقاط التالية: "يضم المستشفى أكثر من 1450 مريضاً نفسياً، يشرف عليهم 11 طبيباً فقط .. بنية تحتية متآكلة حيث إن المرضى يقيمون في قاعات قديمة من الخمسينيات متهالكة وغير صالحة للاستخدام الآدمي." أيضاً، أشار الخالدي الى أن الميزانية المخصصة للمستشفى "لا تكفي حتى للأكل"، مما يشير إلى تدهور نوعية الغذاء والرعاية الأساسية. ودعا الخالدي إلى "ثورة إنسانية" لتوفير المباني، والعلاج، والأكل، والأسرة، وزيادة أعداد الأطباء والممرضين، مؤكداً أن هؤلاء "امانة برقابكم". وقد عزز تغريدته بصور تُظهر الأوضاع "المزرية" للمرضى. في السياق، وتعليقاً على الصور والمشاهد المؤلمة، وصفت الكاتبة والروائية العراقية شهد الراوي المشهد بأنه دليل على الإهمال الواضح لكرامة الإنسان العراقي، حيث كتبت: "المرضى في مستشفى الرشاد ينامون بين النفايات كإشارة صريحة للاستهتار بقيمة الإنسان. هذا المشهد يصور الإهمال الواضح لكرامة العراقي... أين وزير الصحة من هذه المشاهد المروعة؟ أين الدولة حين ينهار المريض العراقي إلى هذا المستوى؟" وانتقدت الراوي بشكل لاذع أولوية صرف الأموال في البلاد، مقارنة بين الميزانيات الهائلة التي تُصرف على "دعايات انتخابية" أو مشاريع أخرى، والتي "يمكن أن تبني أكثر من عشر دول مجتمعة"، في حين لم يصل "دينار واحد" لمن سحقهم العوز والمرض في الرشاد. إخفاق .. صمت رسمي واعتراف دولي في الوقت الذي تصاعدت فيه أصوات إعلاميين ومثقفين عراقيين لوصف الأوضاع بأنها "استهتار بقيمة الإنسان"، كانت الاستجابة الرسمية من وزارة الصحة ضعيفة وغير كافية: فقد كان رد الوزارة الصحة متذبذباً؛ حيث لم تصدر الوزارة تصريحاً شاملاً لمعالجة القضايا الجوهرية مثل نقص الأطباء، نقص الميزانية، سوء الخدمات، تهالك البناية والمعدات. بدلاً من ذلك، اقتصرت الردود على نفي حدوث حالات وفاة محددة في المستشفى، أو معالجة قضايا إدارية وفردية مثل قضية فساد تتعلق باختفاء أجهزة تكييف، مما يؤكد مشكلة سوء الإدارة بدلاً من نفيها. في الوقت، تدعم تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) والبنك الدولي القلق بشأن القطاع الصحي العام، في عموم العراق، مؤكدة أن الأزمة بنيوية من خلال: * يشكو العراق من انخفاض كبير في أعداد الأطباء والممرضين لكل 10,000 نسمة. * معظم المستشفيات قديمة وإنتاجها انخفض، وهي تفاصيل تتقاطع تماماً مع حالة مستشفى الرشاد. * يبلغ الإنفاق الحكومي على الصحة حوالي 4.8% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدل لا يفي باحتياجات التغطية الصحية الشاملة التي يكفلها الدستور. مفارقة .. مقابل صحة الشعب تكمن إحدى أكثر المفارقات إثارة للجدل في توزيع الموازنة العامة، حيث تُظهِر بيانات الموازنات السنوية خلال العقدين الماضيين تفضيلاً مالياً لدوائر الوقف الديني على حساب وزارة الصحة، التي يُفترَض أنها معنية بالرعاية الأساسية لعموم الشعب العراقي. فإن، الأوقاف الدينية حصلت على 1.913 تريليون دينار (أكثر من 1.3 مليار دولار) من موازنة 2023، وحصلت على 2.564 تريليون دينار (نحو 1.76 مليار دولار) من موازنة (2024). وهذا المبلغ لا يشمل الإيرادات الذاتية الضخمة للأوقاف من الزيارات والتبرعات. ما يعني أن تخصيصات الأوقاف الدينية (2.5 تريليون دينار) تعادل أكثر من ضعف تخصيصات وزارتي الصناعة والزراعة مجتمعتين. بينما التخصيصات الفعلية لوزارة الصحة - خلال العقدين الماضيين - تكون دائماً أقل بكثير من الحد الأدنى لمتطلباتها. بالموازاة، في نظام يحكمه نفوذ أحزاب "دينية" يوجه التخصيص المالي نحو جهات تعتبر ذات أولوية سياسية أو اجتماعية، حتى لو كان ذلك على حساب الحق الدستوري للمواطن في الرعاية الصحية. هذه المفارقة تثير تساؤلات جدية حول الأمانة والقيم الإنسانية المتمثلة في جوهر الأديان، وكيف يمكن لدولة أن تهمل صحة مواطنيها بهذا الشكل المأساوي. الكلفة البشرية للإهمال إن الإهمال في التمويل والبناء في القطاع الصحي لا يقتصر تأثيره على رداءة الخدمات فحسب، بل يتسبب في كوارث مميتة ومتكررة. فقد أدت الحاجة إلى خفض التكاليف وسوء الإدارة إلى استخدام مواد بناء رديئة أو سريعة الاشتعال في المستشفيات. كما شهد العراق سلسلة من الحوادث المروعة، أبرزها حريق مستشفى ابن الخطيب (2021)؛ أسفر عن مقتل عشرات المرضى والمرافقين بسبب انفجار أسطوانات أوكسجين، وكشف عن قصور هائل في إجراءات السلامة. وقد تكررت الحرائق في مستشفيات أخرى (مثل مستشفى الحسين في الناصرية)، مما أودى بحياة العشرات، وكان السبب الرئيسي هو الإهمال في صيانة الأجهزة الكهربائية ونقص إجراءات الأمن والسلامة. هذه الحرائق تشكل دليلاً دامغاً على أن الأزمة في مستشفى الرشاد ليست معزولة؛ بل هي جزء من ثقافة إهمال عامة تجعل حياة الإنسان العراقي، وخاصة الضعيف والمريض، في خطر دائم.
|