![]() |
|
فورين بوليسي: إيران فقدت 80% من بحيراتها وطهران على حافة يوم الصفر المائي
9/ جمادى الآخرة/ 1447
سد أمير كبير على طول نهر كرج في سلسلة جبال البرز شمال إيران، في الأول من يونيو/حزيران (صورة من مجلة فورين بوليسي)
بينما تتفاقم الأزمة في أحياء طهران مع جفاف الصنابير وانقطاع المياه لساعات طويلة، تتكشف ملامح واحدة من أخطر الأزمات البيئية في تاريخ إيران الحديث. تقارير مجلة فورين بوليسي الامريكية التي حذّرت من أن العاصمة أصبحت "مدينة غير قابلة للاستمرار" تتقاطع الآن مع معطيات جديدة صدرت داخل إيران، تكشف عن تسارع "الهبوط الأرضي" في جنوب طهران وجفاف أكثر من 80 في المائة من بحيرات البلاد، في أزمة يصفها الخبراء بأنها "تهديد وجودي" قد يعصف بالاستقرار البيئي والاقتصادي للسكان. طهران تهبط سنوياً .. والسكان يواجهون العطش تؤكد وكالة "إيسنا" الإيرانية وتقارير مراكز علمية إيرانية أن المنطقة 18 في طهران تشهد اليوم هبوطاً أرضياً يتجاوز 30 سنتيمتراً سنوياً، بفعل الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية. هذا الهبوط، الذي يشبه "انهياراً صامتاً" تحت المدينة، يتزامن مع أزمة انقطاع المياه التي وثّقتها فورين بوليسي، حيث تنتشر طوابير انتظار عودة المياه إلى البيوت، بينما يعجز جزء من السكان عن شراء المياه المنقولة بالصهاريج. ويقول مهدي زارع، الأستاذ في مركز الأبحاث الدولية لعلم الزلازل، إن ما تشهده طهران اليوم "غير مسبوق"، مشيراً إلى أن جفاف البحيرات وتراجع الرطوبة وغياب التخطيط الحكومي جعل العاصمة "تنهار من الأسفل." ويحذّر خبير آخر، علي بيت اللهي، من أن الهبوط الأرضي اليوم بات يهدد 40 في المائة من سكان إيران، مشيراً إلى أن معدلات الهبوط جنوب العاصمة تضاعفت ثلاث مرات خلال العامين الماضيين. وأشار زارع الى أن جفاف بحيرة أرومية "جرح في جسد إيران"، وأن انهيارها قد يترك أثراً على كامل الهضبة الإيرانية. مؤشرات كارثية وفقاً لمجلة (فورين بوليسي) فإن أكثر من 60% من مياه طهران تُستَخرَج من الأحواض الجوفية، ما يعني أن أي انهيار فيها يفضي إلى كارثة بيئية وبشرية. بالموازاة، فإن الهبوط الأرضي (Subsidence) بات محسوساً، ما يزيد مخاطر الزلازل على مدينة مبنية فوق صدوع جغرافية، وهو عامل مضاعف للخطر. الحلول التي تم اعتمادها مؤقتاً - كتحويل المياه عبر أنفاق وقنوات من السدود - لم تنجح في تغطية الطلب الهائل لطهران، وكانت مجرد "سد رمزي" على أزمة عميقة. بالتالي، فإن سنوات الجفاف المتتالية، إلى جانب السياسات المائية الخاطئة، دفعت المدينة إلى حافة "يوم الصفر" — حيث قد يصبح توفير مياه الشرب غير مضمون لعشرات ملايين السكان. البحيرات التي كانت رئات إيران .. اختفت الخبر الأكثر صدمة أوردته جامعة "بهشتي": إيران فقدت 80% من بحيراتها. هذه البحيرات، التي كانت تنظّم المناخ وتخفض الحرارة وترطّب الهواء، تحوّلت في كثير من المناطق إلى مساحات ملحية وأراضٍ متشققة. جفاف بحيرة أرومية — التي وصفها زارع بأنها "جرح في جسد إيران" — هو المثال الأكثر وضوحاً على الانهيار البيئي المتسارع. وتشير التقديرات إلى أن معدل استهلاك الفرد للمياه في إيران (1100 – 1200 م³ سنوياً) يضع البلاد في "منطقة الأزمة المائية"، وهي خطوة واحدة قبل مستوى "الكارثة." في السياق، يتفق خبراء داخل إيران وخارجها على أن الجفاف ليس سوى جزء صغير من المشكلة. وبحسب تقديرات البرلمان الإيراني ومعهد جامعة الأمم المتحدة، فإن أساس الأزمة يتمثل بعقود من سوء الإدارة ظهر من خلال استنزاف عشوائي للمياه الجوفية، وغياب تطبيق القوانين المائية، ودعم مالي يجعل استهلاك المياه غير منضبط، ومشاريع "نقل المياه" التي يعتبرها الخبراء "نقلاً للأزمة"، وغياب الاستثمار في تحلية المياه وإعادة التدوير. من جهته، كاوه مدني، أحد أبرز خبراء المياه الإيرانيين، وصف الوضع مؤخراً بأنه "إفلاس مائي كامل." طهران .. مدينة تقترب من الانهيار مقالتان لمجلة "فورين بوليسي" تذهبان إلى ما هو أبعد من رصد الأزمة، إذ تعتبران أن ما يحدث في طهران اليوم هو انعكاس لفشل حكومة في إدارة مواردها، وأن العاصمة — التي يسكنها أكثر من 15 مليون نسمة — قد لا تكون قابلة للحياة في العقد المقبل إذا لم تُتَخَذ إجراءات جذرية لمنع الانهيار المائي والهيدرولوجي للمدينة. وتحذّر المجلة من موجة نزوح بيئي داخلي قد تضرب إيران خلال السنوات المقبلة، مع انتقال ملايين المواطنين من المناطق العطشى والمنهارة بيئياً نحو الشمال أو المدن الأقل تضرراً. وهكذا، تجمع التقارير الدولية والبيانات العلمية الإيرانية على حقيقة واحدة وهي أن إيران تواجه أزمة وجودية غير مسبوقة. الجفاف وحده لم يكن كافياً لتدمير بنية بلد كاملة، لكن تراكب سوء الإدارة، والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، وغياب الرقابة، وتجاهل التحذيرات العلمية، جعل إيران اليوم على حافة انهيار مائي شامل، يهدد المدن الكبرى وفي مقدمتها طهران، ويضع الاستقرار الاجتماعي والسياسي في مهبّ الريح. |