بلد ثري وشعب فقير .. كيف يخرج العراق من هذا التناقض الخطير؟!


 

 

موقع الإمام الشيرازي

5/ جمادى الآخرة/ 1447

 

 

تقرير "الفقر متعدد الأبعاد في العراق"، الصادر عن هيئة الإحصاء بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفريق أكسفورد للفقر والتنمية في عام 2025، يكشف التقرير أن "نسبة 36.8% من العراقيين، أي قرابة 17 مليون نسمة، يعانون من فقر يُقاس بخمسة مؤشرات: التعليم، والصحة، ومستوى المعيشة، والعمل، والتعرض للصدمات". ويضيف أن "17.5% يعانون من فقر الدخل، أي أن متوسط دخلهم الشهري يقل عن 137 ألف دينار"

------------------------------------------

في الوقت الذي يضخ فيه العراق يومياً أكثر من أربعة ملايين برميل نفط وتتجاوز إيراداته السنوية حاجز المائة مليار دولار، لا يزال متوسط دخل الفرد لا يتجاوز خمسة آلاف دولار سنوياً. في الوقت أن العراقيين لا يحصلون على الخدمات الحياتية الأساسية، كالصحة والتعليم والبلديات على سبيل المثال، كما تحصل عليها كثير من شعوب دول فقيرة، سواء في الشرق الأوسط أو العالم. بالتأكيد، هذا التناقض الاقتصادي ليس مجرد خلل في الأرقام، بل يعكس حقيقة قاسية وهي أن الثروة ليست ما تحت الأرض، بل ما فوقها وداخل العقول والمؤسسات.

إن النفط يمنح المال، لكنه لا يصنع ثروة حقيقية. فالثروة المستدامة هي القدرة على إنتاج المال باستمرار، وهي قدرة يحول دون تحقيقها تشوهان رئيسيان في الاقتصاد العراقي وهما: الاعتماد الريعي المطلق والتفاوت الاجتماعي الحاد.

تعود الهشاشة الاقتصادية إلى غياب ثلاثة أركان أساسية، وهي التي تحدد مصير الثروة في العراق:

الركن الأول: تآكل المعرفة ورأس المال البشري .. الجامعات في العراق تخرِّج أجيالاً أضعف من سابقيها، والمؤسف هو أن مائة ألف متخصص يغادرون البلاد سنوياً منذ عام 2003. هذا النزيف يمنع تراكم المعرفة ويقلل من القدرة الإنتاجية النوعية للمواطن العراقي.

الركن الثاني: ثقافة الريع وهيمنة القطاع العام .. لقد حوّل الريع النفطي المواطن العراقي من مُنْتِج إلى مُتَلَقٍ ينتظر الحصة. الحلم الوطني اليوم هو "الوظيفة الحكومية" أو "راتب التقاعد المبكر"، في ظل تضخم القطاع العام الذي يبتلع جزءاً كبيراً من الميزانية. هذا يخلق هشاشة اقتصادية ويعمق التفاوت بين العائدات المستقرة للموظفين الحكوميين وبين العاملين في قطاع خاص يعاني من الضمور.

الركن الثالث: انهيار المؤسسات وحماية الفساد .. في ظل غياب دولة تحمي الملكية وتكافئ الكفاءة، يُسرَق أو يُهدَر ثلث الميزانية السنوية على الأقل، وفق تقارير دولية. هذا الفساد يُفسِد المناقصات، ويعطِل المشاريع، ويجعل المستثمر الأجنبي يهرب بعد أول صفقة، مما يوقف أي قدرة على بناء اقتصاد منتج.

النتيجة الكارثية

إن النتيجة المباشرة لهذا التشوّه هي التفاوت الحاد في توزيع الدخل؛ فالناتج المحلي الإجمالي للفرد (المتوسط النظري) يخفي وراءه تراكماً للثروة لدى فئة محدودة، مقابل طبقة وسطى متآكلة ونسبة فقر مرتفعة.

بالتالي، فإن العراق اليوم أفقر مما كان عليه عام 1980، رغم أن إنتاجه النفطي اليوم يزيد بثمانية أضعاف عما كان عليه قبل خمسين سنة.

في المقابل، دول كالإمارات حولت نفس الرمال إلى دخل فرد يقارب ثمانين ألف دولار، عبر استيراد المعرفة وبناء ثقافة عمل صارمة ودولة قانون صلبة. بينما انهارت دول كلبنان لنفس السبب: اختفاء الثقة، وانتشار ثقافة الريع الطائفي، وتحول الدولة إلى آلة لتوزيع الغنائم بدلاً من حماية الإنتاج.

طريق الخروج

العراق ليس محكوماً عليه بالفقر؛ فالنفط لا يزال موجوداً وهناك ثروات أخرى. لكن الخروج من هذا التناقض لن يحدث بزيادة الرواتب، ولا بكثرة التوظيف الحكومي، بل سيتحقق فقط حين يبدأ العراقيون في بناء المعرفة، واستعادة كرامة العمل المنتِج، وفرض دولة تعتمد على الكفاءات وتكافئ المجتهد، وتفرض القانون فتحاسب الفاسد وتنحي الفاشل .. دولة تحرص على شعبها وتحافظ على كرامته وحقوقه وأرضه ومياهه وثرواته، وتعمل بمسؤولية أجياله القادمة. حتى ذلك اليوم، سيبقى العراق أكبر دليل حي على أن أعظم ثروة طبيعية يمكن أن تتحول إلى أكبر لعنة إذا غابت العقول والمؤسسات القادرة على تحويل المال إلى ثروة مستدامة.

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(التوبة: 105)